بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 30 مارس 2025

مقال

 مسلسل معاوية (الأعمال الاستفزازية)

تحت عنوان

الدراما الرمضانية

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



المقدمة ... معاوية هو مسلسل تاريخي عربي مشترك بدأ عرضه في شهر رمضان عام 2025، يتناول سيرة معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية في دمشق، ويستعرض الفترة التي تلت مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، ثم تولي الخليفة علي بن أبي طالب الخلافة حتى مقتله، وتولي ولده الإمام الحسن بن علي، وتنازله عن الخلافة لمعاوية، وما تلا ذلك من أحداث، بما فيها تولي يزيد بن معاوية (ثاني خلفاء بني أمية) وقتل الإمام الحسين بن علي في كربلاء. كل ذلك يأتي في إطار ما يُعرف في كتب التاريخ الإسلاة)**مي بـ"الفتنة الكبرى" وما تبعها. بدأ تصوير المسلسل في يوليو/تموز 2022، ورُصدت له ميزانية ضخمة تُقدَّر بنحو 100 مليون دولار، ليكون بذلك الأضخم إنتاجيًا في تاريخ الدراما العربية. العمل من سيناريو محمد اليساري، خالد صلاح، وبشار عباس، برؤية فنية لأحمد مدحت، وإنتاج "إم بي سي استوديوز" السعودية.

البداية ... ليس هناك خير من كلام الله لبدء الكتابة: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} صدق الله العظيم وفي السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة الأعمال الاستفزازية التي تتبناها بعض الجهات من هنا وهناك التي تُعد بمثابة "طبول الفتنة" في العالم الإسلامي، وذلك من خلال الدراما الرمضانية. هذه الظاهرة ليست مقتصرة على طرف دون آخر، بل يتبعها كلا الجانبين، وهنا سنستعرض الدوافع الكامنة وراء هذه الممارسات المشينة.

الاهتمامات ... على كل صاحب قلم أن يكون على دراية بمطالب ومتطلبات المجتمع في هذا الشهر الفضيل، لكن ما يحدث في الساحة الفنية اليوم لا يعدو كونه تجنيدًا لبعض الأجندات التي تسعى إلى تغذية النعرات الطائفية. المواطن اليوم لا يهتم بما فعله معاوية أو ما جرى في تلك الحقبة، فاهتماماته المعاصرة بعيدة كل البعد عن مثل هذه الموضوعات.

إذا سألتني عن رأيي في الموضوع، فلن يكون مختلفًا عن أي شخص آخر، لكنني من الذين يؤمنون بأن المسافة بين الحق والباطل لا تتجاوز أربعة أصابع، وهي ذات المسافة بين العين والأذن. وعندما أقرأ التاريخ، لا أعتبره قاعدة لاتخاذ قرارات مستقبلية، بل أراه مجرد حكايات سردية منقولة من مصادر قد تكون غير موثوقة. وهناك مقولة تقول: "إن كثيرًا من الروايات التاريخية غير صحيحة، وما تبقى منها ليس بالضرورة أن يكون هو الصواب"، ما يعني أن التاريخ ليس وسيلة لتغيير الواقع، ولهذا يجب إدراك حقيقة قراءته.

الهدف ... إنتاج ضخم، وجيش من الممثلين، وعدد من المؤلفين، ولا أعلم السبب الفكري وراء إخراج مثل هذه الأعمال، التي لا تهدف إلا إلى اللعب على العواطف الجماهيرية من خلال بوابة الدين. إنها حرب قديمة متجددة، وهي إحدى أقسام الحروب الفكرية. فعندما وجد الأعداء عبثية الحروب التقليدية ضد الإسلام، انتقلوا إلى حرب الأيديولوجيات، وهي أخطر الحروب التي عرفتها البشرية. هذه السياسة تتبعها القوى الاستعمارية منذ خمسينيات القرن الماضي، والحق يُقال إنهم وجدوا نصوصًا تاريخية تساهم في تعزيز الفتن بين المسلمين في هذا الزمن.

التحصين الفكري ... هو الدرع الوحيد الذي يضمن لك الابتعاد عن سُبل الشيطان. لم يعد الشيطان بالصورة التقليدية التي نعرفها، بل تغيّر في المضمون والشكل، فأصبح يرتدي ملابس معاصرة، كسُترة وربطة عنق، وأحيانًا يرتدي عمامة ويجلس على منبر يخطب في الناس. وإذا لم تكن الصورة واضحة، فالحل الوحيد للخروج من هذه الدوامة هو الوعي الفكري. بالوعي وحده نستطيع التمييز بين المواد النافعة والمسمومة.

النصيحة ... كلنا "زرع الموت" كما يُقال، وما سيبقى هو وجه الله وعملك الذي يتنوع بين القول والفعل، فحسّن عملك، لأنك ستدرك في يوم من الأيام حقيقة ما أنت عليه. تذكّر أن كل من على الأرض اليوم نائمون، والاستيقاظ الحقيقي سيكون عند لحظة الموت، حينها فقط سترى الحقيقة. أسأل الله لكم أن يكون استيقاظكم قبل الموعد المحتوم، تيمّنًا بقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}.

كلنا ميتون يومًا ما، لكن الفارق بين الصالح والفاسق هو أن الفسوق لا يقتصر على الأفعال، فقط بل يشمل السبّ والشتم لأشخاص لا نعلم عنهم شيئًا سوى ما كتبه من سبقونا، ومصداقية تلك الروايات محل شك. فامسك لسانك، واعلم أن ما يكبّ الناس على وجوههم يوم القيامة هو حصاد ألسنتهم، والعياذ بالله.

النهاية ... ما نحتاجه اليوم ليس أعمالًا تروي لنا ماذا فعل فلان أو قال علّان، بل نحتاج إلى أعمال تزرع الأمل بغدٍ أفضل في نفوس الناس. لذا، يجب الابتعاد عن كل ما يفرقنا، فالفتنة قد أشعلت لسنوات طويلة، والأقلام لا تزال تغذيها من كلا الطرفين. حالنا اليوم كحال من يبصق تجاه السماء، فلا يعود عليه إلا ما بصق، والنتيجة هي تشويه صورة الإسلام أمام العالم. والعياذ بالله.

الخميس، 20 مارس 2025

مقال / المرأة في مذهبي قارورة عطر

 المرأة في مذهبي قارورة عطر

تحت عنوان

هي لم تغادر حدود القلب بعد

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الوقت اللعين… الماضي والآتي، كله مرهون بها. قد لا تعرف ذلك، وقد لا تعلم ما أحمله بين الضلوع لها. قد يكون السبب جهلها، أو شيئًا آخر، وربما لم أكن في دائرة حساباتها من البداية. ولكن هكذا هو الحب دائمًا؛ لا قرار، ولا اختيار. ما زلت أتذكر صوتها للمرة الأولى، فالصدى لا يزال يقرع جدار القلب.

الغريب... أنني اليوم بين نيران الشوق والكبرياء، وهو الموت السريري، إن صحّ التشبيه. إنه أبشع شعور قد يمرّ به أحد، والحكاية لم تنتهِ بعد، بالنسبة لي فقط، أما هي، فالغياب أصبح من أبرز سماتها. كم أشتاق لسماع صوتها في بعض الأوقات، لكن هناك شيئًا ما يرفض ذلك تمامًا.

القريب... الأمل الذي لا يموت في داخل أحدنا، ذاك الذي وُلِد في البدايات. وكما يقول القائل: "لو كنا نعلم النهايات، ما بدأنا". ولهذا يخاف الجميع من الحب، وقد يصل الأمر بأحدهم إلى وصفه بذلك الوحش الذي يلتهم العاشقين. ولكن رغم كل ذلك، يعيش الجميع على شعرة الأمل، رغم إدراكهم لحقيقة النهايات القابعة في تفاصيل صغيرة.

الحب... كثيرون في هذه الأرض يجهلون المعنى الحقيقي للحب. فالحب هو المولود الحقيقي بين شخصين، قد يولد في همسة صوت، أو نظرة عين، أو لمسة يد. وبعدها تأتي الترجمة الحقيقية لذلك الشعور من خلال الأفعال، التي تعكس حالة الحب وتؤكد وجوده.

لماذا قارورة العطر... قد يتساءل أحدكم الآن: لماذا منحْتُها هذا اللقب؟

والجواب بسيط: لأنها تحمل كل الصفات الحقيقية التي تليق بهذا التشبيه. فهي، إن مرت بمكان، ملأته بعبق عطرها الذي لا يزال يملأ أنفاسي عن بُعد. ورغم كل شيء، لا أستطيع محوها أو كسرها، حتى لو مرّ ألف عام. فإن انكسرت تلك القارورة، فلن يستطيع أحد على وجه الأرض جمع أشلائها، وسيبقى أثرها حاضرًا رغم مرور الزمن. وهكذا هي… من الصعب تجاوز كل ما بيننا، ولهذا كان:

القرار الصعب... أن تبقى رهينة ذلك الصمت الممزوج بالألم. فلا مكان للشجاعة في هذه الحالة، التي أصبحت اليوم واقعًا تفرضه علينا أبجديات القدر. فما زال ذلك القلب يشتاق إليها في كل وقت، لكن ما يكبحه هو المساحة المخصصة للكبرياء.

النهاية... هي ليست ككل النساء اللواتي عرفت، بل هي الحالة الاستثنائية بين جموع النسوة. جمالها يكمن بين ما يظهر وما يخفى، وحديثها لا يزال عالقًا في ذاكرتي، أسترجع من خلاله ذكرياتٍ جميلة. ولهذا، لم يبقَ لي الآن سوى بعض الصور التي تدمي القلب… لكن، رغم كل هذا، ما زلت أحبها.

الثلاثاء، 18 مارس 2025

مقال

 

 اختلط الحابل بالنابل

تحت عنوان

مقولات غيّرت وجه المجتمع

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



البداية مع مقولة لأبي - رحمه الله - مفادها: "سوف يأتي زمانٌ، مَن لا يفعل الفاحشة فيه يُرمى بالقشور". في ذلك الوقت، لم أفهم المقصود تمامًا، لكن مع مرور الأيام، أدركت أننا نعيش تفاصيل هذه المقولة اليوم. لذا، من الضروري توضيح أبعادها في هذه السطور.

الرجال... هناك مقولة شائعة تقول: "الرجل لا يعيبه إلا جيبه"، وأعتبر هذه الكلمات بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير. لا أعلم تحديدًا مقصد من أطلقها آنذاك، لكن ما أدركته أن هناك عملية طمس متعمّد لكثير من مفاهيم الرجولة. حتى أن السينما المصرية طرحت مقولة مشابهة: "أنا لا أكذب ولكن أتجمّل".

لتوضيح الأمر، لا بد من تقديم صورة للقارئ عن الصواب والخطأ في هذا السياق. فقد تعلمنا منذ الصغر أن الرجل هو منظومة قيم متكاملة، من أبرزها: الصدق، الوفاء، والكرم، إضافة إلى العديد من الصفات النبيلة الأخرى. وعليه، فإن الكذب يُعد سلوكًا معيبًا في الرجل، فالطفل عندما يكذب يُقال عنه "صغير العقل"، أما الرجل الكاذب، فبماذا يمكن وصفه؟ لا أجد مصطلحًا مناسبًا يوازي هذا الفعل في حقه.

أما الصفة الثانية التي تهدم كيان الرجولة فهي البخل. فما فائدة أن يكون جيب الرجل ممتلئًا، بينما يضع على بابه جدارًا حديديًا يمنع العطاء؟ وما يزيد الطين بلة، أن يكون سيئ الخُلق. واليوم، باتت هذه القيم مجرد تراثٍ يُذكر في أحاديث المجاملات بالمجالس.

المرأة... ضاعت بين المحاسن والمفاتن! فقد كانت هناك قيم مجتمعية تحث المرأة على التفاخر بمحاسنها، بينما تبقي مفاتنها محفوظة لما بعد الزواج، كنوع من التقدير لمكانتها. أما اليوم، فقد انتشرت ظاهرة جديدة تُهدد أسس بناء المجتمع، حيث تقوم العديد من النساء والفتيات بتصوير أنفسهن بطريقة مزرية؛ يُركزن فيها على عرض سيقانهن أو مقدمة صدورهن، بينما يخفين وجوههن. وهنا حصل الخلط بين المحاسن والمفاتن، نتيجةً لتأثير "غواني المجتمع المدني" اللواتي يسعين إلى تشويه صورة المرأة تحت شعارات الحرية المزعومة.

ومن بين المقولات الشائعة اليوم: "مَن لا يتغير، يتبدل"، وهي دعوة صريحة لهدم البناء العائلي. وهنا يجب التنويه إلى وجود نوعين من "الغواني": الأولى تمارس الفحشاء بجسدها، والثانية تمارسها بسلوكها المشين. ويؤكد المثل الشعبي: "لا تفسد المرأة إلا امرأة"، وهذه هي الكارثة الحقيقية.

الخلاصة... لنعد إلى مقولة أبي - رحمه الله - حيث نجد اليوم أن العديد من النساء الملتزمات أخلاقيًا يتعرضن للاتهام بالرجعية والتخلف، وهذه هي "القشور" التي تحدّث عنها. والأمر لا يقتصر على النساء فحسب، بل يمتد إلى الرجال أيضًا. فمن يستطيع اليوم أن يطبّق حديث النبي الكريم: "إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخُلقه فزوّجوه"؟ لقد فقد هذا الحديث قيمته في زمننا هذا، حيث أصبحت المعايير مختلفة تمامًا.

كما امتدت المفاهيم المغلوطة إلى التربية الأسرية، عبر مقولة: "إذا كبر ابنك، خاويه"، التي فُهمت خطأ على أنها تعني أن يعامل الأب ابنه كصديق، بينما المعنى الحقيقي هو أن ينجب الأب طفلًا آخر إذا بلغ ابنه الأول سن الرشد. لكن تم الترويج للمعنى المغاير، حتى صار يُبرر للابن التحدث مع والده دون أي ضوابط أو احترام، مما ينافي أصول التربية الصحيحة.

النهاية... عندما تُشوَّه المفاهيم، يصبح من الطبيعي أن نرى ونسمع العجائب في مجتمع يعيش اليوم حالة من التخبط، وظهور مظاهر تنافي ما نشأنا عليه. وللخروج من هذا المأزق، لا بد من تفعيل دور العالم الاجتماعي، وعدم الاكتفاء بطرح النظريات على الورق، بل تطبيقها على أرض الواقع. وهذا يتطلب تكاتف الجميع لإعادة بناء المجتمع، بعيدًا عن المقولات المسمومة التي يتم الترويج لها. فهذه هي الخطوة الأولى نحو تصحيح المسار واستعادة القيم الأصيلة.

الخميس، 13 مارس 2025

مقال بعنوان / العراق ... ولماذا نحن على هذا الحال؟

 

 العراق ... ولماذا نحن على هذا الحال؟

تحت عنوان

قصتنا مع الحرام

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



سنوات من الانحدار الفكري والأخلاقي خلّفت الكثير من المآسي والويلات التي أنهكت المواطن بشكل كبير. ومن الطبيعي أن يتولّد لدى البعض السؤال الأهم في هذا السياق: لماذا نحن على هذا الحال؟

الإجابة تكمن في مصطلح "الحرام" وعلاقته بالواقع الذي نعيشه، وهنا تبدأ الحكاية.

غزو الكويت (1990) بداية الانحدار ... عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت عام 1990، لم تكن النكبة مقتصرة على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت إلى سلوكيات المجتمع. فعمليات السلب والنهب التي قام بها ضعفاء النفوس في ذلك الوقت كشفت جانبًا مظلمًا في العقلية الجماعية.

ولو سألت اليوم كل من شهدوا تلك الفترة، ستجد أن الجميع يتبرّأ من هذا الفعل، وكأن من ارتكبوا هذه الجرائم كانوا "جنودًا فضائيين" لا وجود لهم!

لكن الحقيقة أن الأسواق العراقية امتلأت بالبضائع المنهوبة من الكويت، حتى إنني ما زلت أتذكر نوعًا من البسكويت يُباع في الأسواق يحمل اسم "توتو"، وكان جزءًا من المسروقات التي تدفقت إلى العراق في ذلك الوقت.

سقوط النظام (2003) سرقة الوطن ... تكرر المشهد عام 2003، ولكن هذه المرة لم يقتصر النهب على ممتلكات دولة أخرى، بل سُرِق الوطن نفسه. فقد اجتاحت الفوضى البلاد، وشملت السرقات كل شيء: المؤسسات الحكومية، المرافق المدنية، المعسكرات العسكرية، وحتى المستشفيات.

وصل الأمر إلى حد أن بعض النساء سرقن أجهزة طبية متخصصة، وعندما سُئلت إحداهن عن سبب سرقة جهاز "سونار"، أجابت بكل بساطة: "لأنني لا أملك تلفازًا في المنزل!"

وهكذا، ترسّخت أيديولوجية اللصوصية في العقل الجمعي حتى أصبحت ثقافة عامة، وليس مجرد سلوكيات فردية عابرة.

في وقتنا الحاضر والنتائج الكارثية ...اليوم، نعيش تداعيات تلك الانهيارات الأخلاقية (سفك دماء بلا وازع وتفكك الروابط الاجتماعية وقطع الأرحام وانتشار التفاهات على حساب القيم وتسيد السفلة المشهد العام وتغييب العقل والمنطق) ، وكما يقول المثل الشعبي: "ذاك الغيم جاب هذا المطر"، فنحن اليوم نعيش في مجتمع يجري فيه "الحرام" مجرى الدم، مما قد يؤدي إلى كوارث أشد مما نراه الآن. فقد أصبحنا مجتمعًا خاليًا من القيم الإنسانية النبيلة، ومن المبادئ الأخلاقية، ومن العلاقات المبنية على الصدق والمصداقية.

المعضلة الحقيقية غياب الوعي ... المشكلة الجوهرية ليست فقط في السلوكيات، بل في غياب الدور التوعوي على المستويين الفردي والاجتماعي.

منذ سقوط النظام الملكي عام 1958، لم تتوقف الحكومات المتعاقبة عن إشغال الرأي العام بأزمات مزمنة، لضمان استمرارية الأنظمة المتوالية. والنتيجة؟ ترسيخ ثقافة اللصوصية في المجتمع، بل وتشريع قوانين تحمي اللصوص، مما منح ضعاف النفوس الشرعية الكاملة لاستغلال الوضع لمصالحهم الشخصية.

الحل ولادة الوعي ... الحل لا يكمن في تغيير الأسماء أو استبدال الأشخاص، بل في تغيير طريقة التفكير. مشكلتنا ليست في "زيد" أو "عمر"، بل في طريقة تفكير الأفراد واكتسابهم للوعي.

كل المخلوقات على الأرض تمتلك العقل، ولكن ليس جميعها تمتلك الوعي. بغياب الوعي، تتحول الأرض إلى غابة!

لذا، نحن بحاجة إلى برامج ثقافية تُعيد بناء الإنسان، وتهيئة بيئة مناسبة لولادة الوعي لدى العامة. وهنا يأتي دور الوازع الديني، باعتباره إحدى أهم المرجعيات القادرة على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع.

الخاتمة... قرار التغيير بأيدينا كل فعلٍ له رد فعل، وما نعيشه اليوم هو نتيجة تبني قيم ومبادئ دخيلة علينا. لكن المفاجأة الكبرى تكمن في الحقيقة التي قالها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"

ومن هنا، ندرك أننا أمام اختبار صعب. فإذا أردنا التغيير، علينا أن نبدأ من الداخل، ونعمل جميعًا على ولادة ذلك الكائن القادر على تغيير كل شيء... وهو "الوعي".

السبت، 1 مارس 2025

مقال

 

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المصيدة

تحت عنوان: لا دين للسياسة

بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين



اللقاء الأخير بين زيلينسكي والرئيس الأمريكي، والمشادة الكلامية التي جرت بينهما، يُعدّان من الأحداث التي يجب تدريسها في المناهج الأكاديمية لطلبة العلوم السياسية. ذلك لأنها مليئة بالدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من تفاصيل اللقاء.

البداية  ... ما حدث كان رسالة مُعلنة، والغريب في الأمر أنه ولأول مرة في عالم السياسة يتم نقل حديث مباشر خالٍ من البروتوكولات الدبلوماسية، وهو أمر غير معتاد. فمن غير المعقول نشر الغسيل القذر بهذا الشكل. وكان الهدف الأساسي من اللقاء تحجيم الرئيس الأوكراني، وهو ما تجلّى بوضوح في طبيعة المصطلحات التي وُجِّهت إليه. وقد انعكس ذلك على ملامح زيلينسكي، الذي أتقن إخفاء مشاعره بحكم عمله السابق في التمثيل.

سياسة "الدلّال"... هذا المصطلح مستوحى من التراث الشعبي العربي، حيث يُعرف "الدلّال" بأنه أقرب إلى المهرج، إذ لا يمتلك قواعد ثابتة في عمله، وهذه بالضبط هي السياسة التي يتبعها الرئيس الأمريكي. فمن خلال تجربته الطويلة، نقل جو بايدن قواعد تلك المهنة إلى الأساليب التي يمارسها رجال السياسة في البيت الأبيض في هذه المرحلة.

مغازلة "حطّاب سيبيريا" (بوتين) ... في عالم السياسة، لا يوجد عدو دائم ولا حليف أبدي، فكل شيء تحكمه المصالح الدولية، أو إن صحّ القول "المكاسب المالية". كما اعتدنا، لا شيء ثابت؛ فعدو الأمس قد يصبح حليف اليوم. هذا ما تعلّمناه منذ عقود في ظل حقبة "حكم المجانين". وأظن أن الرسالة قد وصلت إلى الطرف الآخر: فمن السهل جدًا تقديم زيلينسكي كقربانٍ لإله المال والمكاسب الاقتصادية، وهذا ما سيحدث على الأرجح.

عالم مادي... منذ عقود، أدركنا أن العالم بأسره ليس سوى خشبة مسرح في لعبة السياسة. ولكي ينجح العرض، يحتاج إلى مجموعة من الدمى الخشبية التي ستؤدي أدوارها بإتقان، ثم سيتم التخلص منها لاحقًا، إما بالكسر أو الحرق. الكبار هم من يرسمون الخطط، والجماهير تنساق بلا وعي، حيث يتم نشر ثقافة "القطيع" بين العامة. فمن كان بالأمس بطلاً قد يتحول اليوم إلى "متآمر" أو "طاغية"، ليتم التخلّص منه وسط تصفيق الجماهير الغبية احتفالاً بالنصر المزيّف. وهكذا تدور عجلة الأكاذيب الكبرى، التي تغذيها النظريات البشرية الهادفة إلى استعباد البشر، مثل الاشتراكية والرأسمالية، التي جعلت من المال سيدًا مطلقًا، ونجحت إلى حدٍّ كبير في ذلك.

ثقافة السذاجة... المشكلة في عالمنا العربي أننا لا نقرأ إلا ما يُملى علينا. على سبيل المثال، أتذكّر حكاية قديمة: في مناهج الدراسة خلال ثمانينيات القرن الماضي، كنا نقرأ أن عبد القادر الجزائري كان أحد رموز الثورة العربية ضد الاستعمار. لكن عندما كبرنا، اكتشفنا أن هناك كتبًا أخرى تقول إنه كان عضوًا في المحافل الماسونية، العدو اللدود للفكر العربي. هذه هي ثقافة السذاجة، حيث يتم وضع شخصيات ومؤسسات في قوائم الأعداء دون بحث أو تدقيق، وننساق جميعًا وراء روايات تفتقر إلى المصداقية والمعلومة الصحيحة.

الخلاصة... زيلينسكي، ومن سبقه، ليسوا سوى مجموعة من المغفلين والحمقى الذين يظنون أنهم سيحصلون على دور البطولة في هذا العرض التهريجي، الذي تُسحق فيه الشعوب والأطفال، كما يحدث في غزة اليوم. ولهذا، نقول للسياسيين العرب: ارتدوا ملابس تناسب مقاساتكم، فمن يرتدي ثوبًا أكبر من حجمه ستكون نهايته دراماتيكية، تمامًا كمن سبقوه. لذا، يجب أن يُدرّس هذا الموضوع في مناهج العلوم السياسية في أقطارنا العربية.

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...