العراق... ولماذا نحن على هذا الحال؟
تحت عنوان
كلٌّ يُغنّي على ليلاه
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
العراق اليوم... وطنٌ واحدٌ وقلوبٌ شتّى، وهذه
هي الحقيقة التي لا يريد أحدٌ الاعتراف بها. فالشيعة لا تقبل بالسُنّة، وترى في
الكرد طرفًا مزعجًا في الحكم، والسُنّة لا ترضى عن الشيعة، وتعتبر الكرد تهديدًا
لمناطقهم، والكرد يعانون منذ زمنٍ طويل من عقدة الاضطهاد. هذا كلّه خلق جوًّا
مشحونًا بين جميع الأطراف، بما في ذلك التركمان وتبعيتهم المقيتة لما يُسمّى
بـ"الوطن الأم"، والمسيحيون وقضية ادعاء المظلومية.
وكلّ هذا وأكثر حاضرٌ في الساحة السياسية، فيخرج
المنظّرون والمدافعون عن النظام ليستعرضوا أمجادًا وهميّة لا أصل لها.
الفئة الشيعية ... خرج علينا قبل أيام أحد هؤلاء، يتحدث بكل صفاقة قائلاً
إنّ ما يعانيه الشعب اليوم ليس سوى أكله وشربه، مضيفًا -بشكل ساخر- أن "راتب
العسكري يبلغ مليونًا ونصف". وكأنّ الأمر ينحصر في المال، غائبًا عن ذهنه أن
البلاد تحتاج إلى بنية متكاملة، ليتفاعل المال معها ويوفّر عيشًا رغيدًا.
ثم أضاف المتحدث أن الانتخابات "حقّ
دستوري"، وصوّر الأمر وكأنه "تكليف سماوي"، وكلّ ذلك فقط من أجل
ديمومة حكم الشيعة، حتى وإن كان هذا الحكم على مجمعات من الخرائب.
الفئة السُنّية ... يمكنني وصفهم بكلمة (جلكانات)، كما تُقال في اللهجة
العامية عن الأوعية التي تُنقل بها المشتقات النفطية؛ إشارةً إلى أنهم لا يملكون
قرارًا يُذكر. كلّ ما يتمنونه هو أن يتذكر من في السلطة أن يمنحوهم بعض المناصب
الشكلية، للاستفادة الشخصية على حساب الفئة التي يتحدثون باسمها. وفي الغالب،
تراهم توابع غير مستقلين تمامًا.
الفئة الكردية ... عقدة الاضطهاد. فمنذ بدايات القرن الماضي، وهم يردّدون
نفس الـ"مزيقة" (وهي كلمة كردية تعني النغمة). ورغم مرور سنوات طويلة
على سقوط النظام السابق، ورغم حصولهم على الحكم الذاتي المسمى بالإقليم، فإنك
تراهم ما زالوا يرفعون شعار الاضطهاد، ويقولون إنهم لم يحصلوا بعد على "حقوق
الشعب الكردي".
ولم أفهم منذ ذلك الحين ماهية هذه الحقوق، وحتى
الآن لا يزال الغموض يكتنفها. هذه "المزيقة" التي يعزفون عليها، ساهمت
في خلق جوٍّ مشحون بالتعصّب والتناحر غير المعلن مع الأطراف السياسية الأخرى.
الفئة التركمانية ... هم أصحاب التطرف القومي، إذ كثيرًا ما يتحدثون عن
الانتماء إلى الأمة التركية، وهو ما أضعف النوايا في المشاركة الحقيقية في بناء
الوطن، وخلق حالة من عدم الرضا عن أبجديات النظام الحاكم.
الفئة المسيحية ... أصحاب "دعاء المظلومية". وكما كان يردد صاحبي
(رحمه الله) عند الحديث عنهم، كانوا يردّدون كلمة واحدة: "قتلتمونا"،
تعبيرًا عن هذا الادعاء، وجعلوا منها مسمار جُحا يرفعونه في كلّ مناسبة.
وقد صنعت منهم هذه الحالة فئةً كلّ همّها الحصول
على مكتسبات دون النظر إلى قضية الانتماء، وهم دومًا يسعون إلى نيل لقب
"المدلّلين" في الدولة.
ومن الطبيعي، وبعد كلّ ما قرأته، أن تُدرك أين
تكمن المعضلة العراقية:
إنها في عدم جدّية جميع الأطراف -بلا استثناء-
في بناء البلد. فبهذه الإيديولوجيات لن يكون هناك وطن ولا مواطن، بل ستكون هناك
فئاتٌ متناحرة تفتقر إلى الوعي الإدراكي بمسألة البناء.
فإذا ما أردنا بناء وطن حقيقي، فيجب أن يكون
للنظام عقولٌ قادرة على استيعاب كلّ تلك التراكمات الناتجة عن العصور الجمهورية
المتعاقبة.
وتبدأ البداية بزرع الفكر الوطني في عقل
المواطن، منذ المراحل الابتدائية عبر المناهج التعليمية.
لكننا، للأسف، لا نرى مثل هذه المناهج، بل على
العكس، نجد مناهج تعمّق الفكر الطائفي، وتُغذّي القومية المتعصّبة، وهو ما ينافي
فكرة بناء بلدٍ سليم.
الخلاصة ... وجود المخلصين في هذا البلد بات نادرًا، بسبب تعدد
الانتماءات غير الوطنية.
وتعدّد الشعارات والرايات المرافقة لراية الوطن،
يخلق انقسامات في الأهداف والمعطيات، تُثير الفتن، وتؤدّي إلى اقتتال غير معلن،
يمنع دوران عجلة التقدم والتنمية.
ومن يظنّ أن الانتخابات ستكون باكورة إصلاحات،
فهو واهم؛ لأن النظام بأكمله مقيّدٌ بقوانين تعمّق الطائفية والقومية. ونحن، كما يقول المثل: "لا يُصلح العطّار ما أفسده
الدهر".
لذلك، يجب علينا إعادة صياغة المفاهيم الوطنية
من جديد، فما عاد أحدٌ في هذا البلد إلا وهو يُغنّي على ليلاه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق