نخب وأسماء ثقافية بثوب المراهقين
تحت عنوان
واقعنا الثقافي
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح ال
دين
"شايب وعايب" كما يُعرف عند العامة، فالكثير منا
يتساءل عن سبب ندرة الأقلام النسائية في أوساطنا الثقافية. ولهذا السبب أمرٌ رئيسي
يتمثل في بعض من يدّعون الثقافة، وهم ثلّة من المرضى النفسيين الذين يقدمون صورة
سيئة عن عرّابي الثقافة المحلية والعربية.
في البداية يجب الحديث عن بعض رموز الثقافة الرصينة على
مستوى المحافظة والعراق، ومنهم: (الدكتور إبراهيم العلاف، والأستاذ رافع السراج،
والأستاذ هشام الكيلاني، والدكتور أحمد جارالله ياسين، والدكتور حسام الطحان،
والأستاذ قاسم الغراوي)، وغيرهم الكثير ممن رسموا صورة رائعة في التعامل مع
التجارب المبتدِئة.
ولكن هناك من يندرج تحت عنوان يعرف عند العامة بـ"أخلاق
العجايا"، أي تصرفات الصبية غير المسؤولين، وتتجسد هذه التصرفات في ممارسات
على مواقع التواصل من خلال أسئلةٍ خادشةٍ للحياء، وطلبات لا تليق بالاسم أو
المكانة التي يحملونها. وهنا يجب علينا معرفة الأسباب التي أوصلت المشهد الثقافي
إلى هذا المستوى.
أقلام هزيلة... الكثير من هؤلاء تخدمهم الصدف في الحصول على اسم من خلال
بعض المتربحين من المشاريع الثقافية. وليس هؤلاء وحدهم، بل هناك شريحة تعاني من
متلازمة الظهور الثقافي، فتسعى للظهور في المنتديات والتجمعات الثقافية فقط لتنصب
شِباكًا كشبكة العنكبوت لاصطياد الفرائس من الطامحات لدخول عالم الكتابة، تحت مسمى
"النخب".
المتسلقون... هويتهم مصاحبة المبدعين بغرض سرقة الأضواء منهم بطرق
متعددة؛ منها صورة، أو موضوع يُكتب عنهم، أو استغلال الصداقة مع أحد الشخصيات
للمضي في طلب الصداقة من أي صفحة نسائية على مواقع التواصل. وهؤلاء هم أسوأ نموذج
يمكن أن تجده على المنصات الرسمية.
والحق يُقال: ليس الرجال وحدهم ممن يساهمون في تشويه
المشهد الثقافي، بل هناك نسوة أكثر وقاحة من الرجال في تصرفاتهن؛ إذ يمضين في
إقامة علاقات قذرة مع من يسمّون بالنخب أو أصحاب المجلات لغرض تخصيص مساحة للنشر.
وهذا ما منح لدى الكثيرين ممن يديرون المشهد الثقافي انطباعًا بأن النساء سواء في
هذه الأيديولوجية. وهذا غير صحيح، فهناك أقلام نسوية أكثر من رائعة، تكمن روعتها
في رصانة الكلمة التي تكتبها. لذا يجب عدم وضع البيض كله في سلّة واحدة.
كهنة الثقافة... في الماضي كانت مهنة الكاهن هي اللعب على عقول البشر،
واليوم نرى ونسمع عن الكثير من أصحاب الأقلام يمارسون هذه المهنة. فالكثير من
مدعيات الثقافة على مواقع التواصل يحظين بتهافت تافهين محسوبين على الأقلام،
ينهالون عليهن بالمديح والثناء لنصوص تفتقر لأبسط تقنيات الكتابة، وتنعدم فيها
الموهبة. وهذا ساهم في خلق حالة من الظلم لذوات الاستحقاق الحقيقي ممن يقفن في
خانة الإبداع. وإذا أردنا وصف هؤلاء، فلا يليق بهم سوى عبارة: "قشامر
الثقافة".
مراهق مسن... كلنا نعرف أن لكل مرحلة عمرية معطياتها، ولكن ما يقدمه
البعض يؤكد النظريات التي تحدث عنها علم النفس حول بعض الأمراض، ومنها
"المراهقة المتأخرة". والغريب أن من قيمنا العربية الأصيلة "احترام
الكبير"، ولكن السؤال: كيف نحترم من لا يحترم ذاته؟ فتجده يمارس أفعالًا يخجل
منها حتى بعض الصبية. فإذا ما أخطأ صغير السن يُقال عنه: "عجي"، أي غير
ناضج. فماذا نقول عن من يمارس ذات الفعل وقد تجاوز العقد الخامس؟! والله إنه لأمر
مخجل، ولا يمتّ للثقافة أو الوعي الإنساني بصلة.
مواقع التواصل ليست نوادي ليلية... للأسف أقولها: الكثير اليوم يتعامل مع مواقع التواصل على
أنها مكان موبوء، يتجمع فيه من يمارسن الرذيلة تحت غطاء التعارف. وهذا غير صحيح.
فالكل اليوم له مكان في هذه الصروح الإلكترونية، وكل شخصية تعبّر عن نفسها بما
تفعل. ومن لا يعلم من بعض "الحيوانات" على مواقع التواصل أن كل ما
يفعله: كلمة يكتبها، صورة ينشرها، تعليق باسمٍ مستعار أو بصفحته الرسمية... كل ذلك
محسوب عليه، إن لم يكن أمام الناس، فأمام ذاته. فاحفظ صورتك أمام نفسك على الأقل.
الزاوية النفسية للظاهرة... إذا أردنا أن نفهم هذا السلوك المشوّه فلا بد من النظر
إليه من زاوية علم النفس، فالكثير من تلك التصرفات التي تُرتكب تحت عباءة الثقافة
ليست مجرد أخطاء عابرة، بل هي انعكاسات نفسية عميقة لاضطرابات غير معالجة.
فمنهم من يعاني من اضطراب الشعور بالنقص، فيلجأ إلى
تعويض هشاشته الداخلية عبر ممارسات ظاهرها القوة وباطنها الفراغ. فتراه يختبئ خلف
لقبٍ ثقافي أو شهادة أو منصة لينتزع احترامًا لم يستطع بناؤه على أرض الواقع. وهذا
ما يسميه علماء النفس بـ "التضخيم التعويضي للذات"، حيث يُكبّر الإنسان
نفسه ليداري صغره أمام ذاته.
وهناك من أصيب بما يعرف بـ "إدمان الظهور"،
وهو نوع من الإدمان النفسي يجعل صاحبه مستعدًا لفعل المستحيل من أجل البقاء في
دائرة الضوء، ولو كان الثمن سقوطه الأخلاقي أو انحداره الفكري. فتراه يلهث خلف
التصفيق والاهتمام وكأنه يتنفس منه، بينما في داخله خواء لا يملؤه شيء.
كما أن بعضهم يعاني من "الشخصية النرجسية
المرضية"، تلك التي ترى نفسها محور الكون، فتعتبر الإعجاب واجبًا، والنقد
إساءة، والنساء مساحة استثمار اجتماعية وعاطفية، لا شركاء فكر ووعي. هذه النرجسية
لا تعترف بالموهبة ولا تحترم الجهد، بل تُقدّس انعكاسها في مرآة الآخرين مهما كان
ذلك الانعكاس زائفًا.
وهناك فئة أخرى تعاني ما يسميه المتخصصون بـ "عقدة
السلطة الناعمة"، والتي تتمثل في استخدام المنابر الثقافية كوسيلة للتحكم
النفسي بدل كونها منصة فكرية. فيرى أحدهم نفسه "إلهًا صغيرًا للكلمة"،
قادرًا على منح الفرص أو قطعها، فيمارس الإذلال العاطفي أو الفكري على من يطمحن
للدخول في عالم الكتابة.
أما من يسعون خلف العلاقات المشبوهة باسم الأدب، فهم
غالبًا ضحايا "الحرمان العاطفي المزمن"، حيث يتحول الأدب لديهم لمتنفس
غرائزي لا لفضاء ثقافي، فيستبدلون الفكر بالإغواء، والإبداع بالتلاعب، والكتابة
بالتلميع الجسدي أو الاجتماعي. وهؤلاء لا علاقة لهم بالثقافة إلا بقدر علاقتهم
بالديكور الفكري الذي يتخفون خلفه.
ولذلك لا بد أن نفهم شيئًا مهمًا: ليس كل من يكتب يمتلك روح الكاتب، وليس كل من يتصدر المشهد الثقافي يمتلك نضج المثقف.
فالكتابة قبل أن تكون كلمات، هي تربية نفسية، تهذيب
داخلي، ووعي أخلاقي. فما فائدة القلم إن كان صاحبه ممزقًا من الداخل؟ وما قيمة
المنابر إذا تلوثت بأعقد الأمراض النفسية المنكورة خلف مساحيق الثقافة والوقار؟
الخلاصة... الثقافة منهج إنساني يُوزن بميزان العقل، ومن لا عقل له
فقد انتمى بما يفعله إلى فصيلة الحيوانات التي لا تملك الإدراك. فهذه دعوة لكل قلم
رصين أن يهتم بصورته كما يهتم بالكلمة التي يكتبها ويصدقها الناس. فأول الصدق هو
مع الذات، فلا تكن ممن قال الله عنهم: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾. صدق الله العظيم.
فاتقوا الله في الكلمة التي تكتبون، ولتكن معززة بعمل
يطابق معناها، وإلا ستكتبون يومًا ما في قوائم "الكذب والكذابين".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق