بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 4 فبراير 2020

مقال


خلف الله عالكفار ستروا علينا
د. احمد ميسر

في تسعينيات القرن العشرين والحصار الاقتصادي الجائر ينهش في عظم المواطن العراقي البسيط اشتهر بين الاوساط الشعبية العراقية انتشار النار في الهشيم بيت من شعر شعبي اجهل قائله صراحة يقول فيه " خلف الله عالبالات سترت علينا " والبالات جمع بالة والتي تعني الثياب المستعملة وكثير منها مستورد من خارج البلد
في اشارة الى اعتماد المواطن العراقي البسيط على تلك النوعية من الملابس المستعملة الرخيصة لعجزه عن شراء الملابس الجديدة
تذكرت هذا البيت الشعري وانا اطالع هذه الايام وبتكرار يدعو للسأم والعجب تلك الدعوات الانفعالية المدوية لمقاطعة البضائع الاجنبية لهذا البلد او ذاك كلما توترت علاقتنا الخارجية السياسية معه
فتجد ان اول رد فعل لهذا التوتر حتى قبل ان يحسم الموضوع الذي تسبب بالتوتر هو الدعوة لمقاطعة بضائعه ومنتجاته هكذا وبجرة قلم واحدة ويصبح من يستوردها او يستخدمها شخص ضعيف الانتماء لبلده ودينه و مذهبه وووو .. الخ من صيغ الانتماء المتعددة والتي ربما تصل الى حد الاتهام الجاهز الفوري بالعمالة والخيانة العظمى لمجرد انك تستخدم منتجا لبلد لجودة المنتج وربما لرخصه حسب ظرفك طبعا ولم يدر بخلدك على الاطلاق ان للامر صلة من قريب او بعيد بملف الانتماءات مع علمك بان هذا المنتج الذي تستخدمه بطريقة قانونية وباجازة من وزارة التجارة في بلدك كان الى قبل توتر العلاقات بثواني مجرد منتج صناعي استورده بلدك قبل ان يتحول الموضوع الى قضية انتماء وولاء لا ناقة ولا جمل لك فيها من اولها الى اخرها فسبحان مغير طبيعة المواد من صناعية الى وطنية وعقائدية
نقول لهؤلاء وامثالهم من الانفعاليين تذكروا بيت الشعر الشعبي الذي يتحدث عن البالة التي لولاها لانكشفت عورات فقراء العراقيين حينها لا سمح الله واليوم نحن لسنا في حال باحسن من حال العراقيين ايام الحصار رغم تحسن الوضع الاقتصادي العراقي نسبيا
 الذي حدث في حقيقة الامر هو اننا استبدلنا الجزء المستعمل من معادلة اعتمادنا على البالة بجزء جديد غير مستعمل وبقي الجزء الثاني من المعادلة والمتضمن اعتمادنا على المستورد في اغلب شؤون واحتياجات حياتنا اليومية مما يبقينا في حالة شكر وعرفان وحاجة ماسة لذلك المنتج المستورد سواء اكان جديدا ام مستعملا الامر سيان فنحن عاجزون عن ستر اجسادنا لولا منة المستورد علينا بالستر بشقيه الجديد والمستعمل
و جزئية الملابس هذه تتسع لتشمل اغلب مجالات الحياة الاساسية من مأكل ومشرب ومركب فنحن امة تستهلك ماينتجه الاخرين بامتياز وتعجز عن الاعتماد على ماتنتجه بنفسها لاسباب كثيرة متشعبة داخلية وخارجية لا يتسع المجال لبحثها هاهنا
تتعالى صيحات البعض في بلداننا
" قاطعوا البضائع الصينية " لان الصين - حسب زعمهم - تعامل المسلمين الايغور الاتراك بعنصرية ورغم رفضنا لاي شكل من اشكال التعامل العنصري مع اي انسان في العالم لكني ادعو هؤلاء المتسرعين بالدعوة  لمقاطعة المنتوجات الصينية بأن يجروا جردة حساب بسيطة لتلك المنتوجات الصينية في حياتهم الشخصية على اقل تقدير قبل ان ينتقلوا لاجراء جردة حساب لبيئتهم ومجتمعهم وكلي ثقة من انهم سيصابون بالصدمة لحجم اعتمادهم ومجتعمهم على تلك المنتوجات والتي في حالة الاستغناء عنها بالمقاطعة فإن ذلك القرار ان طبق على ارض الواقع وليس على صفحات التواصل الاجتماعي او من على شاشات الفضائيات فانه سيتسبب بحالة شلل كبير للحياة اليومية للفرد والمجتمع
الامر ذاته ينطبق على المنادين مثلا بمقاطعة البضائع الامريكية والذين تفاجئ بحقيقة قيامهم بنشر دعواتهم للمقاطعة من جوالات امريكية الصنع في مواقع كالفيسبوك وتويتر والتي تعود ملكيتها لشركات امريكية وهاهنا تكمن المفارقة المضحكة المبكية انهم يسمحون لنا بنشر قراراتنا الانفعالية على مواقعهم وباجهزتهم لان استخدامنا لها يصب في مصلحتهم من جهة ويعلمون علم اليقين ان دعواتنا تلك ماهي الا هواء في شبك من جهة اخرى
هذه الامم المتقدمة علينا بمئات من السنوات الضوئية علميا وتقنيا والتي نعتمد عليها في حياتنا اليومية من الالف الى الياء ماهي الا
" امم كافرة " حسب توصيف بعض من يدعون امتلاكهم للحق الحصري في تصنيف الناس الى مؤمنين وكافرين يجب علينا مقاطعة منتوجاتها والى الابد
احدى مشاكل هؤلاء المعتمدين اصلا في تمشية امورهم الحياتية على ماتنتجه عقول الامم الكافرة هو انهم يعجزون عن توفير اي شكل من اشكال البدائل في حال لو كتب لدعواتهم تلك ان تجد اذانا صاغية وتتحول من مرحلة الدعوة الانفعالية الى مرحلة التطبيق الفعلي فالاعتماد على الذات علميا وصناعيا لا يكون بالشعارات والصراخ بميكروفونات من صنع من ندعوا الى مقاطعتهم بل تكون اولا بالاعتراف بحجم التخلف العلمي الذي تسبب لنا بحالة العجز شبه التام وحوجنا للاعتماد على الاخرين في كل صغيرة وكبيرة ولا بأس ان نكون تلامذة مجتهدين ننهل من العلوم العقلية لتلك الامم التي لن تجبرنا بطبيعة الحال على ان نغير ادياننا ومذاهبنا ومعتقداتنا في مقابل تعليمها ايانا ولا حرج من ان نعترف بحاجتنا الى ان نعود لمقاعد الدراسة في مدرسة الحياة العلمية والحضارية فكل الامم الصادقة مع ذاتها في رغبتها وارادتها بان تبني لنفسها بنى تحتية لاعتمادها على نفسها علميا تفعل ذلك ولاتجد اي غضاضة من ذكره والشواهد التاريخية بهذا الصدد تفوق الحصر ولنبتعد عن لغة الانفعال والعنتريات التي لم نجن منها في يوم ما سوى زيادة في الهزيمة والتخلف والذل ولننفض عن اخاديد وعينا وهم نظرية تآمر الامم المتقدمة علينا فمن هذا الذي سيتأمر على الفشلة والعاجزين
كل مافي الامر ان لتلك الامم مصالح لشعوبها تحاول جنيها من علاقاتها بالعالم وسواء اكانت بعض تلك الاساليب مشروعة بنظرنا ام لا فهي ليست شرطا لتقاعسنا عن تأدية واجبنا تجاه انفسنا وبلداننا في نيل فرصتنا من العمل والكد والسعي في مناكب الارض طولا وعرضا لنتمكن من وضع بصمة لنا في سجل الابداع الانساني اسوة بالامم الاخرى في العالم ولكل مجتهد نصيب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...