هل ستزول امريكا قريبا
د. احمد ميسر
زوال امريكا عنوان اصبح مبتذلا لكثرة
ما نواجهه في الكتب والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي
اسباب كثيرة تقف بحسب مؤلفي تلك الكتب
والدراسات وراء حادثة الزوال فضلا عن توقيتات يجمع بين اغلبها اتفاقها على انه
سيكون " قريبا " وهذا القرب قد يفرق بسنة هنا وسنوات هناك لكن ذلك
الفارق البسيط لا يعدو ان يكون تفاصيل توقيتية يجمعها خط القرب الموحد العام
ورغم كل ماتسوقه تلك الدراسات
والمقالات من تحليلات تستند ظاهريا الى احصائيات ونظريات في علوم شتى في محاولة
لاضفاء نوع من الرصانة والعقلانية والحيادية
على ماتوصلت اليه من ربط للارقام والاحداث والشخصيات لتظهر بنتيجة واحدة هي قرب
زوال امريكا من خارطة العالم او على اقل تقدير زوال تأثيرها ونفوذها العالمي
المتصدر لمجريات الاحداث في عالم اليوم
ردة فعلي عند قراءة هذه النوعية من
النتاجات الفكرية يتفاوت بين رغبة في الضحك احيانا لكنه ذلك النوع من الضحك الذي
اشار اليه المتنبي يوما بقوله " لكنه ضحك كالبكا " واحيانا اخرى اشعر
بذات شعور من يقرأ خانة الابراج في اي
جريدة عربية روتينية تماما بتمام وحينما امضي في القراءة استدرك فجأة كالملسوع
ياترى هل ما اقرأه هاهنا من اسطر تتحدث عن زوال امريكا ام عن صفات برج الاسد او
الجوزراء او غيرهما من الابراج التي لم استطع ان اثق يوما بكل ادعاءات مروجيها عن
اي دور حقيقي لها في حياة الانسان ايجابا او سلبا الامر سيان
شعور واحد لم اشعره يوما وانا اقرأ هذه
النوعية من النتاجات الفكرية التي تتوقع الزوال الامريكي المرتقب والمتمثل بشعوري
انني امام كتابة فكرية حقيقة تستحق ان يرجع اليها في حالة اذا ما نويت اجراء اي
قراءة او قياس او ربط او تحليل لاي حدث يجري في العالم على اعتبار المؤثر الامريكي
هو اقوى المؤثرات السياسية والعلمية والاقتصادية في الساحة الدولية
عيب هكذا نوع من الدراسات انها تتسلح
بالامنيات اكثر من تسلحها بالمنطق والواقع فهي رغم تنوع مرجعياتها الفكرية من
اسلامية الى قومية الى شيوعية .. الخ تشترك في تفصيلة التمني البائسة هذه
انهم يتمنون زوال امريكا لان امريكا
رمز هزيمتهم الكبرى التي تحقق النصر الواقعي عليهم منازلة تلو اخرى لذلك هم في هذه
الحالة يتمنون ان تخسر امريكا المعركة الاخيرة بطريقة حاسمة ونهائية وكارثية لان
من سيخسر في تلك المعركة الاخيرة سيكون خاسرا للحرب حتى وان تواصلت انتصاراته فيما
سبق من معارك على طول خط المواجهة والتحدي لامريكا
بل وصل الشعور بالهزيمة في كثير من تلك
الاتجاهات الفكرية الى اشتراكها في توقع زوال امريكا بدون ان يكونوا سببا في ذلك
الزوال المتمنى لذلك لا تتعجب من ان تكون كثير من توقعات الزوال لاسباب داخلية
امريكيا كانهيار اقتصادي داخلي او تمزق اجتاعي وافتراق سياسي يؤديان الى تقسيم
امريكا ومن ثم نهايتها كقوة عظمى في العالم في حين جمح الاخرون بخيال تمنياتهم
ليتوقعو بشئ من محاولة تأكيد عجيبة من تعرص امريكا لكوارث بيئية كفيضانات عارمة او
زلازل مدمرة او سقوط نيازك كبرى من الفضاء الخارجي تحيل امريكا الى اثر بعد عين
وكل تلك الاسباب مجتمعة تنفي المسؤولية
عن متمني الزوال القريب المزعوم لامريكا خشية حتى في عقلهم الباطن من ان تحاسبهم
امريكا على دورهم في ذلك الزوال المتمني
خط اخر من اتجاهات التمني تلك يتمثل
باصرارهم على تضخيم دور وقوة ومستقبل الاقطاب الدولية المتواجدة في الساحة حاليا
او القوى الصاعدة في عملية تحمل عبء الازالة للوجود الامريكي نيابة عنهم كالصين
وروسيا والمانيا واليابان .. الخ من القوى والذين اثبتوا جميعا عجزهم عن مجاراة او
منافسة الند للند مع القوة الامريكية خلال عقود مضت وللان والذين من جهة اخرى
اثبتوا لاكثر من مرة انهم لن يكونو البديل الملائكي عن الشيطان الامريكي بالنسبة
لمن يطبل ويزمر ويضخم من دورهم البطولي الاسطوري المعشعش في عقول وارواح المتمنين
للزوال الامريكي ان لم تكن تلك القوى اكثر شيطنة وجرما وتعسفا بحيث يبدو الشيطان
الامريكي بالنسبة لهم مجرد شيطان كيوت
متأكد من انهم سيحنون لشيطنته في حال تحققت امنيتهم يوما ما في صعود هذه القوى
وحلولها محل القوة الامريكية الحالية وبذلك يكون قصارى سقف طوحاتهم ان يستبدلوا
قوة عظمى بقوة عظمى اخرى وكما لم يكن لهم يد في صعود او زوال القوة الامريكية
فالامر نفسه ينطبق على القوة البديلة والتبعات التي يقاسونها من القوة الامريكية
سيعانون مثلها او اكثر منها ربما مع القوة العظمى البديلة
لذلك اعتبرها محض توجهات فكرية بنكهة
الامنيات واحلام اليقظة لاترقى بمستواها الى ان تشكل جهدا فكريا يستند الى معطيات
العقل ومخرجات المنهج العلمي في الدراسة والتنظير
ستسهم تلك التوجهات بدون ادنى شك في اضافة جرعات
من الغيبوبة الفكرية والانفصال عن الواقع الى واقعنا الفكري المتدني اصلا وستزيد
شاء المتمنون ذلك ام ابوا في اطالة امد التسيد الامريكي الذي يحلمون بزواله
ان امريكا رمز لقوة عالمية تمتلك لحد
لحظة كتابة هذه السطور من متطلبات البقاء والاستمرار اكثر بكثير من اي قوة حالية
او صاعدة والذين قد يمتلكون كقوى عظمى بعض تلك المتطلبات لكنها ضئيلة ومحدودة في
مقابل تنوع و شمولية المتطلبات الامريكية
ليست امريكا بحد ذاتها هي من يهمنا لكن
ماتمثله من رمز للقوة الاعظم في العالم وتأثير ذلك على تفاصيل ومستقبل حيواتنا
وكشفها وتعريتها المتواصلة لمدى جهلنا ليس فقط في الوقوف على الاسباب الحقيقية
لنهوضها ونجاحها و استمرارها بغية الاستفادة من تجربتها في حال شئنا ان ننهض في
يوم ما ولكن ايضا جهلنا بالاسباب الحقيقية لتخلفنا ونكساتنا المزمنة كنتيجة طبيعية
لقراءاتنا اللاعلمية لذاتنا الحضارية
ان امريكا اشبه بالمرآة التي تعكس
للفرد منا محاسنه وعيوبه وبما ان ما نملكه من عيوب لاسباب ذاتية قبل ان يضاف اليها
الاسباب الخارجية كثيرة ومتعددة لذلك تشعرنا المرآة الامريكية بحجمنا الحقيقي
بتشوهاته المقرفة ومنظره الموغل في القبح
ان الانموذج الامريكي يشكل ان احسنا
التعامل معه فرصة لاعادة تقويم الذات بعقلانية
و شجاعة وصدق بدلا من مواصلة دورنا في صنع طغاة محليين واقليميين و دوليين جدد
كشماعات نحتاجها في ادامة رفد شخصيتنا المازوخية الجمعية وخداعنا المتأصل لذواتنا
والذي يجعلنا نبدو للعالم كأطفال مدللين يملئون العالم ضجيجا كلما ارادوا اثارة
انتباه وعطف الكبار
نحن من سنزول وفق معطيات العقل ومخرجات
الدراسات العلمية الرصينة في المجالات كافة ان لم نفق من غيبوبة تمني زوال غالبينا
و كاشفي عورات عجزنا ومقلقي منام سباتنا
الحضاري البليد
رحم الله امير الشعراء احمد شوقي حين
قال بحق امثالكم من المتمنين العاجزين :
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

مقال اكثر من رائع،، احسنت دكتور
ردحذف