على هامش الانتخابات القادمة
تحت عنوان
مشروع لص
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
العراق والانتخابات القادمة، وأيديولوجية صناعة
اللص... وارتباطها باللصوصية عبر التاريخ، وهذا ما تؤكده الكثير من المصادر
والمخطوطات التي وصلتنا من خلال قصص الشطار والعيارين، وقد ارتبطت معظمها بمدينة
بغداد، ومثال على ذلك قصة "علي بابا والأربعين حرامي" وغيرها الكثير.
وإذا ما نظرنا إلى الوقت الحالي، فلن نجد اختلافًا يُذكر بين الأمس واليوم. وليس
في هذا تجنٍّ على أحد، فإذا ذهبت مثلًا لشراء حاجة من منطقة باب الشرقي، فبالتأكيد
ستتعرض لمحاولة سرقة أو نصب، والجميع يدرك ذلك.
لكن هذا ليس أصل الموضوع، بل مجرد مقدمة لاستعراض
نوعية المرشحين للانتخابات القادمة.
أكذوبة الشعارات ... يردد الكثير منهم شعارات
مزيفة، تحت مسمى "خدمة الانتخابات البرلمانية"، ولكن الأمر يُختصر، كما
يُقال عند العامة: "احجيها لخوالك"، دلالة على أن القضية برمتها مجرد
أكاذيب. وذلك بسبب ضعف قضية الانتماء إلى الوطن، التي عمل النظام على قتلها منذ
توليه السلطة. وكما يُقال في المثل الشعبي المصري: "المال السايب يعلّم
السرقة"، تصبح الانتخابات والفوز بها هدفًا لضعفاء النفوس والانتهازيين في
المجتمع.
الطموح القاتل ... من حق كل فرد أن يكون له هدف
أو طموح، ويختلف هذا من شخص لآخر، وقد نسمع أن أحدهم يريد أن يكون طبيبًا أو
مهندسًا أو ذا نفع للمجتمع.
لكن أن يكون طموحك أن تصبح لصًّا؟ فهذه هي
اللطمة الكبرى.
فالكثير من الشخصيات التي تهمّ بدخول الانتخابات
لا تملك وعيًا سياسيًا مسبقًا، ولا خطة عمل لما بعد الفوز. أي أنهم معدومو الطموح،
لكنهم يملكون "هدفًا" واحدًا: أن يكونوا لصوصًا بتكليف حكومي.
موقف النظام الحاكم من الانتخابات ... يتجسد في
حكاية تراثية مفادها: "يُحكى عن والٍ أحمق أعلن بين الناس أنه يريد مشاريع
للبلدة دون تدخّله، فسمع به عدد من الشطار والعيارين، وذهبوا إليه وقالوا إنهم سيصنعون
له سجادًا لا يراه إلا ابن الحلال. وبعد مدة، دخلوا عليه وأوهموا الجميع بأنهم
يحملون سجادًا، فلما رأى الوالي ذلك صاح: ما أجمل هذا العمل!"
لكنه لم يجرؤ على قول الحقيقة خوفًا من الناس. ومن
هم اليوم على رأس الحكم وقعوا بين مطرقة الفساد وسندان واقعهم المرير. إنهم من
أسسوا لهذه المهازل منذ البداية، ولا يستطيعون الإقرار بالحقيقة: أنهم أولاد حرام.
بين الناخب والمرشح ... يقول مثل شعبي: "ما
أضرط من سعيد إلا مبارك"، في إشارة إلى أن العامة لم تعد تملك الوعي الكافي
تجاه العملية الانتخابية، وذلك لأن رموز العمل السياسي رسموا خططًا بمثابة قيود،
لا يخرج منها المرشح أو الناخب. الجميع أصبح مجرد أحجار في لعبة شطرنج، هدفها
إضاعة الوقت الذي يُفترض أن يُصرف لخدمة هذا البلد.
وما نراه أو نسمعه اليوم من ممارسات تحت مسمى
الانتخابات، يُعدّ معيبًا على جميع المستويات؛ فالمرشح يستعين بالعُرف العشائري،
وآخر يستغل سلطاته الوظيفية، مدنية كانت أو عسكرية، لغرض الفوز. وهكذا، يكون الفوز
من نصيب المال والسلاح، أما صوت المواطن فقد أصبح قضية شكلية، هدفها إضفاء الشرعية
على ما يُسمّى "العملية الانتخابية".
مرض العمى ... وهو المرض الأكثر انتشارًا في هذا
البلد. قال تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في
الصدور". صدق الله العظيم
الكثير من الشخصيات يعانون من هذه المعضلة.
يحتسبون أنفسهم على الطبقة المثقفة، أو شغلوا مناصب عليا، وهم مقتنعون بأن ما يحصل
ينتمي لمصطلح "العبثية"، ومع ذلك يقنعون أنفسهم أن "كل شيء
بخير"، وأن العالم قد اكتسى باللون الوردي.
وأكاد أجزم أن الجميع لم يحاول، ولو لمرة واحدة،
النظر في مرآة الحقيقة، والسبب بسيط: أنهم يعانون من عمى القلوب، مما أدى إلى موت
الضمائر. وهذا ما يدفعهم للتكالب على الاشتراك في هذه المهازل التاريخية.
وللتنويه، فإن هؤلاء أنفسهم هم من يفسد الأنظمة،
بسبب قلة الخبرات وعدم امتلاكهم الوعي في ما يتعلق بـ"الثقافة الحياتية"
في شؤون العامة.
الخلاصة ... جميع المرشحين اليوم هم عبارة عن
مشروع لص. والقول إنهم داخلون في قوائم الانتخابات لخدمة البلد، يشبه من يكذب
ويصدق كذبته، ويريد من الآخرين تصديقها. المشروع السياسي منذ سقوط النظام إلى
يومنا هذا، ليس سوى مسرحية هزيلة، هدفها استهداف النسيج الاجتماعي، وزرع الفتن بين
أبناء الوطن الواحد، تمهيدًا لعملية التقسيم... وهذا قرار محسوم.
ويمكن وصف كل شخصية تشارك في هذه المهزلة بأنها
خائنة للوطن بصمتها عمّا يجري، رغم معرفتها التامة بأن الوضع العام مزرٍ.
فالانتخابات أصبحت استنزافًا للمال والوقت،
ولهذا، فالشخصيات المشاركة فيها ليست سوى مشاريع لصوص... لصناعة لصوص.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق