ما بعد القراءة النقدية
تحت عنوان
مفاهيم مغايرة
عن النص
بقلم البارون
الأخير / محمود صلاح الدين
تختلف عادةً
القراءة من شخص لآخر، تبعًا لنوعية الثقافة التي ينتمي إليها، والمخزون التراثي
الذي يشكّل في الغالب الجزء الأكبر من مفاهيمه الإدراكية لفهم النص المراد قراءته
بمعايير مغايرة. ومن هنا يكون المدخل إلى الموضوع.
القومية ... هو ذلك المصطلح الذي
لعب دورًا كبيرًا في يومنا هذا في قراءة النصوص وطريقة استيعاب القارئ للمادة
المكتوبة. وهذا ما يكون له تأثير عنصري في عملية الفهم؛ إذ يبتعد المتلقي عن أصل
الفكرة المراد طرحها من خلال النص، فيأخذ الموضوع منحًى آخر ويُبنى عليه مواقف قد
تُسيء للكاتب. وفي هذا تجنٍّ كبير من ناحية تقييم المادة.
الدين ... والمواقف الثابتة من
الكثير من المواضيع الكتابية من وجهة نظر الكاتب تُعتبر اليوم خطوطًا حمراء. لكن
ما لا يفهمه القارئ أن هناك نصوصًا ما بعد النص الإلهي تُكتب، وهي نصوص بشرية
نابعة من فهم ضيق مقارنة بالذات الإلهية. وهذا ما يسبب – في كثير من الأحيان –
ولادة اختلافات تصل إلى مرحلة العداء، وذلك بسبب جهل الكثيرين بأن أصحاب الأقلام
وما يمتلكون يجب أن يستندوا إلى مصادر التشريعات السماوية. وهنا تكون النتيجة
واحدة: لا وجود لتقاطع بين الفكر البشري والسماء إلا في حال وجود نفوس ضعيفة بين الأقلام
تحاول صياغة فكرة الطعن بالدين.
الانتماء
الفكري ... يختلف هذا من شخص
لآخر، كما ذكرت في الفقرات السابقة. وله تأثير واضح على المسارات الكتابية عند
أغلب الأقلام. فترى بعضهم يتبنى فكرًا معينًا ويُجنّد كتاباته لأجل التبويب أو
الدفاع عنه، وهذا ما يُعرف بقضية الانتماء. ومنذ بدايات عالم الثقافة كان لهذا
الأمر أثرٌ بارز. لكن ظهر لاحقًا مصطلح جديد هو (اللا منتمي)، وهؤلاء غالبًا ما
يكونون من الذين يتأثرون ببعض الممارسات التي يتبناها المنتمون. أما معضلة
الانتماء فتكمن في التقليد الأعمى؛ إذ أن المنتمين غالبًا لا يعترفون بوجود الخلل
إن وُجد. وليس هناك فكرة تخلو من بعض مظاهر (السهو أو النسيان)، حتى لدى المنتمين
إلى مصطلح (الدين). وفي الغالب يكون الخلل في الاتباع لا في المصدر. وفي النهاية
نحن بشر.
أفكار حديثة ...كل ما سبق قضايا تُعد من البدهيات في العالم الثقافي منذ فجر التاريخ.
لكن ما يثير اليوم حفيظة الكثير من المثقفين هو (الأفكار الحديثة)؛ فهناك من
يرفضها جملةً وتفصيلًا، وقد يعتبرها بعضهم بدعة أو وسيلة لتضليل المجتمع الذي يمثل
الرأي العام. لكن السؤال: هل يحق للآخرين مصادرة حق الابتكار؟
في الإجابة
تكمن المعضلة. إذ يتناسى البعض أن كل فكرة في هذا العالم كانت يومًا ما جديدة، حتى
(الدين). ولهذا شهدنا صراعات فكرية في أوقاتها، ونرى اليوم أن من المسلّمات محاربة
كل فكرة جديدة تُطرح من قبل البعض أو الأكثرية في المجتمع. لذا يجب علينا اليوم
صياغة مفاهيم مغايرة في القراءة، نستطيع من خلالها الغوص فيما وراء السطور لمعرفة
أصل الفكرة وانتمائها والجذور التي تعود إليها، وذلك عبر قراءة المؤلف ذاته ما بعد
النص.
الخلاصة ... إن كل ما كُتب وما سوف يُكتب يجب أن يخضع لمعايير
السلامة الفكرية؛ فمن كتب سطور الأمس لم يكن من ذوي العصمة، ولن تكون أقلام المستقبل
خالية من الخطأ. ولهذا علينا التفريق بين النصوص المكتوبة وإعادة تصنيفها وتقييمها
وفق معطيات العقل البشري الحديث؛ فاليوم هناك أدوات ومناهج لم تكن متاحة سابقًا في
فهم النصوص وتحليلها. ومن هنا يجب علينا الابتعاد عن التزمّت في الاعتقاد بأن هناك
نصوصًا غير قابلة للجدال أو النقد. ولو ألقينا نظرة يسيرة في السيرة الذاتية
لأصحاب الأقلام ممن سبقونا لوجدنا ما يستدعي النقد وربما الرفض، إذ أن بعض النصوص
لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتبت به، بسبب ما التزمت به من ضيق الأفق أو الجمود.
ولهذا أُنهي
بما بدأت به في مقولة لي:
"إن الكلمة كائن من خلق
البشر، وهم أنفسهم لا يتمتعون بالكمال، فكيف الحال بما كتبوا؟"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق