بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 6 مايو 2026

مقال

 

 الدور الأخلاقي للعرب في المنطقة

تحت عنوان

التاريخ يشهد لنا بهذا

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



عزيزي القارئ.. هنا، وقبل الشروع في قراءة هذه السطور، انظر حولك؛ فعندما غاب العرب من المشهد في المنطقة، عادت كل جماعة إلى أصولها، ورجعوا إلى جذورهم، وتحولت الأرض إلى حلبة كلابٍ متصارعة.

 

العرب... يظن الكثير اليوم أنهم عبارة عن قبائل غير نظامية خدمتها فترة زمنية للسيطرة على مشارق الأرض ومغاربها، وهذه الأكذوبة التي يُروَّج لها الآن، ولكن للحقيقة وجهٌ آخر قد لا تدركه العقول الساذجة اليوم، وللتاريخ كلمة في هذا الأمر؛ فالعرب، على مر العصور، أثبتوا للجميع أنهم عبارة عن قيمٍ أخلاقية قبل كل شيء، وهذا ليس كلامًا عابرًا، إنما هو دليل، وأي دليلٍ خيرٌ من كلام سيد المرسلين محمد (ص): «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، وصدق رسولنا الكريم.

ومن هنا تكون الانطلاقة نحو الأفق الذي سوف يرسم مزايا العربية التي لا يعرف قيمتها أكثرهم، والبداية تبدأ من التنظيم الحياتي ما قبل البعثة النبوية الشريفة، وعلى الرغم من قسوة المعيشة لديهم، كانت هناك أصولٌ وتنظيمات؛ ففي مكة كان هناك مجلس الأشراف، الذي يمثل مفهوم الديمقراطية لهذا اليوم، ومن هنا نفهم أن العرب ليسوا برابرة كما يُروَّج عنهم، بل أصحاب تنظيمٍ فطري رسمته الأعراف والتقاليد في ذلك الوقت.

ولمن يسأل عن الفترة الزمنية لدور العرب في المنطقة، فإن البداية تكون من عصر فجر النبوة إلى وفاة الخليفة هارون الرشيد، وسند قولي هذا هو النهضة التي شهدتها المنطقة من الناحيتين التنظيمية والاجتماعية للعرب. أما ما قبل الرسالة الإسلامية، فقد كانت هناك قاعدة بُني عليها الإسلام، مجدٌ لا يستطيع الزمان محوه، وفي فترات عظيمة كان هناك فتحٌ للمدن وإسقاط إمبراطوريات عظيمة، لم يكن معظمها بالسيف، ولو كان كذلك فالسيف بلا أخلاق مجرد قطعة من الحديد لا روح لها؛ ففي ذلك الوقت كان لنا سيف ولهم سيف، ولنا رجال ولهم رجال، ولكن كان لدينا أخلاق، وهم لم تكن لديهم أخلاق، وبهذا فقط تم كسر الموازنة بين القوى المتحاربة.

 

وهنا انتشرت بعض التفاهات بين جموع المثقفين والحاقدين، أن العرب غزاةٌ محتلون، ودليلي في هذا هو تفوق غير العرب في بعض المجالات على العرب في ظل حكمهم، وهو دلالة على أن الموضوع يخرج من مصطلح "محتل" إلى آفاقٍ أكبر مما يُروَّج له.

القيم الأخلاقية

الشرف... وهو المصطلح الذي تفرد به العرب حتى ما قبل الإسلام، ولهذا المصطلح معانٍ كثيرة، وهذا ما لمسته الشعوب التي حكمها العرب، مما أعطاهم المصداقية في قضية الولاء لهم؛ فالقوى التي كانت قبلهم لم تكن تعرف أصلًا هذه الكلمة في التعامل مع المختلفين عنهم في الدين أو العرق، وهذا ما أعطى لسلطتهم على المنطقة بأسرها القبول، وجذب الكثير إلى اعتناق دينهم.

 

العدالة... وفي التاريخ صورٌ رائعة تجسد هذا على الصعيدين الفردي والاجتماعي، من شخص الرسول وما جاء بعده، وهذا ما كان بمثابة قاعدة لإرساء حكمه، وأكسب تعاطف المختلف قبل المتشابه معهم، بسبب أن شعوب المنطقة كانت تعاني من ظلم وغطرسة الإمبراطوريات القديمة.

 

الشجاعة المقيدة... فقد ذُكرت في الإرث التاريخي والإسلامي مقولة عظيمة تدل على قدسية هذا المصطلح، وهي: «إذا ما دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك»، وهذه هي الإضافة التي تحدث عنها رسولنا الكريم (ص)، فالشجاعة عند العرب لا تعني قدرتك على القتال فحسب، بل هي أقرب إلى القيمة الأخلاقية لمصطلح "شرف العداوة"، التي لم يكن يعرف عنها شيئًا من على الأرض في ذلك الوقت، والتي خلقت جوًا من التناغم بين العرب ومن سواهم.

 

الوفاء بالعهد... وإن أردت أن تبحث عن قيمةٍ كادت أن تُمحى من قاموس هذا العصر، فابحث عنها في تاريخ العرب، في زمنٍ كانت فيه الكلمة عهدًا، والعهد دينًا، والدين حياة. لم يكن العربي يوقّع على ورقٍ ليُثبت صدقه، بل كان يكفي أن يقول "نعم" لتُبنى عليها مصائر أمم. وهذه ليست مبالغة، بل حقيقةٌ شهدت بها حتى الأمم التي كانت على خلافٍ معهم، فقد عرفوا أن العربي إذا عاهد لا يغدر، وإذا وعد لا يخلف، وإذا ائتُمن لا يخون.

وفي زمنٍ أصبحت فيه المعاهدات تُنقض في الغرف المغلقة، والوعود تُباع في مزادات السياسة، نقف أمام هذا الإرث لنفهم أن القوة لم تكن يومًا في عدد الجيوش ولا في صلابة السلاح، بل في صدق الكلمة. ولهذا استقرت دولهم، لا بالخوف، بل بالثقة، ولا بالإكراه، بل بالاطمئنان.

 

الكرامة الإنسانية... ومن القيم التي غابت عن كثيرٍ من الطارئين على التاريخ، وبقيت محفورةً في وجدان العرب، هي كرامة الإنسان، لا لعرقه، ولا لدينه، ولا للونه، بل لكونه إنسانًا. لم تكن هذه القيمة شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُرى، ولهذا وجدنا في ظل حكمهم من يختلف معهم في العقيدة، لكنه لا يختلف معهم في الشعور بالأمان.

فالإنسان عندهم لم يكن رقمًا في سجل، ولا تابعًا في دولة، بل كيانٌ له حق الحياة والاحترام، ولهذا لم تُمحَ هويات الشعوب التي دخلت تحت حكمهم، بل بقيت وتطورت، لأن العرب لم يأتوا ليمحوا، بل جاؤوا ليضيفوا.

 

التسامح المقيد بالقيم... ولعل من أخطر ما يُساء فهمه اليوم هو مفهوم التسامح، فالعرب لم يكونوا متساهلين بالمعنى الضعيف للكلمة، بل كانوا أصحاب تسامحٍ مقيد بالقيم. لا يفرضون معتقدًا، ولا يُجبرون أحدًا على ما لا يؤمن به، لكنهم في ذات الوقت لا يسمحون بانهيار منظومة الأخلاق التي يقوم عليها المجتمع.

وهنا تتجلى المعادلة التي عجز عنها كثيرون: قوةٌ لا تظلم، ومرونةٌ لا تذوب، وانفتاحٌ لا يفقد الهوية. ولهذا لم يكن وجودهم طارئًا في التاريخ، بل كان حالةً حضارية متكاملة، استطاعت أن تجمع بين السيف والفكر، بين القوة والرحمة، بين الحكم والعدل.

 

الخاتمة... وهنا، لا بد أن نقولها بلا تردد، وبلا خوف، وبلا مجاملة لأحد: عندما كان العرب حاضرون، كان التاريخ يُكتب، وعندما غابوا، أصبح التاريخ يُباع.

لم يكن غيابهم مجرد فراغٍ سياسي، بل كان انهيارًا أخلاقيًا مدوّيًا، سقطت معه كل الأقنعة، وانكشفت فيه كل الوجوه. تحولت الأرض من ساحة حضارة إلى سوق صراعات، ومن ميدان قيم إلى مستنقع مصالح، ومن مشروع إنساني إلى مشروع افتراس.

وعندما تراجع العرب، لم تتقدم الشعوب كما يُروَّج، بل انحدرت نحو هوياتها الضيقة، نحو الطائفة، نحو العرق، نحو الغريزة الأولى التي لا تعرف من الإنسان إلا اسمه. وهنا فقط، بدأ الانحدار الحقيقي، لا في السياسة، بل في المعنى.

فالعرب لم يكونوا مجرد قوة حاكمة، بل كانوا ميزانًا أخلاقيًا، فإذا اختلّ، اختلّت معه كل المعايير. كانوا الحد الفاصل بين الفوضى والنظام، بين الغريزة والعقل، بين القوة كأداة بناء والقوة كوسيلة تدمير.

واليوم، ونحن نقف على أطلال واقعٍ ممزق، لا بد أن نعترف أن المشكلة لم تكن في حضور العرب، بل في غيابهم. وأن الكارثة لم تبدأ حين حكموا، بل حين تخلّوا، أو أُبعدوا، أو أُفرغوا من مضمونهم الحقيقي.

وهنا تكمن الصدمة التي لا يريد أحد سماعها: العالم لم يكن يخاف من قوة العرب، بل كان يحتاج إلى أخلاقهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    الدور الأخلاقي للعرب في المنطقة تحت عنوان التاريخ يشهد لنا بهذا بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين عزيزي القارئ.. هنا، وقبل ...