بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 2 فبراير 2020

مقال


دور التراث في عدم قدرتنا على صنع كاوتش سيارة يافضيلة شيخ الازهر
د. احمد ميسر


من جديد عادت الى الواجهة وبقوة  قضية الجدل القديم المتجدد ازاء الموقف من التراث الاسلامي خلال النقاش الذي دار بين فضيلة شيخ الازهر د.احمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة د.محمد عثمان الخشت
 بين دعاة تجديد طريقة الفهم والتعامل مع التراث من امثال د.محمد الخشت لانه بنظرهم اضحى عائقا امام تقدم الامة ليس في المجالات العلمية والانسانية فحسب بل في مجال العلاقة مع الله والبشر ايضا واللذين نجم عنهما حلول المسلمين في درجات متأخرة في قائمة الامم المتحضرة في اغلب مجالات الحياة الفكرية والعلمية والانسانية منذ فترة ليست بالقصيرة فضلا عن النظرة السلبية العالمية تجاه الاسلام والمسلمين والتي كان احد اسبابها النسخة القروسطية من فهم المسلمين لتراثهم الديني المتجمد عند اعتاب تلك القرون منذ ان قفل باب الاجتهاد فيها بعض من تصوروا انفسهم حينها وكلاء عن الله في ارضه ومخلوقاته فضلا عن المحاولات المتكررة الفاشلة لاصحاب ذلك الفهم لتصدير فهمهم للعالم على انه الخلاص الوحيد له من مشاكله كافة باسلوب القوة القروسطي بعيدا عن القوانين والمواثيق الدولية المجمع عليها عالميا في عالم اليوم على اعتبار انها قوانين لاتمت للشريعة الاسلامية بأي صلة -حسب فهمهم - لذلك فهي قوانين جاهلية كافرة يجب ضربها بعرض اقرب حائط مما اسهم تباعا وعبر عملية تراكمية من ظهور مايعرف بالاسلام فوبيا
 التجديد الذي يدعو له امثال د.الخشت سيسهم في نظرهم
 عبر انتهاج عملية اعادة قراءة معاصرة له عبر الاستعانة باليات البحث العلمي المعاصر والاخذ بنظر الاعتبار بمعطيات التطور الكبير الذي حصل للفكر الانساني الجمعي خلال العقود والقرون الاخيرة والذي سينجم عنه انتاج فهم عصري للتراث يميز بين ما هو الهي بحت منه وبين ما اضافته اليه يد البشر في القرون الماضية من اجتهادات وافهام نجمت عن معطيات تفاعل الاسباب والمؤثرات التي تتحكم في تكوين الفهم البشري لكل عصر والذي يبقيها مهما بدت مثالية وخيرة في عصرها حسب فهم متبعيها انذاك في اطار المحاولة البشرية المحدودة لفهم النص الديني ولايمكن بحال من الاحوال الحاقها به واضافة قدسية ولو كانت بدرجة تالية عن قدسية النص الديني ذاته تمنحها شيئا من عصمته وقدسيته وتنزيهه عن النقد البشري الدائم له
اما على الجانب الاخر فيقف دعاة الحفاظ على التراث وعده مرجع الامة الاسلامية الفكري والروحي الذي لن تتمكن الامة من النهوض في عالمها الحالي والمستقبلي الا عن طريق السير على خطى انموذجه  وان التجديد كما يذكر فضيلة شيخ الازهر  ماهو في حقيقته الا " مقولة تراثية وليست مقولة حداثية " وان السبب الكامن وراء  الفشل المستشري في تفاصيل حياة المسلمين مرده عدم تطبيق  ذلك التراث في حياتهم فنحن اليوم على حد وصف فضيلته  " ناكل كما يأكل الاوربيين بالشوكة والسكين والشمال واليمين نستخدم سيارات االاوربية والامريكية نستخدم طرائق الاكل والجامعات اللي عندنا .. ونفكر كما يفكر الاوربيين نقرر المواد كما يقرر التعليمية .. سياستنا ايضا تخضع للنمط الاوربي الغربي " وابتعدنا عن التراث الذي يمثل انموذجنا الحضاري الرائع الذي يجب ان نسير على هداه فهو من مكن المسلمين سابقا " في ظرف 80 عام الى ان يضعوا قدمهم في الاندلس وقدمهم الاخرى في الصين لانهم  فعلا كانوا يعرفون او وضعوا ايديهم على مواطن القوة في هذا التراث " فضلا عن " الحضارة التي تقلبت وجاء بعضها اثر بعض في قوة الامويين العباسيين كان التراث هو الذي يحملهم " لذلك فاي محاولة للدعوة للتجديد في فهم ذلك التراث او نقده باعتباره " يورث الضعف ويورث التراجع " فما هي في حقيقتها سوى " مزايدة على التراث "
عبر فضيلة شيخ الازهر بصراحة عما يجول في ذهنية كل الداعين الى الحفاظ على التراث وان التجديد ان حدث على استحياء طبعا فلن يكون الا بنفس المنهجية والعقلية والاليات التي بني عليها هذا التراث والتي من الطبيعي بعد عشرات وربما المئات من دعوات التجديد التي تسير على خطى منهجية فضيلته سوف لن تتقدم بعملية التجديد الحقيقية خطوة واحدة الى الامام وستكتفي باعادة عملية التزويق والترقيع ذاتها التي يمارسها على الدوام دعاة المحافظة على التراث و كأنك يابو زيد ماغزيت ونعود من كل تلك الدعوات والمؤتمرات واللقاءات بخفي حنين
هل يعتبر فضيلته ان الفتوحات والغزوات التي قام بها المسلمين خلال 80 عاما والتي وضعت احدى رجليهم في الاندلس والاخرى في الصين انجازا من انجازات التراث يجب ان اردنا العزة في الحاضر ان نعيد تفعيلها في حياتنا هل سألت فضيلتك نفسك يوما ما اذا كانت تلك الفتوحات التراثية التي تتباهى بها تتماشى فعلا مع مبادئ الاسلام الذي اعلنها بكل وضوح  انه لا اكراه في الدين فحوله من تصفهم بالقوة من امويين وعباسيين الى دين ينشر مبادئه بالغزو والسيف والفتح لتحقيق مآربهم ومصالحهم الشخصية وفضيلتك من اشار الى " ان الدين عادة او ان السياسيين والمستعمرين عادة مايختطفون هذا الدين .. ليحققوا به مصالح واغراض شخصية ينهى عنها الدين " الا تجد فضيلتك ان تحليلك ينطبق على فتوحات الامويين والعباسيين التي تفتخر بها وكأنها من اعظم الفضائل التي نباهي بها الامم اولئك الفاتحين الاقوياء كما تصفهم و الذين نحوا جانبا التوجيه الالهي بان يكون الحكم شورى واستبدلوه بحكم وراثي استبدادي فعلوا في سبيل تحققه على الارض ما يندى له جبين الانسانية على صعيدي الفكر والسلوك و اسطر مصادر تاريخنا الاسلامي تقطر دما سواء اكان دما مسلما ام غير مسلم
هل الدعوة لتجديد فهم وقراءة التراث التي ستمكننا من النظر الى تلك الفتوحات الاموية والعباسية  على انها مجرد فتوحات وغزوات استعمارية ظالمة تخالف مادعا اليه الاسلام من حرية العقيدة والحياة ام نصر كما يفعل دعاة الحفاظ على التراث بان نعتبرها مدعاة فخر تراثي ندعوا الناس الى تكرار فواجعها الكارثية على البشرية
ذكرت فضيلتك ان الحروب الصليبية كانت حروب استعمارية اراقت الدماء فيما كانت جحافلها " تحمل الانجيل في يد والسيف في يد مع ان الانجيل يبرأ من هذا الذي يفعلونه " الا يشبه توصيفك للحروب الصليبية بالتوصيف الذي تسهب فيه  مصادر التاريخ الاسلامي عند حديثها عن الفتوحات الاسلامية التي يحاول الترقيعيون في زماننا اعتبارها حروبا دفاعية ولا ادري صراحة اي دفاع عن النفس هذا الذي جعلنا نضع احدى قدمينا في الاندلس والاخرى في الصين على حد قول فضيلتك اليس المنطق الاستعماري نفسه الذي جعلهم يحملون الانجيل بيد والسيف بيد هو ذات المنطق الذي جعلنا نحمل القران بيد والسيف باليد الاخرى لكن الفرق بين الحالتين يتمثل بأن المسيحيين اعتذروا عن الحروب الصليبيبة وتبرأوا منها وعدوها حروبا عدائية لا تمت للمسيح والمسيحية بأي صلة ولم يعدونها ارثا مسيحيا مقدسا ينبغي الافتخار به كما تفعلون شيخنا الفاضل
اما بالنسبة للحضارة التي يتغنى بها المسلمين والتي ينظر اليها التراثيين نظرة مليئة بالاعجاب والتبجيل فتلك الحضارة في حقيقتها لم تكن الا نتاج امتزاج خبرة اناس متحضرين ينتمون لحضارات امم سابقة للامة  العربية والاسلامية  كالمسيحيين واليهود والزرادشتيين والصابئة و الفرس والسريان والكلدان  والرومان والاغريق والهنود كل اولئك ادى امتزاج خبراتهم الموروثة من حضاراتهم السابقة الى احداث طفرة حضارية في البلدان التي حكمها المسلمين والتي يأنف بعض التراثيون اليوم من التذكير بدورهم في بناء وازدهار مابات يعرف بالحضارة العربية الاسلامية   ويرفض ان يشارك اليوم ابناء اولئك المبدعين في صنع حضارتنا الحالية باعتبارهم حسب فتاوى نسبة لا بأس بها من التراثيين بانهم ليسوا اكثر من نصارى او صابئة .. الخ لايجوز الاستعانة بهم او استخدامهم في وظائف الدولة  المهمة حتى لو كانوا اكثر الناس ابداعا فيها ويجب الحذر منهم والتضييق عليهم والتلميح بعمالتهم للغرب الاوربي الكافر رغم انهم سبقونا للعيش بالالاف السنين في الارض التي كان التراثيين ولا زالوا يصرون على حصر تسميتها بانها  " ارض اسلامية "
لقد كان غير المسلمين في البلدان التي حكمها المسلمين روادا للحضارة في الوقت الذي كان اسهام كثير من المسلمين لا يتعدى كتب الفقه والعقيدة والتفسير وغيرهم من العلوم الدينية والتي تشكل اغلب العلوم التي يدعو الى اعادة تعليمها على العلات الموجودة فيها باعتبارها العلوم التي ستضمن حسب فهم التراثي بالنهوض بواقعنا الى مصاف الدول المتقدمة
ينتقد فضيلة شيخ الازهر الجامعات ومراكز البحوث العلمية وغير التراثية في انها
لم تتمكن من ان تنتج لنا " كاوتش سيارة " اتدري لماذا فضيلتك لان العقل البشري لكي يتمكن من الخلق والابداع يجب ان يكون عقلا يمتلك الحد المعقول من الثقافة العقلية والانسانية الحرة وتكون فيه مساحة كافية لملئها اولا باول باحدث المعلومات العلمية فهل بامكان جامعاتنا التي لا زالت تحاكي الى حد كبير طريقة التراثيين في التعليم والتي تستند الى اليات الحفظ والتلقين والاعادة فضلا عن التحذير من اي محاولة للتفكير خارج الصندوق والا اتهم صاحب الفكرة بالهرطقة العقلية والذهنية في مقابل اتهام اي صاحب فكرة لنقد التراث بتهمة الهرطقة الدينية
ان العقلية والنفسية التي تعتمد على تلك الاليات البائسة والتي اتخمت خوفا ورعبا دينيا واجتماعيا وسياسيا والفت حياة الخنوع والمشي جنب الحيط خوفا من الحاكم ورجل الدين ليس بمقدورها ان تكون عقولا وارواحا خلاقة ومبتكرة لان الابتكار العلمي يحتاج الى شجاعة وجرأة وثقة لايمتلك حدها الادنى من تربى بثقافتنا التراثية التي تدجن متبعيها لذلك فطرق جامعاتنا في التعليم والبحث شيخنا الفاضل ليست كما ذكرت طرقا اوربية غربية بل طرقا تراثية مهما حاولت ان تتبرقع ببرقع الحداثة وليس من المنتظر من امثال تلك الجامعات والمراكز التراثية باطنا الحداثية ظاهرا الا ان تنتج ماتنتجه المؤسسات التراثية من الحشو وتسويد الصفحات دون اي تقدم يذكر
ثم اي مساحة تلك التي ستتبقى في دماغ الباحث في جامعاتنا ومراكزنا والاف الفتاوي التي ينتجها الشيوخ ليل نهار والمتعلقة بكل حركة من حركاته وسكنة من سكناته وكانه يخضع لنظام مراقبة صارم مرعب يحسب عليه خطواته بالمليم فضلا عن انشغاله بهموم المعيشة الخانقة في بلداننا التي شبعت من الجوع والذل والموت المجاني فماذا سيتبقى من ذلك العقل المتخم بالمعلومات الزائدة والضارة لكي يتاح تزويده بانتظام بالمعلومات المطلوبة لمواكبته لاحدث ماينتج في عالم البحث والابتكار
تطالبهم شيخنا الفاضل بصناعة كاوتش سيارة وانت لم تكتف سيدي الكريم بتجميد عقول التراثيين الصرحاء المنتمين للمؤسسات التراثية الصريحة بل تعمل جاهدا ومن يؤيد وجهة نظرك  لتصدير العقلية والروحية التراثية الى كافة مؤسسات الدولة السياسية والعلمية والاجتماعية وبذلك سنتحول بمجموعنا شيئا وشيئا في حال لو نجحت مساعيكم الى نسخة ممسوخة من اي بلد اسلامي في القرون الوسطى والمسلمين بعقليتهم في القرون الوسطى لم يتمكنوا من انتاج كاوتش سيارة فلم العجب من ان نسختهم الكاربونية في القرن الواحد والعشرين لا زالت عاجزة كذلك عن انتاج ذلك الكاوتش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...