كلية الآداب والابن العاق
تحت عنوان
الصيد في المياه العكرة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
لقد تحدثنا فيما سبق عن الصفات السيئة في الإنسان، فكانت
البداية مع شخصية النذل، ثم يأتي بعدها الخسيس. ولكن يبقى السؤال: ماذا بعد
النذالة والخسّة؟ ولهذا كان اللئيم هو التطور الطبيعي بعد هاتين المرحلتين، ولذلك
نقول: اللئيم هو الذي يمارس ممارسة الحريم. وهذا بالضبط ما نود الحديث عنه اليوم.
فنحن جميعًا نعدُّ أبناءً لهذه المؤسسة العريقة، كلية
الآداب، ومن واجب الأبناء الصالحين هو البرّ، ومن أهمّ صور البرّ هو الحفاظ على
السيرة العلمية والأخلاقية للمؤسسة التي ننتمي إليها. وهذه ليست دعاية للإدارة
المتمثلة بالسيد العميد أو معاونه، ولكل من يعرفني في كلية الآداب يعلم تمامًا
أنّني لا أعرف طريق المجاملة، ولا أرضى بالفعل المشين حتى ولو كان مصدره كاتب
المقال نفسه.
ولمن لا يعلم، فأنا أكثر شخص لديه مشاكل مع جامعة
الموصل، ومع ذلك لم أنتهج يومًا أسلوب التسقيط العام تجاه الجامعة، لأنني أؤمن بأن
المواجهة هي الطريق الأسلم فيما قد نعانيه من مشاكل أو قضايا خاصة أو عامة في
العمل.
المشكلة أنّه منذ شهور ظهرت في كلية الآداب شخصيات أو
جماعات مناهضة للإدارة، من خلال بعض الممارسات التي لا ترتقي أن تكون حضارية. وآخر
تلك الممارسات هو الفيديو المنشور، الذي قامت إحدى الشخصيات المعروفة بنشره. وهنا
لا ألوم الناشر بقدر ما أقع باللوم على صانع المحتوى نفسه، وهو الذي يعمل بمقولة
شعبية سأهذبها لبشاعة تعبيرها: (هو الذي
يتغوّط في الوعاء الذي يأكل فيه)
وهذا بالضبط ما فعله صاحب المحتوى، بغضّ النظر عن كونه
تدريسيًا أو موظفًا أو طالبًا، فالجميع يشتركون في المنافع التي تقدمها هذه
المؤسسة.
اللئيم ومنهجية الحريم ... من أبرز صفات النساء على مرّ العصور نقل الأحاديث، وهذا
ما فعله صاحب المحتوى الذي قام بالتصوير. وبعيدًا عن قضية كشف الفساد، فإن ما نشره
ذلك اللئيم لا يمتّ للمؤسسة التي ننتمي لها بصلة. فالبناء كان في فترة حرجة تعود
لحقبة إشكاليات بناء الدولة المستمرة إلى يوم نشر هذا المحتوى. ولكن الغريب، وغير
المقبول، أن نمارس الصيد في المياه العكرة تحت غطاء ما يُسمّى
بـ"النقد".
والحق يُقال: ذلك المحتوى لا ينتمي لأي نوع من أنواع
النقد، بل ينتمي لمصطلح واحد لا غير: التشهير.
إعلاميون جدد... يظن الكثير من قليلي الخبرة أو المستجدين في المشهد
الإعلامي أنه لا فرق بين النقد والتشهير، فاليوم أصبح كثيرون يعتقدون أنهم
إعلاميون لمجرد نشرهم فيديو أو كلمة، متجاهلين حتى تبعات ما يفعلون، ومنها تشويه
سمعة الصرح الذي ينتمون إليه. وما عليه معرفته ذلك المغفل الذي قام بالتصوير هو أن
ما فعله لن يؤثر في شيء كما يظن، سوى أنه أثبت مبدأ واحدًا: (أنه لئيم، وأنه اختار منهجية الحريم).
المنهجية الصحيحة في العمل الإعلامي تكمن في مبدأ تعلمته
منذ الصغر: (إن في الحياة رفاقًا
يشاركوننا العمل أو الدرس أو أي مكان على هذه الأرض، وواجبي تجاههم هو تقييمهم
بشكل صحيح، فأرفعهم وأرتفع أنا بهم.)
وبهذا فقط أكون إنسانًا سويًا في حفظ مكانتي ومكانة
المؤسسة التي أنتمي إليها. فالعيب الذي أُشهِره، أنا جزء منه، وما يُنشر لا يمثل الإدارة
وحدها بل الجميع، من موظف الحدائق إلى منصب السيد العميد دون استثناء.
ولا يعني هذا أنّ كل الشخصيات في كلية الآداب ملائكة،
فلكل مكان شخصيات حسنة وأخرى سيئة تسيء لسمعته، ومن بين هؤلاء من قام بتصوير
المحتوى.
بداية حملات التسقيط ... تعود لبدايات تغيير القيادة في جامعة الموصل، وتلك
الهجمة التي تعرضت لها المؤسسة عندما وُضعت الجامعة باللون الأحمر من الناحية
التقييمية، وكانت كل الاتهامات موجهة لشخص واحد المتمثل بشخص الرئيس . ولسنا هنا
للدفاع عنه، فالرجل تسلم المنصب بإرث ثقيل تراكم عبر سنوات، ومن المعيب أن نحمّل
شخصًا واحدًا أخطاء مؤسسة كاملة — وهذا ما كشفه المحتوى المنشور بالأمس.
الخلاصة ... من أسوأ ما يفعله الإنسان أن يُسقط مصطلح العيب من فعله.
وليس هذا دعوة للسكوت عن الأخطاء أو التسيب، ولكن هناك طرق يجب اتباعها للتفريق
بين النقد والتهريج.
ولكل مقامٍ مقال، وعلى كل فرد أن يدرك قيمة المكان الذي
ينتمي إليه. فإن كان من فعل هذا ينتمي لكلية الآداب — مصنع الفكر والمنهج
الأكاديمي — فماذا تركنا لباعة الشوارع والمتسكعين؟
ولذلك أقول لمن صوّر هذا الفيديو: (كن رجلًا... فالرجال لا يفعلون هذا).
تنويه: لم يُكتب
هذا المقال بإيعازٍ من أحد، وإنما كتب غيرةً على المكان الذي أنتمي له.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق