(حطّاب سيبيريا) رواية للبارون الأخير
اليوم الأول
الزمن: ما بعد الحرب العالمية الأولى
المكان: إحدى غابات سيبيريا، في الاتحاد
السوفيتي السابق
الشخصية: ماركس جون
كان يمشي متثاقلًا فوق البياض الأبدي، خطواته
تحفر الثلج المنكسر كما تحفر الجراح جسده المثقل بذكريات الألم. ماركس جون، رجل لم
تعد الحياة تهمه بقدر ما يهمه أن يواصل السير... ولو إلى المجهول.
الرأس مطأطأ، والعيون ذابلة، كأنما الثلج يسقط
على مقلتيه مباشرة، يحجب عنه طريق النجاة.
وقف قليلًا، مسندًا جسده الواهن إلى جذع شجرة
عارية، وهناك، تحت نور الشمس الباهتة، لمح آثار الجراح العميقة بين عروق يده
المتعبة.
الريح تصفر بعيدًا، والعواء القادم من عمق
الغابة يبعث الرهبة في القلب. كانت الحيوانات، منذ أول الشتاء، تتقاتل من أجل لقمة
الحياة. رغم أن قدميه كانت منغرستين في أكوام الثلج، إلا أن العرق كان يتصبب من
جسده، وكأنه يركض تحت شمس صيف حارقة.
بقي مكانه، محدقًا في الفراغ، فاقدًا للإحساس
بالعالم من حوله. لحظة سكون مريعة، كأن الزمن نفسه قد توقف. لحظة يكون فيها
الإنسان عاريًا من كل شيء إلا الضعف.
الشعور بالموت كان يلفّه ببطء، كما يلتف الثعبان
حول فريسته. فالإنسان حين يفقد الأمل، يتحول إلى جثة تتنفس بآلية خاوية.
بلا وعي، أدخل يده في جيبه، وكأنه يبحث عن نفسه
الضائعة بين طيات معطفه البالي. لكنه نسي الأهم... نسي أن يسأل نفسه: هل ما زال
حيًا؟
استسلم لجسده المنهك، وسقط أرضًا، يرسم بتهالكه
بداية قصة لم تكتب بعد.
رفع عينيه نحو السماء الرمادية، وبث أمانيه
المنكسرة في فضاء بارد لا يسمع أحد فيه أحدًا.
لكنه كان يعلم، في أعماقه، أن للقدر قوانينه
الخاصة... قوانين لا ترحم التمنيات. أنفاسه الثقيلة كانت الوحيدة التي تشي بأنه ما
يزال موجودًا.
وفي وحشة الغابة، انطلقت أصوات عصافير تتناحر
فوق الأشجار، تتقاتل بجنون على فتات الحياة. ذلك المشهد، البسيط والعنيف، أشعل في
داخله جذوة قديمة... جذوة اسمها "الأمل".
لكن الأمل كان هشًا أمام الألم. فقد الإحساس
بقدميه، وتردّد لحظة: هل ينزع الحذاء الذي التصق بجسده المتجمد، أم يبقيه؟
أيهما أقل وطأةً: ألم البقاء أم قسوة الرحيل؟ كلتا
الحالتين، كانت الطريق واحدة... نحو النهاية.
بدأ يزداد يقينًا بأن الموت هو المآل المحتوم،
سواء في خضم المعركة، أو بين أشجار الغابة الميتة. تساءل مع نفسه، وهو شبه غائب عن
وعيه: أليس الموت، أيًّا كان شكله، هو الوجه الآخر للحياة؟
مدّ يده إلى جيوبه المرتجفة مرة أخرى، باحثًا عن
أي أثر لماضيه، فوجد قلادة دينية وساعة يد قديمة. ذكرى إنسان كان يومًا ما يؤمن
بالزمن والمصير.
نظر حوله... الأشجار البيضاء بدت كأطياف، تتحرك
وتتلون، وتتحول أحيانًا إلى أفاعٍ ودببة وذئاب تحدق به بأعين مشتعلة. كانت الأوهام
تنسج له مشهد النهاية.
الخوف... الرعب الداخلي... تلك اللحظة التي يعجز
فيها العقل عن التفريق بين الواقع والكابوس، اجتاحت كيانه. حاول أن ينهض، تعثر. حاول
مجددًا، سقط. ولكن المحاولة نفسها كانت انتصارًا صغيرًا، صامتًا.
وهو يريح رأسه المثقل على جذع الشجرة، تساقطت من
خوذته سجارة كان يخفيها... تلمّسها بأصابعه المرتعشة، باحثًا عن شرارة حياة
يوقظها، لكن لا شيء ... خيبة أخرى أضيفت إلى سلسلة خيباته الطويلة.
شعر بالأرض تدور من تحته. حينها، أغمض عينيه... وغاب
في نوم يشبه الغيبوبة، نصفه راحة، ونصفه احتضار.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق