بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 25 سبتمبر 2023

مقال الفنان عزيز علي .. وفن (المونولوج)

الفنان عزيز علي .. وفن (المونولوج)

تحت عنوان

قراءة في نمط أبداعي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



المونولوج ... هو نوع منفرد من أنواع الفن يجمع ما بين الشعر والغناء الساخر ظهر في القرن الماضي ، ويعرف كما ورد انه نمط من الحوار مع الذات ويطلق عليها بعض النقاد فن غناء المقالة ، وتعود هذه التسمية الى ان من زاول هذا الفن من المصرين ليسوا بالشعراء ولكن كان يكتب نص مقروء ليغنى بهذا الشكل  ، المونولوج وهي كلمة يونانية تعني أحادي والمصطلح قد استخدم في الغالب على خشبة المسرح ، ويكون في الكثير من الأحيان مقطوعة صغيرة تعبر عن السخرية من ظواهر اجتماعية او سياسية.

عزيز علي ....  مطرب وشاعر شعبي من العراق ولد في سنة 1911 في بغداد في جانب الكرخ، واسمه الحقيقي عزيز بن علي بن عبد العزيز ، ومارس مهنة التمثيل في المسرح عندما كان شابا في الخامسة عشر من عمره، وكان أحد ممثلي أول فرقة مسرحية عراقية اسسها الفنان حقي الشبلي في عام 1927 بأسم الفرقة التمثيلية الوطنية

للفنان أعمال تناول بها مواضيع ساخرة توزع ما بين اجتماعي وسياسي في ذلك الوقت ، وما هو ملفت للنظر انه يمتاز بقضية الارتجال في والأداء الدرامي للعمل ، وبالإضافة الى انه لا يمتلك خطوط حمراء في المسيرة النقدية ، وهذا ما أعطى للمواضيع حيوية بشكل مطلق حيث تتطرق في طرحه لكل شيء ، حتى بلغ به الأمر في طرح موضوع يعتبر مجازفة وهو حوار ما بين الفنان والشيطان ، وهنا يكون هو الرائد في نقل رأي الشيطان بما يفعله البشر في ذلك الوقت ، وهي عملية مقارنة ومحاكاة للواقع حيث استعرض في البداية صور من المجتمع والممارسات التي ظهرت في المجتمع وارجع كل شيء للصراع الدنيوي ، وليكون هناك مدخل للشيطان استعان بالحلم وبعد حوار طويل تبرأ الشيطان مما يفعلون البشر اليوم .

ليعود بعمل بعنوان (الركعة صغيرة والشك جبير) وهو ينتمي الى النقد السياسي ، والمقصود به إمكانيات النظام السياسي مقابل احتياجات العامة، وقد حدد في الرقعة الجغرافية لصورة العمل بقولة (من زاخو للبصرة ) .

حيث كان هناك طرحة لموضوع اليأس الذي كانت تعاني منه الناس ذلك الوقت ، وقد كان هناك محور للقصيدة وهو (كول الدنيا ربيع وكمره) وهي عملية أسقاط وإشارة  الى التناقض بين ما هو معلن والوقع المرير  والتغيرات السياسية التي كانت تثقل كاهل المواطن في ذلك الوقت ، حيث ولد نوع من الضبابية كما أوضح في النص الغنائي وكان هناك تلميح واضح في طرحة مصطلح (الثورة) كنوع من التحفيز لراي العام ، وهنا يعطي صورة الفساد المستشري ، ومن تلك المصطلحات أيضا كلمة (كلاو)  وجمعها (اكلاوات) وتعني الكذب في العمل ، وهنا ارد الوصول لفساد الإداري ما بين المسؤول الذي لا يعترف بالتقصير ، والموظف وقضية الإهمال في عمله ووقوع المواطن كضحية لذلك الفساد ، وفي النهاية اطلق العنان للأمل من خلال (بعد العسرى يسرى) ولكن بشرط ان يكون هناك دور للعقل في هذا واذا ما دل يدل على ان هناك ما يعرف بالنقد البناء في استعراض جوانب مظلمة مع إعطاء جرعة من الأمل  ، وعدم اليأس من الحال الذي تحدث عنه وهذا يعتبر الجانب الإيجابي من السخرية .

ثم يأتي عمل اخر لا يقل عمقه الإبداعي عن ما قدم هذا الرجل بعنون (النعل أبو الفن) ، ويبدأ القصيدة في تصريح انه قد يصاب بالجنون ، وهنا يترك أثر عند المستمع عن سبب هذا القول كنوع من الاستفزاز السمعي ، وهذه تحسب له من الناحية الفنية ثم يعود لقضية أن هناك تخوف لطرح بعض القضايا المعاصرة  اذا ما تم الإفصاح عنها ، وهنا يكون هناك نهج مختلف في نوعية السخرية دون الإشارة بشكل واضح من تلك الجهات ، فعلى سبيل المثال كان يستخدم في الفرقة الموسيقي بعض الموسيقيين كصاحب القانون وصاحب الطبلة كأداة بديلة والتهرب من المسؤولية اذا ما وجه الاتهام له ، فكان من يعزف على القانون هو أشاره إلى رعاة القانون في هذا البلد ويستخدم أيضا صاحب الطبلة بالمطلبين لأصحاب القانون وتعتبر هذه حركة التفاف على المقصود دون المباشرة ضد ممن يعنيهم الأمر ، وكان الأمر برمته نقد سياسي بالامتياز .

ومن هنا نفهم القدرة التي يملكها المبدع في إدارة هذه الأعمال واقتناء المفردات التعبيرية في الأغنية المقدمة ، وهذا لا يعتبر بالأمر السهل كما يظن البعض ، واذا ما اردنا المقارنة بين التجربة العراقية والمصرية لان تجد تاريخ معين ، ومن صاحب الريادة ولكن تعتبر التجربة العراقية هي الإنضج من الناحية اللغوية وقدرتها على التعبير ورسم الصور الشعرية البسيطة التي تحاكي المواطن البسيط والتناغم مع القدرة العقلية للعامة من الناس.

وهنا يحكى ان الرجل ينتمي الى المجموعة الماسونية ، وهذا حال الكثير من المبدعين العرب وهذا ما يطرح لماذا الرأي العام العربي لا يثق بذاته والتشكيك بالقدرات الإبداعي والمضي في عملية تشوية تلك الطاقات ، والسؤال هنا هل مازالت تلك الظاهرة متواجدة والجواب هنا (نعم) وهذا يعود الى نوعية الأيدولوجيات العربية وثقافة القطيع لهذه المجتمعات .

وهنا أود ان أنهي ما بدأت في الإشادة بتلك الظاهرة الإبداعية وراعيها ، وهو الفنان عزيز علي (رحمه الله) ، وما أحوجنا اليوم لهذا النوع من الفن ونحن نعيش تفاصيل أسوء مما كان يتحدث عنه ذلك الرجل ، وهنا أقول (طوبى لكل طاقة إبداعية ساهمة في رسم الثقافة العراقية) .  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...