الصحافة
الموصلية وثقافة (الجيخانة)
تحت
عنوان
ثقافية الشاي وكذب
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
في البداية، يجب التنويه إلى أن هناك مصطلحات عديدة سوف
تُستخدم في هذه السطور، مستوحاة من اللهجة العامة للمدينة، لأن اللغة هنا ليست
مجرد وسيلة تعبير، بل أداة كشف، نحاول من خلالها تعرية واقعٍ بات يُجَمِّل نفسه
بألفاظٍ لا تنتمي إليه، ويختبئ خلف مفرداتٍ شعبية ليمنح ذاته شرعيةً لا يمتلكها في
أصلها.
برز في الآونة الأخيرة نوعٌ من الصحافة يعتمد في منهجيته
على أسسٍ هزيلة، مستوحاة من ثقافة المقاهي، ويُصدِّر نفسه بوصفه أسسًا أساسية في
الكتابة الصحفية، دون اعتماد معايير علمية في هذا المجال. والأخطر من ذلك أن هذا
النمط لم يعد هامشيًا، بل بدأ يتسلل إلى واجهة المشهد الثقافي، مستفيدًا من الفراغ
النقدي وضعف المؤسسات، حتى أصبح الصوت العالي بديلاً عن الصوت الصحيح، والتكرار
بديلاً عن الفكرة، والانتماء للجلسة بديلاً عن الانتماء للمهنة. ويظن المقصود هنا
أن الحرفية في العمل الصحفي تعتمد على السردية الحفظية التي تفتقر إلى التحليل
والرؤى، وكأن الصحافة أرشيفٌ يُستدعى لا عقلٌ يُنتج. ولهذا، سوف نعتمد اليوم على
رسم ملامح تلك الشخصية دون الحاجة إلى التسمية أو الإشارة إلى شخصٍ بعينه، لأنها
لم تعد حالة فردية، بل ظاهرة يمكن قراءتها في أكثر من وجه وأكثر من قلم.
العقلية الساذجة... تكون عندما يكون هناك ثمنٌ للكلمة التي تكتبها، حتى ولو
كان (قدح شاي)، وهذه تُعد كارثة بكل المقاييس، عندما تكون المدينة رهينة لهذه
النوعية من الأقلام. فحين تتحول الكلمة من موقف إلى سلعة، يفقد النص روحه، وتفقد
المدينة صوتها الحقيقي. وقد يتجاوز الموضوع رخص المضمون إلى السلوك المؤجور، حيث
لا يعود الكاتب معنيًا بالحقيقة، بل بالجهة التي تدفع، ولا بالمبدأ، بل بالمقابل.
وهذا ما سوف يخلق وعيًا عشوائيًا بتبني قضايا تتبناها تلك العقليات، مما قد يؤدي
إلى تسفيه القيم، وتحويل القضايا الكبرى إلى مادة للاستهلاك اليومي، تُقدَّم مع
فنجان قهوة وتُنسى مع آخر رشفة.
عدوانية السلوك... وهنا، وفي هذه الفقرة، أستشهد بحكاية تُروى عن جحا: (يُحكى أن جحا قد كبر في السن، فطلبت منه أمه الخروج من
منزله للبحث عن أناسٍ يُصاهرهم، وقد فعل ذلك، لكن المفاجأة أنه عاد إلى المنزل
بسرعة. عندها سألته أمه: ما الذي حصل؟ فأجاب بأنه لم يرضَ بأحد! وهنا صرخت بوجهه:
أنت يا هذا جحا، فمن يرضى بك لتُقيِّم وترضى بالناس؟).
وهذه بالضبط المنهجية المتبعة لدى هذه النوعية من مدّعي
الثقافة في المدينة؛ فتكثر في جلساتهم عملية تقييم فلان، والتكسير على فلانٍ آخر،
في مشهدٍ أقرب إلى محاكمات شعبية بلا معايير. لكن الحقيقة أنهم أقل بكثير من أن
يمنحوا أنفسهم القيمة التقييمية للحكم على الآخرين، لأن من لم يؤسس ذاته معرفيًا
لا يملك حق تفكيك الآخرين. ومن باب المهازل أن يطلقوا الألقاب على من يعمل على
تلميعهم في تلك الجلسات، فتتحول الألقاب إلى عملة، والمجاملات إلى وسيلة صعود،
وعلى العكس من ذلك، يهاجمون كل من يكون على دراية بحقيقتهم، فيقومون بتأليف جملة
من التهم لغرض التقليل من شأن الآخر، وكأن العجز عن مجاراة التفوق يُعالج بالاتهام
لا بالتطوير.
الثقافة السطحية... الثقافة هنا لا تُقاس بعدد ما تقرأ؛ كتابًا كان أو عشرات
الكتب، بل المعيار الحقيقي لها هو قدرتك على امتلاك وعيٍ لهضم المعلومات، وخلق
رأيٍ خاص مستوحى من مجمل ما قرأت. لأن القراءة بلا وعي ليست سوى تراكمٍ رقمي لا
ينتج أثرًا. أما ما يفعله هؤلاء، فهو أقرب إلى عملية (الاجترار)، حيث يتم إعادة
تدوير الأفكار ذاتها دون إضافة، وكأن العقل متوقف عند حد النقل. فكل ما تقوم به
هذه الفئة هو استدعاء مادة حفظية عقيمة، خالية من الرؤى، وسردها بشكلٍ يبدو وكأنه
استعراض حفظي، في محاولة لإيهام المتلقي بوجود عمقٍ غير موجود أصلًا. وهؤلاء هم
مدّعو الثقافة العامة، الذين اكتسبوا شهرتهم من عبارة (واصل أستاذ)، إشارة إلى دفع
ثمن الشاي أو القهوة مقابل الكتابة عن المكان الذي حدث فيه الفعل، لتتحول الثقافة
من مشروع وعي إلى صفقة صغيرة تُدار على طاولة.
وللإشارة، فهم ليسوا من ذوي الأعمار الصغيرة، وينطبق
عليهم المثل الموصلي: (كبير وما خبير)، وهذه ليست مجرد مفارقة عمرية، بل أزمة وعي
ممتدة، حيث لم تُنتج السنوات خبرة، ولم تُراكم التجربة معرفة. وهذا بالضبط ما ساهم
في تدهور الصورة الثقافية للمدينة، التي باتت تُقاس ثقافتها على قدرة المتسكعين في
المقاهي، لا على إنتاج المفكرين، ولا على قيمة النصوص، في انقلابٍ خطير يجعل
الهامش مركزًا، والمركز غائبًا.
الخلاصة ... هنا، لا يمكننا أن نتعامل مع هذا المشهد
بوصفه خللًا عابرًا، بل هو انهيار صامت لمنظومةٍ كاملة، تُستبدل فيها القيم
بالمجاملات، والمعرفة بالضجيج، والموقف بثمن فنجان شاي. فحين تصبح الكلمة مأجورة،
والوعي مُعلّبًا، والنقد وسيلة انتقام لا أداة تقويم، فإننا لا نكون أمام صحافة
رديئة فحسب، بل أمام جريمة ثقافية تُرتكب ببطء.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بإنتاج نصوص
هزيلة، بل تُعيد تشكيل الذائقة العامة على مقاسها، فتُقنِع المتلقي بأن هذا هو
السقف، وأن هذا هو الصوت، وأن ما سواه ترفٌ لا يُؤخذ به. وهنا تحديدًا تكمن
الكارثة؛ حين يُقصى الحقيقي لصالح المزيّف، ويُدفن العميق تحت ركام السطحي،
وتُختزل المدينة بتاريخها وثقلها في جلسة “جيخانة” عابرة.
ولذلك، فإن الصمت لم يعد حيادًا، بل شراكة، والتغاضي لم
يعد تسامحًا، بل تواطؤ. إما أن تُستعاد الكلمة إلى مكانها الطبيعي كقيمةٍ
ومسؤولية، أو نعلن — دون مواربة — أننا دخلنا زمنًا تُكتب فيه الحقيقة بالحبر
الرخيص، وتُباع فيه المدينة… على طاولة شاي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق