النصب والتسول في الانتخابات العراقية
تحت عنوان
مشاهد واقعية
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
في ظل الفوضى السياسية التي تعصف بالمشهد
العراقي، لم تعد العملية الانتخابية مجرّد ممارسة ديمقراطية، بل تحوّلت إلى مسرح
يعجّ بالممارسات المشينة التي تفتقر إلى أدنى معايير النزاهة والوعي.
وما بين النصب باسم الشعبية، والتسول المغلف
بالشعارات، تنكشف خيوط أزمة أعمق: أزمة وعي، وأزمة وطن ضاعت فيه القيم تحت ركام
المصالح. وهذا المقال لا يسعى إلى جلد الذات بقدر ما يسعى إلى تسليط الضوء على
مشاهد واقعية باتت تتكرر في كل موسم انتخابي، في محاولة لفتح نافذة نحو فهم أعمق
لما يجري، وتشخيص علّة باتت تنخر في عمق المجتمع والدولة معًا.
هو موسم لضعاف النفوس، ولا أستغرب من هذه
المشاهد، فمع نظام بهذه المعطيات المعيبة، من الطبيعي أن تظهر شرائح بهذا القدر من
السوء تنتمي إلى المجتمع. وفي هذه الصور، سنستعرض بعض الحالات الشاذة:
النصابون ...وهم جماعات ينتمون إلى فئة
الانتهازيين، ويُشار إليهم في أوساط العامة بـ(٥٦)، إشارة إلى رقم المادة
القانونية التي تتعلق بجرائم النصب والاحتيال. وهؤلاء يبحثون عن كل ما يسهل عملهم،
فيقومون هذه الأيام بمساومة بعض المرشحين بحجة أنهم "ركائز" ويمتلكون
قواعد شعبية قد تُغيّر معادلة الانتخابات. والأغرب من ذلك أنهم يطوفون على العديد
من المكاتب الانتخابية، محاولين إقناع المرشح بما يحملون له، والحقيقة أن هذه مجرد
وسائل للكسب غير المشروع.
المتسولون ... وهذه الشريحة تُعدّ من
"إنجازات" الحكومات المتعاقبة، بل وقد تكون اليوم الشريحة الأبرز. فالتسول
لم يَعُد يقتصر على الطلب المادي، بل شهد تطورًا رهيبًا ليشمل:
التوسط لترويج معاملات الرواتب والرعاية
الاجتماعية، وعودًا بالتعيين، طلبات لشمول بعض الشباب بالكلية العسكرية، وذلك بسبب
اعتقادهم أن السلطة تكمن في ارتداء الزي العسكري. كلها أفكار ناتجة عن إفرازات
أيديولوجيات الطبقة الحاكمة.
واقع مزرٍ ... نعم، هذا هو واقعنا، وهذه هي
النتيجة التي أوصلتنا إليها عقول ساذجة في إدارة الدولة. والكثير منهم يرى أن
الوطن وما عليه هو "غنيمة" يجب الاستحواذ عليها، بغضّ النظر عن الأسلوب
أو الوسيلة. وما يثير الغضب أن جميع من هم في السلطة قد قرأوا – ولو يومًا ما –
أفكار الصهيونية التي يدّعون محاربتها، ومنها أن "الغاية تبرر الوسيلة"،
وهم اليوم ينتهجون ذات المبدأ في إدارة العملية الانتخابية، بدلًا من السعي لوضع
برامج تنموية تُعزز الفكر الوطني. ولكن كيف يكون ذلك؟ وهم لا يعترفون أصلًا بمصطلح
"الوطن"، بل استبدلوه بمصطلح "الانتفاع الشخصي"! وكما يُقال: "إذا
كان ربُّ البيتِ بالدفّ ناقرًا... فشيمةُ أهلِ الدارِ الرقصُ والطربُ" لذلك
نرى اليوم نماذج بشرية ترتقي إلى مستوى العار.
الحلول ... كنت في صغري أسمع والدي – رحمه الله
– يردد دائمًا: "التربية أغلى من الولد"، في إشارة إلى أن دور التوعية
الشعبية أهم من العمل السياسي بحد ذاته. فمن غير المعقول أن تخاطب عقلًا جمعيًّا،
وأنت تعلم أنه يعاني من قلة الوعي بأهمية الانتخابات ودورها في إدارة الدولة. وهذا
ما يصبّ في مصلحة الجماعات المتطرفة، التي تستفيد من ضعف الوعي للتفرّد بالحكم. لذا،
فإن التوعية هنا قد تطيح بمكتسباتهم وتُهدد ما جنوه خلال السنوات الماضية، وهو ما
أدى إلى فقدان الثقة بين المواطن والدولة.
ولهذا، يكمن الحل في إعداد برامج توعوية تساهم
في بناء فكرة الوعي الوطني، وتعزيز المناهج الديمقراطية، والابتعاد عن منهج الكذب
واستعراض الإنجازات الوهمية، وتفعيل البنية العقلية للمواطن. فمن الطبيعي أن تستمر
هذه الفئة المنحرفة في الحكم، ما دام الجهل الاجتماعي بالحقوق والواجبات قائمًا. وهذه
معادلة: إذا طُبّقت بشكل صحيح، سنحصل على مواطن واعٍ ومدرك لأهمية المشاركة.
الخلاصة ... رسالة إلى المواطن كن بشرًا،
سيُولّى عليك بشر من نوعك. أما إذا كنتَ أي نوع آخر من المخلوقات، فلا تتوقع أن
يحكمك بشر. وإذا فشلت الدولة في إعداد برامج تأهيلية لك، فاحتفظ – على أقل تقدير –
بجزء من إنسانيتك، لأنك بذلك فقط، قد تكون شخصًا جديرًا بالاحترام.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق