تجريم المال
تحت عنوان
حقائق صادمة
بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين
يكثر في هذه الأيام ترديد مقولة "الفلوس وسخ
دنيا"، وهي أكبر الأكاذيب التي يسعون لإقناعنا بها، في حين أنهم أنفسهم يسعون
وراء المال بكل السبل، حتى لو كان ذلك على حساب البشرية جمعاء. ومن بين تلك السبل
إقامة الحروب، وإشعال المجاعات في مختلف بقاع الأرض.
وتبدأ القصة منذ ظهور الشعارات التي تكرَّس في أذهان
الشعوب، مثل "الاشتراكية" و"الرأسمالية" وغيرها من المصطلحات
المرتبطة بإدارة المال العام. ولكل من هذه الأنظمة عيوب قد تصل إلى حد الكارثة،
وها نحن اليوم نشهد نتائجها، ومنها:
التجرد من الإنسانية: أصبح الإنسان يسعى وفق مبدأ
"أنا ومن بعدي الطوفان"، مما ساهم في تدمير العلاقات الإنسانية، فلم يعد
هناك قيمة لكلمات عظيمة كانت جزءًا من حياتنا اليومية، مثل "الترابط
الأسري". وأصبحت مصطلحات (الأب، الأم، الأخ، الصديق) مجرد ألفاظ فارغة
المعنى، بعد أن أفرغها المال من مضمونها، نتيجةً للصراع المقيت الذي لا يبقي ولا
يذر.
حتى تحوّل كل شيء إلى معايير جديدة، ولم تعد هناك قوانين
كانت تمثل أسس الفطرة الإنسانية؛ فلم يعد الليل للراحة، ولا النهار للمعاش، ولم
تعد هناك قيم راسخة. بل انتشرت أفكار دخيلة على المجتمع، مثل (التفاهة، الكذب،
الاحتيال، واحتقار المشاعر)، مما صنع عالمًا أقرب إلى كيان مشوّه بلا ملامح. وهنا
تذكرت قول الله تعالى:
"وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ
وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ" (الحج: 2).
وإذا أمعنّا النظر في أحوال البشر من حولنا، نجد أن
الأوضاع قد تبدلت؛ فكثرت حالات الطلاق، وانقطعت صلة الأرحام، وأصبح الدين مجرد
غطاء لارتكاب المعاصي، بحجة أن الصلاة كفّارة لما يفعلون. وهم بهذا كاذبون، لأن
الصلاة تُكفِّر الذنوب غير المقصودة، أما ما يُمارس اليوم فهو أحد أبواب النفاق،
والعياذ بالله. وكل تلك الجرائم تُرتكب باسم المال، ومن أجله.
الحل ... تكمن الحلول في العودة إلى الجذور، وتغيير
المسارات العائلية من خلال غرس القيم النبيلة في العقل الباطن للطفل، وتعليمه أن
هناك مفاهيم تتجاوز المال، وأن الإنسانية ينبغي أن تكون المقياس الأهم في تقييم
البشر، لا الثروة.
إذا استمر الحال على ما هو عليه الآن، فلن يكون هناك
أسرة، ولا روابط عائلية، ولا حتى قيم اجتماعية. وهذه هي الكارثة الحقيقية. ومن
هنا، تأتي هذه الكلمات كمحاولة لتوثيق الحالة التي نعيشها اليوم، وإيصال رسالة إلى
الكثيرين. قد لا يُكتب لنا النجاح في ذلك، لكن يكفينا شرف المحاولة.
النهاية ... ليس فينا نبي ولا معصوم، بمن فيهم كاتب
المقال، لكن ما نعيشه اليوم هو الجنون بعينه، والناس منشغلون عما يفعله المال
بحياتهم. ولهذا، ينبغي سنّ قانون لتجريم المال ضمن الأطر الإنسانية، والسير نحو
عالم أكثر إنسانية.