بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 26 يناير 2020

مقال


قهوة .. دوستويفسكي .. كتاب .. مبروك انت مثقف
د. احمد ميسر  


للمثقفين كما لاي شريحة اخرى من شرائح المجتمع سمات عامة تشكلت عبر تجارب متراكمة متوزعة بين تجربة القراءة المشفوعة احيانا بالكتابة وتجارب الحياة  المتنوعة وما خلفته مسبوقة بالقراءة من مواقف تتبع مدى تفاعل وهضم هذين العاملين مع الموقف الذاتي للمثقف الامر الذي يمكننا من رؤية مواقف شتى للمثقفين لا موقف واحد من نفس الحدث لكن ذلك لا ينفي ان هنالك صفات عامة يتصف بها موقف المثقفين عموما من ذلك الحدث يميزهم - لا اقصد هنا الافضلية من عدمها - عن موقف باقي الشرائح ولو على مستوى اليات التعبير وطرق التعامل فعوامل تشكيل المثقف تحتم ان يشترك اغلب المثقفين نتيجة اشتراكهم بالخطوط العامة لتشكيل شخصية اي مثقف مما يجعلهم يتميزون كباقي تميز شخصيات شرائح المجتمع الاخرى في نمط تفكير واسلوب افصاح عن الذات ومكنوناتها ونظرة تقيمية لما يحيط بهم من احداث وشخصوص وامكنة ومواقف تعتبر مخرجات طبيعية تلقائية يمكن رصدها وتحليلها والتعامل معها بكل وضوح ودراية
لكن ومما يؤسف له ان شريحة المثقفين ابتليت بما ابتليت به شرائح المجتمع الاخرى من المتشبهين بها بدون امتلاك مقومات الانتماء الحقيقي لها وهو انتماء اختياري حر نابع عن رغبة وقناعة حقيقيتين جعلت من عملية الانتماء الى هذه الشريحة تعبيرا طبيعيا عن الذات شأنه شأن الانتماء الى اي شريحة اخرى بدون الحاجة الى التصنع والتشبه بالمثقفين لحصد بعض ايجابيات الانتماء الى هذه الشريحة والتي يندرج اغلبها في خانة الاعتباري والمعنوي
ان كلامي هذا ارجو ان لايفهم منه انه دعوة لنوع من انواع التعالي او الطبقية الاجتماعية
حاشا لانسانيتي ان ترتضي هكذا موقف من الاشخاص والشرائح لكنه دعوة للصدق مع الذات قبل الصدق مع الاخرين دعوة صادقة لان نبتعد عن التصنع في كل شئ ولا نكون الا انفسنا رغم اقراري بصعوبة تلك المهمة والتي عبر عنها بول فاليري يوما بقوله : " ان تكون انت يالها من مهمة شاقة "
لكن الصعوبة في ان تكون انت اهون بكثير على الذات والمجتمع من ان تكون نسخة مقلدة من الاخرين في اشارة اولى الى انك ستخسر حرية اختيارك الطبيعي الذي سيمكنك من ترك بصمتك الخاصة في الحياة واشارة ثانية الى انك ستزيد من نسبة الزيف والمزيفين في مجتمع عانى لاسباب متعددة يطول شرحها من ازدواجية الشخصية الاجتماعية او مايعرف بالشيزوفرينا في علم النفس كما اشار الى ذلك الدكتور علي الوردي في ابحاثه حول الشخصية العراقية وطبيعة المجتمع العراقي فيما تتجه الاشارة الثالثة الى انك بهذا التشبه المكشوف السطحي بالمثقفين ستحرم نفسك  او ستؤجل  على اقل تقدير من عملية انتمائك الحقيقي في يوم ما الى تلك الشريحة التي تدعي بتقليدك لبعض سمات وسلوكيات افرادها بانك منغمس تمام الانغماس في عشق الانتماء لها الى درجة المواظبة على تمثيل وتقمص ادق تفاصيل طقوس شخوصها الفكرية والعملية العامة ولاضرب لك مثلا اخي الانساني بي انا شخصيا فانا في لحظة كتابة هذه المقالة ارتشف كلما انتهيت من كتابة بضعة اسطر منها رشفات من استكان ( كوب ) جاي ( شاي ) خفيف وليس جاي ثقيل من الذي تسمع عنه انه يعدل الرأس فيما هو في حقيقته يتسبب لي بصداع غريب في ذائقتي الشرابية الخاصة مما جعلني ازهد فيه منذ زمان ممكن وصفه بالطويل وفضلت عليه الجاي الخفيف الذي يناسبني هذا الجاي موضوع على الطاولة التي امامي ويعينني نوعا ما في تعديل مزاجي في الكتابة ولا اتناول القهوة كما قد يصورها لك البعض وكأنها لازمة مقترنة بالثقافة والمثقفين الا فيما ندر ولا علاقة لي البته بالجدل العقيم حول فوائدها الجمة على الصحة وتسببها المزعوم في استدرار قريحة الكتابة والابداع
اما بالنسبة ل لازمة قراءة دستويفسكي فبالرغم من اعجابي بالكاتب الروسي الكبير  والاستفادة من تجربته الفكرية والكتابية والانسانية الكبيرة بلا شك لكني استفدت الكثير من كتاب وادباء اخرين اكثر مما استفدت منه لان جزءا مهما من فائدة مايكتب تتمثل بمقدار مايحدثه في شخصية القارئ من تقدم على الاصعدة كافة وهذا بطبيعة الحال يختلف من شخص لاخر لاسباب ذاتية وموضوعية فمن هذا الذي جعل من ديستويفسكي دون سواه لازمة قرائية واسلوبية وثقافية لمن يروم السير في طريق الثقافة والمثقفين رغم تقديرنا الكبير كما اسلفنا للخدمات الكبيرة التي قدمتها عقليته الفذة من افكار وما خطه يراعه المبدع من اسلوب روائي اوصله لمصاف  الروائيين  العظماء انني ادعو لقراءته وقراءة اقرانه من الادباء المبدعين الاخرين دون ان اعده في يوم ما لازمة قرائية او ثقافية بدونها لن نتمكن من ان نكون مثقفين لن اقبل بمحاولة المتشبهين  ان يحولو ابداع ديستويفسكي الى صنمية فكرية واسلوبية مقيتة لقد دعانا ديستويفسكي لان نكون احرارا وتلك احدى دواعي الاعجاب به ومحبته واحترامه لذلك نرفض ان يستغله المتشبهين بالمثقفين والمكتفين بالتكسب السطحي من التشبه ان يحولوه الى صنم يعيق حريتنا في ان نكون احرارا و مثقفين حقيقين لنا بصمتنا الخاصة بنا و التي ستضيف نكهة جديدة الى عالم الثقافة والمثقفين بكافة تجلياته ومخرجاته
اعرج برفقتكم اخيرا الى متلازمة الكتاب والقراءة والتي اجدها اصعب المتلازمات الخادعة التي يتصيد بها المتشبهين بالثقافة والمثقفين في مياه التصنع العكرة والمتمثلة بالمدح الدائم للكتاب والقراءة والتي لا يختلف اثنين في اهميتهما كمكونات وادوات ووسائل في طريق رحلة الانتماء الحقيقي لشريحة المثقفين لكنني اتحدث هنا عن استخدامهما كأداتين بيد المتصنعين والمتشبهين في محاولة لاخفاء الزيف الكامن ازاء هذا المظهر الثقافي المطلوب تواجده كركن اساسي من اركان تشكيل المثقف فضلا عن تنبيهي لخطورة ابرازهما وكأن تواجدهما لوحده في حياة الفرد دون ان يتبعهما ويلازمها مقومات اخرى سيكونان كافيين وكفيلين بتحويل  الانسان العادي الى انسان مثقف ثقافة انسانية ايجابية فهل ملازمة الارهابيين للقراءة في الكتب التكفيرية جعلت منهم مثقفين نافعين لانفسهم ولمجتمعاتهم ام العكس ام هل تمكنت كتب التنجيم والابراج من خلق جيل مثقف واعي يتخذ من الثقافة وسيلة للنهوض بنفسه ومجتمعه ام زادت من تغييبه عن الواقع وركونه الى امانات فكرية ونفسية زائفة اضاعت عليه فرصة الاستفادة من قدراته ومعطيات واقعه الحياتي حتى لو كانت بالنزر اليسير
كما من حقنا ان نسأل هل اسهمت ملازمة كتب الجدل الديني والمذهبي في انتاج عقليات منفتحة تقوى على استيعاب افهام متعددة للايمان عبر اديان متنوعة ورؤى متعددة لامكانية اتباع نفس الدين من قبل جميع المؤمنين بمذاهبه وطوائفه تجسيدا للمثل القائل " كل الطرق تؤدي الى روما "
 ام انها فعلت العكس واسهمت في جلب الخراب للنفوس والامم بانتاجها لعقليات اقصائية من الطراز الاول تدعي احتكارها للصواب الايماني وتلغي كل ما انتجته تجارب وجهود الاخرين العقلية والروحية تمهيدا لحشرهم في خانة اعداء الله الواجب اولا تكفيرهم ومن ثم التفرغ للمهمة المقدسة بالنسبة للاقصائيين والمتمثلة بالشروع في اجتثاثهم من على وجه البسيطة
فهل ياترى اوجبت عملية ملازمة الكتب اقتناءا وقراءة دون ان يرافقها شروط تكوين المثقف الاخرى مثقفين حقيقيين يتسمون بالتحرر والعقلانية وسماحة فضاء الفكر الانساني الرحب ام انها على العكس انتجت لنا مسوخا على هيئة بشر وقنابل موقوتة تهدد بالانفجار في اي لحظة في وجه الجميع لتأتي على الاخضر واليابس تبعا لمصلحة وهوى وتوقيت من يتحكم بانتاج هذه النماذج الممسوخة التي تتشارك مع المثقفين في ركن ملازمة ومداومة الكتاب والقراءة دون سواهما من الاركان
الم يقل ستيفن هوكينغ يوما : " اعظم عدو للمعرفة ليس الجهل بل وهم المعرفة "
تصنع المعرفة انتج عدوا للمعرفة اعظم من الجهل كذلك تصنع الثقافة و التشبه السطحي بافكار وسلوكيات المثففين لن يسهم في خلق المزيد من المثقفين بل المزيد من اعداء الثقافة والمثقفين ربما يكونوا اخطر عليهم وعلى مجتمعاتهم من الجهلة والاميين
سنقول مبروك من اعماق قلوبنا لكل من سلك دربا يفضي به الى عالم الثقافة الحقيقية  الرحب ونرحب بكل ما اوتينا من محبة بانضمام اي فرد الى شريحة المثقفين شريطة ان يتخلى عن قناع التصنع والتشبه الزائف عند بوابات الحرم الثقافي الحقيقي ليسمح لنفسه ولنا ان نعيش سوية في عالم حقيقي وصادق نجد نعبر فيه عن انفسنا ونحقق فيه ذواتنا لنسهم في خلق مجتمع حقيقي صحيح يليق ببشريتنا وانسانيتنا على حد سواء

السبت، 25 يناير 2020

مقال


شاكر بيه ..  وفضيحة فحولتنا الشرق - اوسطية المزيفة  
د. احمد ميسر

في واحد من اروع مشاهد الوعي في فيلم " الفيل الازرق " المقتبس من رواية " الفيل الازرق " للكاتب المصري احمد مراد يتمكن بطل الفيلم الدكتور يحيى راشد " الفنان كريم عبد العزيز " - الطبيب النفسي الذي يدرس لغة الجسد - بكل سهولة ووثوقية من كشف زيف القصص الخرافية التي يسردها على مسامع الحضور " شاكر بيه " والتي تتحدث عن مغامراته في عالم الفحولة واكاذيبه  الوهمية الفردية المتماهية مع الاكاذيب الوهمية الجمعية عن التميز الذي يصل الى درجة الاسطورة للفحولة الشرق - اوسطية التي يحلف ويتحالف بها نساء الدول المتقدمة على وجه الخصوص والتي في حقيقتها بالنسبة للانسان الذي يعتمد على المعطيات العلمية كمنهج لدراسة ماحوله من ظواهر نفسية واجتماعية ومادية ليست اكثر من دلائل مؤكدة على اصابة صاحبها بالضعف الجنسي كما جاء في تحليل د.يحيى رشدي لحالة شاكر بيه عنتر زمانه في ابتداع قصص خرافة التميز والفحولة الاسطورية للرجل الشرق - اوسطي فبعد سماع د.يحيى راشد على مضض لقصص شاكر بيه التي نالت اعجاب واستحسان من حوله في الجلسة وبعد ان طلب بشئ من استهزاء من د.يحيى ان يعرف رأي الطب النفسي في تحليل اسباب هذا التفوق الفحولي الشرق - اوسطي المزعوم فاذا برأي العلم الذي يمثله في الجلسة د.يحيى راشد يوجه صدمة واحراج كبيرين لشاكر بيه ومنهجه في سرد القصص الخرافيه بقوله له :
" شاكر بيه للاسف 90% عندك ضعف جنسي وبتحاول تداريه بحكايات وهمية "
القصص الخرافية التي يسوقها شاكر بيه وامثاله في مجتمعنا عن فحولة شرق - اوسطية مزعومة ازاء برود واعتيادية القدرات الجنسية لرجال الامم الاخرى وبالذات رجال الدول المتقدمة مما سيجعل نساء تلك الدول في حالة انبهار واستسلام بمجرد التقائهن باي رجل شرق - اوسطي
كل ذلك برأينا ليس الا نوعا من انواع رد الاعتبار وحفظ ماء الوجه ولو كذبا ازاء فحولة رجال الدول المتقدمة العلمية والسياسية والثقافية والاقتصادية والجسدية ايضا كتحصيل حاصل باعتبار ان اي تقدم يحصل في اي جانب من جوانب الحياة في امة ما سيكون له تأثيره الايجابي على باقي جوانب الحياة الاخرى ويكون سببا لتقدمها وتطويرها والعكس صحيح  في مقابل حالة الاخصاء الجمعي التي يكابدها الانسان الشرق - اوسطي في كافة مجالات المقارنة مع نظيره رجل الامم المتقدمة وكما في حالة شاكر بيه فان سطلان وفصلان القطيع المحيطين به وتصديقهم -او ادعاء التصديق - واتفاقهم غير المعلن على تصديق واستحسان كل ذلك القدر المؤسف من الاوهام والخزعبلات التي يقرفنا بها شاكر بيه وامثاله في مجتمعاتنا قد اسهمت بقصد او بدونه من تصديق شاكر بيه وامثاله لانفسهم وجعاتهم يتشجعون ويتمادون لاوجاع رؤوسنا بالمزيد من ذلك الغثيان الفكري والسلوكي فضلا عن اسهامهم في تعقيد مهمة الانسان المثقف في اداء واجبه التنويري في نفض غبار التخلف والاساطير والظلاميات من حياتنا الى غير رجعة والارتضاء عوضا عنها بالركون لمعطيات الذات المتورمة التي تقتات على جهل وتخلف وعبودية افرادنا ومجتمعاتنا والتي تتمثل احدى اساليبها المهترئة بتمثيلية ادعاء  افضلية متوهمة مزيفة لا توجد الا في عقول مريضة واحلام طائشة ونفوس آسنة يجسدها في الفيلم بالمليم    " شاكر بيه " ومن هم على شاكلته لكن  .. وكما يقال في الامثال الشعبية ليس في كل مرة تسلم الجرة ويستريح مرضى الخرافة والمستفيدين من ديمومتها بالتنعم من عائداتها  من خلال اطمئنانهم بان صوت العقل والعلم لايلتفت اليهما في مجتمعاتنا ونسوا او تناسوا بأن لكل قاعدة شواذ فقد كان مجرد اصطدام شاكر بيه بالدكتور يحيى الذي يمثل صوت العلم والمعرفة والصدق مع الذات فاذا بكل تلك الحكايا عن العظمة والتميز والافضلية تستحيل الى محض رماد تذروه الرياح في يوم عاصف
كم من شاكر بيه في مجتمعاتنا يسهمون ليل نهار في تغييب عقولنا وتدمير امالنا بواقع انساني عقلي يتكفل باخراجنا من دوامة القمقم الذي نقبع فيه ككهف سجني كبير منذ مئات السنين  
انها دعوة للصدق مع الذات قبل الصدق مع الاخرين ولنواجه انفسنا بحقيقة حجمنا الحقيقي في عالم اليوم  فنحن في ذيل قائمة الامم بسبب تقديسنا وتصفيقنا للجهلة والادعياء المزيفين ليل نهار
انهم الزبد الذي يذهب جفاء
واما مايمكث في الارض فباق

الجمعة، 24 يناير 2020

Share مجلة زهرة البارون عدد 147.pdf - 5 MB

Share مجلة زهرة البارون عدد 147.pdf - 5 MB

مقال


ملحدون ام باحثون عن الحقيقة والانسانية
بقلم د. احمد ميسر

  ربما من اكثر التوصيفات الخاطئة المنتشرة في لغتنا الثقافية المعاصرة هي وصف اي شخص يحاول نقد اي فكر او سلوك ديني ايا كان بانه ملحد خارج عن الملة يتبع ذلك اتهام معلن له ولامثاله ممن يشاطرونه منهجيته الفكرية بانهم يمثلون الخطر الاكبر على الفرد والمجتمع على حد سواء
المتابع لهكذا طروحات يتبادر الى ذهنه للوهلة الاولى بأن مجتمعاتنا نسخة طبق الاصل من اليوتيبيا او الفردوس الارضي السعيد يحسدنا عليها القاصي والداني في ارجاء المعمورة قبل ان يخرج هؤلاء الموصوفين بالالحاد من بين ظهراني مجتمعاتنا
ولو كلف امثال هؤلاء - ممن يكيلون التهم جزافا في وجه كل من ينتهج منهجا فكريا يختلف عن منهجهم -  انفسهم عناء البحث والتقصي  لعلموا علم اليقين بأن الافراد والمجتمعات التي يتباكون خوفا عليها من انتشار موجة الالحاد والملحدين فيها تقبع  في ذيل قائمة الامم المتحضرة والتي تفتقد للحد الادنى ﻷبسط مقومات الحياة الحيوانية الكريمة اما الحياة الانسانية الكريمة فذلك ابعد في قائمة المستحيلات من العنقاء والخل الوفي
ذلك واقعنا المخجل ان اردنا ان نبتعد قيد انملة عن سلوكيات النعامة في حشر رأسها باقرب حفرة كلما داهمها خطر واقعي ما ظنا منها لحمقها بان الركون لفكرة الكذب على النفس بامان زائف مؤقت كفيل بزحزحة ذلك الخطر الى غير رجعة
ذلك الواقع المزري بحذافيره قبل ان يحاول البعض اختزال مشاكله المتأزمة المتوارثة بابتكار شماعة الالحاد والملحدين كجزء من استراتيجية مملة للتقليديين والمتمثلة بهوس ابتكار شماعات جديدة بين الفينة والاخرى يعصب براسها كل الفشل الحياتي المزمن في مجتمعاتنا
لذلك نجد انه و بمتابعة بسيطة لما يوصف بموجة الالحاد والملحدين بان كثيرا من الذين يطلق عليهم وصف الملحدين ماهم في حقيقتهم سوى ناقدين منطقيين وانسانيين لتسونامي الجهل والخرافة وشرعنة الاستعباد وبث روح الكراهية والعداء ضد اي فكرة او شخص او امة خارج نطاق فكرنا وجماعتنا وامتنا
كيف يمكن لأي انسان سوي عقليا وروحيا ان لا يكون لديه رؤية نقدية ازاء مايطرح في الساحة الفكرية الدينية من افكار ينحدر مستوى بعضها ليصل الى لدرجة السفه والجنون احيانا والجريمة والابادة الجماعية بحق المخالفين لنا في الملة والاعتقاد احيانا اخرى
فلا زالت كتب الفقه التي تدرس في مناهج المدارس الدينية لدينا متخمة بفقه تفصيلي عن العبيد والجواري و يرفض القائمين على وضع مناهج تلك المدارس رفضا باتا ان يكون لديهم الحد الادنى من الشعور الانساني السوي الذي ينظر الى حرية الانسان " من اي دين او عرق او فكر "  كقيمة عليا والى عملية استعباده واذلاله كجريمة انسانية كبرى
بل على العكس يعتبرون تلك الافكار المبثوثة في مناهجهم عن احكام الرقيق والجواري دينا منزلا لا يجوز باي حال من الاحوال التعرض له بالنقد من قريب او بعيد والا فجرة قلم واحدة من اصغر مفكر او مسؤول ديني وستجد نفسك وبسرعة الضوء متهما بالمساس بثوابت الدين وقرار  اخراجك من الملة واتهامك بالالحاد جاهز وموقع ومختوم  ينتظر احالته الى التنفيذ في اول فرصة ممكنة في اطار القانون او خارجه الامر سيان
فهل نقد الانسان لجريمة استعباد اخيه الانسان تعد مساسا بثوابت الدين الذي يتكفل بحشرك في خانة الالحاد والخروج من الملة
هل يحتاج قرار الاعتراض والنقد لاغتصاب النساء غير المسلمات - كما حدث مع الايزيديات من قبل تنظيم داعش - لفتوى فقهية باجماع علماء الامة - هذا الاجماع الذي لم يحدث ولن يحدث في يوم ما -
 ام ان الامر مسلمة فكرية انسانية مفروغ منها فالاغتصاب جريمة انسانية في العقل الجمعي البشري السوي واي خلاف في هذه المسألة لايكون خلافا بين فكر بشري وفكر ديني
بل خلاف بين فكر سوي صحي وفكر موبوء عنصري مريض
الم تتسبب هذه الكارثة الانسانية البشعة والموقف الهزيل على استحياء لرجال الدين منها - لذر الرماد في العيون امام الاعلام العالمي - لحمل كثير من الافراد وبالذات شريحة الشباب الى اعادة نظر وتقييم جدية لموقفهم من الفقه الاسلامي عموما والذي يعده رجال الدين قانون الله في مقابل قوانين البشر الوضعية
كيف لا تحدث ردة فعل فكرية نقدية لدى المتتبع للمخرجات الفكرية ازاء هذه الكارثة وهو يجد ان القانون الوضعي الكافر الذي يمثله الاعلان العالمي لحقوق الانسان قد جرم هذا الفعل البربري  بصورة حاسمة لا تدع مجالا للشك او التاؤيل فيما كان موقف قانون الله الذي يدعي الفقهاء انهم وحدهم القادرين على فهمه واستخراج الاحكام منه كانوا يقدمون رجلا ويؤخرون اخرى فتارة يصفون الجريمة بانها فعل فيه تطرف مارسه اناس متطرفين اي ان الفعل له اساس شرعي وليس اجرامي من الاساس
 لكنهم اخطأوا بالتاويل الذي نجم عنه مبالغة في التطبيق  لا تجد لديهم موقف فكري ومن ثم فعلي حقيقي يتناسب مع هول هذه الجريمة البربرية البشعة
كيف سيقتنع هؤلاء الشباب في عصر ثورة المعلومات والتواصل الاجتماعي بأن الاسلام دين يحترم الاديان الاخرى وهو يرى ويسمع في الفضائيات واليوتيوب فتاوي نارية من رجال دين يشار لهم بالبنان في الاوساط الدينية  تحرض علانية على اضطهاد غير المسلمين وتحرمهم من ابسط حقوقهم الدينية والمتمثلة بحقهم في بناء دور عبادة خاصة بهم فهذا الشيخ زراوي عبد الفتاح يدعو الى غلق وهدم الكنائس في الجزائر في فيديو على اليوتيوب قائلا :
" اجمع علماء الاسلام كما اتفق اصحاب المذاهب الاربعة انه ايما كنيسة بنيت بعد الفتح الاسلامي تهدم " !!
كيف سيقتنع الشباب الحالمين بامكانية بناء مستقبل للبشرية  قائم على التعايش السلمي واحترام حقوق الجميع بدون تمييز والشيخ الزراوي يدعو علانية لهدم الكنائس دون ان يتعرض للمسألة القانونية والعقاب الرادع , اي احترام واي انسانية واي تعايش واي مساواة حين تدعو لبناء دور عبادة لك وللمشتركين معك في عقيدتك الدينية فيما تحرض على هدم دور عبادة الاخرين شركائك في الوطن واخوتك في الانسانية
الا تسهم تلك المقارنة في احداث صدمة نفسية وانسانية لدى الشباب المثقف  الذي تتهمونه بالالحاد هل رفضهم ﻷفكاركم العنصرية التي لاتختلف قيد انملة عن عنصرية الفكر النازي او الفاشي
فهل رفض الشباب للفكر النازي يعد موقفا فكريا صائبا فيما رفض فكركم العنصري يعد كفرا والحادا مالكم كيف تحكمون !!
الستم بافكاركم العنصرية هذه اول من اسهم في دفع الشباب الى اعتناق الافكار المخالفة لافكاركم والتي يحلو لكم جمعها كلها في خانة واحدة هي خانة الفكر الالحادي
كيف ستقنع شابا مثقفا بان دين الاسلام دين سلام وكتب الفقه الاسلامي حصرت امم الارض في خانتين اثنتين لا ثالث لهما دار الاسلام ودار الكفر و الحرب
وكيف ستقنع اولئك الشباب بعقلانية وانسانية العلاقة التي يقترحها الفقهاء للتعامل مع تلك مع الامم الكافرة والمتمثة بالخيارات الثلاثة التي لا رابع لها والمتمثلة  بعرض الاسلام عليهم فان لم يقبلوا فيحكمهم المسلمين مع تعهد المحكومين الكفار وهم اصحاب البلاد بدفع الجزية للمسلمين وهم صاغرين وفي حين رفض هذا الخيار فلا مناص عن الخيار الثالث والاخير والمتمثل بغزوهم وهم امنين في بلادهم وان كانت نتبجة القتال الظفر للجيوش الاسلامية فلن يكون امامهم الا السيف  للرجال والسبي والاسترقاق للنساء والتفضل عليهن باغتصابهن وذلك تلبية من المسلمين لاحتياجات السبايا الجنسية على حد تعبير الشيخ الازهري  عبد الله رشدي وان رأف المسلمين بحالهم لاحتياجهم لهم في خدمتهم الدنيوية فسيبقونهم  في ذمتهم وتحت شروطهم التي لا تخضع طبعا لاي مساواة انسانية بين الطرفين فدم المؤمن ليس كدم الكافر
بهكذا فكر استعلائي لا يقيم اي وزن لا حترام حقوق الانسان غير المسلم كيف ستطلب من هؤلاء الشباب الاقتناع بان الدين الذي يعرضه عليهم الفقهاء ممكن ان يوصف بانه دين سلام وعدالة ومحبة للاخرين وكيف تستعجب منهم بعد ذلك ان هم ذهبوا بفكرهم كردة فعل الى ابعد حدود ردة الفعل واتخذوا من الالحاد مرجعية فكرية لهم لان الفكر الالحادي اقرب في هذه الحالة للفطرة الانسانية السوية التي تؤمن بانسانية كل البشر وليس المسلمين منهم فقط
فهل سيجد هكذا شباب تناقضا مع فطرتهم ان هم اتخذو من الالحاد لا اسلام الفقهاء مرجعية فكرية لهم ?
الامثلة على ذلك الخطل الفكري والسلوكي الذي يقدمه الفقهاء للناس وبالاخص لشريحة الشباب بالمئات ان لم نقل بالالاف ومناقشة امور بهذه الحساسية الفكرية في زمن ثورة التواصل لن يتم بطريقة الفقهاء في القرون الوسطى المتمثلة بالتكفير والتخويف والقمع والتي يصر البعض على استنساخها بحذافيرها من القرون الوسطى ليعيد تطبيقها في القرن الواحد والعشرين
كل مافهمه واستنبطه الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمؤرخين الدينيين عن الدين ليس دينا كي يتهم من يمارس اي عملية نقدية بحقه بشتى التهم التي يأتي في مقدمتها دوما للاسف تهمة الالحاد
 ان كل ما انتجه الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمؤرخين الدينيين من مخرجات فكرية دينية ماهي في حقيقتها الا جهود بشرية في فهم الدين قابلة دوما للنقد والمقارنة والقبول والرفض شأنها شأن اي فكر بشري اخر وان لم يتم نقد هذا التراث البشري في فهم الدين بعقلية علمية انسانية تستفيد من كل ادوات البحث في العلوم التطبيقية والاحيائية والانسانية المتاحة في عصرنا للخروج بفهم عصري مقبول للدين بعيدا عن تمثيلة " التجديد الديني وحوار الاديان " الكارتونية الهزيلة والتي كان انجازها الوحيد طوال تلك السنوات يتمثل باعادة انتاج نفس الفكر القروسطي للدين بقشرة لغوية معاصرة  فان الهوة ستزداد اتساعا يوما بعد اخر وستزيد من طينة وضعنا البائس اصلا بلة نحن في غنى تام عنه وعن مخرجات فكر ردة الفعل الناجمة عنه فالتطرف الديني سيقود ان استمر على هذا المنوال الى تطرف الحادي والى هزات فكرية واجتماعية كبيرة لاتخدم مشروع النهوض بواقع انساننا ومجتمعنا بل ستتركنا ندور في ذات الحلقة المفرغة
انها دعوة للتعقل والانسانية والحوار الهادئ البعيد عن التسقيط والتكفير والتخوين  اتمنى على العقلاء من الاطراف كافة عدها رأيا من الاراء الهادفة لاستثمار اي فرصة للحوار والانفتاح والتطور بانساننا ومجتمعنا لما فيه خيرهم وخير البشرية جمعاء

قصيدة شعرية

  أغنيةٌ كُتبت على جدار المنفى قصيدة للشاعر البارون الأخير / محمود صلاح الدين   من منفى إلى منفى… يدًا بيدٍ، أنا وسجّاني ***** ...