أكرِموا معلّمكم يكرمكم الله
تحت عنوان
الإضراب... وحقوق المعلم المُغبونة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
قيل في التاريخ: إن الخليفة هارون الرشيد أحبَّ يومًا أن
يطّلع على حال من كان يُعلّم ولدَه، وكان شيخًا جليلًا، فقرّر أن يختلس السمع
والبصر على مجلس العلم ليرى بعينه الحال. فإذا بالمجلس قد انفضّ، وإذا بالمأمون
والأمين يتخاصمان على جلب النعال للشيخ! فسُرّ الخليفة لهذا المشهد.
وفي اليوم التالي، استدعى الخليفة الشيخ، وسأله:
"من أعزّ الناس على الأرض اليوم؟"
فأجاب الشيخ: "أمير المؤمنين، أعزّ الناس."
فقال الخليفة: "لا والله، بل هناك من هو أعزّ منه!
فوالله إن من يختصم ولَيّا عهد أمير المؤمنين على حمل نعليه، لهو أعزّ الناس."
من هنا نفهم أن بتلك الأخلاق، أخضعنا مشارق الأرض
ومغاربها. أما بما نحن عليه اليوم، فلن نقدر حتى على إدارة قطيعٍ من الخرفان.
فالمعلّم هو القيمة العُليا، التي لا تسبقها إلا مكانة الأنبياء.
رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
قُم للمُعلّمِ وَفِّهِ التبجيلا
كادَ
المُعلّمُ أَن يكونَ رسولا
الحق المُغبون ... منذ سنواتٍ طويلة، لم يُقيَّم المعلّم بما يستحق من
مكانة، وتحديدًا منذ بداية العصر الجمهوري وحتى يومنا هذا. ومع تعاقب الأنظمة
الاستبدادية، تعمّدوا تهميش دور المعلم والتقليل من شأنه، بسبب الأفكار المصاحبة
لتلك الأنظمة التي لا تخدمها المعايير الصحيحة لتقييم المعلمين.
فقد انتقلنا من دكتاتورية فردية إلى دكتاتورية جمعية،
وكِلاهما أنظمة شمولية بعيدة كل البعد عن المنهج العلمي، الذي يُعدّ تقييم دور
المعلّم جزءًا أصيلًا منه.
في دول كثيرة متقدمة، يُعتبر المعلّم ثروة وطنية، وتُمنح
له الرعاية على الصعيدين الشخصي والجماعي.
معلّم اليوم ... هو الحلقة الأضعف في النسيج الاجتماعي، ماديًا ومعنويًا.
وقد خلق هذا الوضع حالة من الاضطراب الفكري العام.
ولو كانت السلطات مدركة لحجم الخطر، لأعطت المعلّم
الأهمية الكبرى. فبه تُحلّ الكثير من القضايا، التي تظن الحكومات أن القوة وحدها
هي السبيل لعلاجها.
لكن هل يملك المعلّم اليوم الإمكانيات اللازمة لصنع
أجيال قادرة على بناء وطن؟
الجواب المنطقي: (لا). وليس ذلك لعجزه، بل لأن العطاء يتطلب ظروفًا ملائمة. كما
يُقال: "إذا أردت أن تُطاع، فأمر بما يُستطاع."
نقص في المال، ضغط في النفوس، وإهمال متراكم، أرهق كاهل
المعلّم، وقلّل من قدرته على العطاء ومن الطبيعي ألا يرضى بهذا الحال، حتى ضاق
ذرعًا بالممارسات الحكومية التي تستهدف هذه الطبقة الحيوية.
الإضراب ... تعلّمنا في الصغر أن "أخذ الحق حرفة"، وها قد
كُشف لنا زيف من ادّعوا أننا في بلد ديمقراطي ينعم بحرية التعبير.
فقد خرج الآلاف من المعلّمين محتجين على سياسة التهميش،
واختاروا أرقى وسائل الاحتجاج، وهي: الإضراب، وسيلةً للضغط السلمي على السلطات
للاستجابة لمطالبهم المشروعة.
وإذا ما أردنا وصف مطالبهم، فهي لا تتجاوز حدود البساطة،
بل تمثّل قمة المنطق: حياة
كريمة، تحفظ للمعلم قدره وكرامته.
صور ما بعد الإضراب ... تتوالى الأخبار من هنا وهناك، تعبّر عن تخبّط حكومي في
التعامل مع المسألة، من خلال إطلاق وعود مؤقتة لا تُشبع جائعًا ولا تروي ظمآنًا.
لكن القضية أكبر من مجرّد زيادة راتب، فهناك مشكلات
تُعدّ كوارث حقيقية، مثل:
التجاوزات المتكررة من بعض الأهالي ضد الكوادر
التعليمية، وغياب التواصل الفعّال
بين المعلم والمجتمع، نقص
الأدوات، وضعف البيئة التعليمية ولو أردنا تفصيل كل هذه الإشكاليات، لما كفتنا
مجلدات.
المغزى ... المعلّمون
هم ورثة الأنبياء في رسالتهم وأيّ تهميش لهذه الطبقة ستكون له نتائج كارثية لا
تُحمد عقباها ، ومن أراد أن يساهم في بناء مجتمع حقيقي، فلينظر أولًا إلى من
يُعلّم أبناءه ويضع حجر الأساس. فغياب
دور المعلّم، أو إضعافه، سيحوّل المجتمع إلى غابةٍ كبيرة تسودها الفوضى، ويقودها –
أجلكم الله – حمار.
لذلك، أطالب بالكفّ عن استهداف المعلّمين، والحد من
حملات الإساءة المتكررة بحقهم، فالمعلّم ليس فقط صانع الكلمة، بل صانع الوعي
والحضارة.
ومن يمدّ يده على معلّم، فهو أقصر الناس عقلًا، وأقربهم
إلى الجهل، ومهما كانت مكانته، فهو من فئة المتخلّفين.
كل ما نحن عليه من تراجع سببه تهميش المعلّم، وإجباره
على خياراتٍ مرّة، يريدون منه أن يلتزم بينما هم لا يوفّرون له ما يحتاج.
كيف نطلب الالتزام من معلّمٍ يُهان ويُجَوَّع؟ نحن أمة أساس دينها "اقرأ"، فإذا غاب من يُعلّمنا الحرف، فبشّرونا بأننا لا دين لنا
ولا دنيا!
الخلاصة ... نحن اليوم، جميعًا، نقف مع مطالب المعلّمين المشروعة ونرفض
التجاوزات بحقهم، ونؤمن أن الكلمة الصادقة قادرة على إحداث التغيير.
وكيف لا؟ومن علّمني أن أكتب هذه الكلمة، كان معلّمي... تحية إجلال لكل معلّم في العالم، وفي بلدي العراق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق