بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 24 يناير 2020

مقال


ملحدون ام باحثون عن الحقيقة والانسانية
بقلم د. احمد ميسر

  ربما من اكثر التوصيفات الخاطئة المنتشرة في لغتنا الثقافية المعاصرة هي وصف اي شخص يحاول نقد اي فكر او سلوك ديني ايا كان بانه ملحد خارج عن الملة يتبع ذلك اتهام معلن له ولامثاله ممن يشاطرونه منهجيته الفكرية بانهم يمثلون الخطر الاكبر على الفرد والمجتمع على حد سواء
المتابع لهكذا طروحات يتبادر الى ذهنه للوهلة الاولى بأن مجتمعاتنا نسخة طبق الاصل من اليوتيبيا او الفردوس الارضي السعيد يحسدنا عليها القاصي والداني في ارجاء المعمورة قبل ان يخرج هؤلاء الموصوفين بالالحاد من بين ظهراني مجتمعاتنا
ولو كلف امثال هؤلاء - ممن يكيلون التهم جزافا في وجه كل من ينتهج منهجا فكريا يختلف عن منهجهم -  انفسهم عناء البحث والتقصي  لعلموا علم اليقين بأن الافراد والمجتمعات التي يتباكون خوفا عليها من انتشار موجة الالحاد والملحدين فيها تقبع  في ذيل قائمة الامم المتحضرة والتي تفتقد للحد الادنى ﻷبسط مقومات الحياة الحيوانية الكريمة اما الحياة الانسانية الكريمة فذلك ابعد في قائمة المستحيلات من العنقاء والخل الوفي
ذلك واقعنا المخجل ان اردنا ان نبتعد قيد انملة عن سلوكيات النعامة في حشر رأسها باقرب حفرة كلما داهمها خطر واقعي ما ظنا منها لحمقها بان الركون لفكرة الكذب على النفس بامان زائف مؤقت كفيل بزحزحة ذلك الخطر الى غير رجعة
ذلك الواقع المزري بحذافيره قبل ان يحاول البعض اختزال مشاكله المتأزمة المتوارثة بابتكار شماعة الالحاد والملحدين كجزء من استراتيجية مملة للتقليديين والمتمثلة بهوس ابتكار شماعات جديدة بين الفينة والاخرى يعصب براسها كل الفشل الحياتي المزمن في مجتمعاتنا
لذلك نجد انه و بمتابعة بسيطة لما يوصف بموجة الالحاد والملحدين بان كثيرا من الذين يطلق عليهم وصف الملحدين ماهم في حقيقتهم سوى ناقدين منطقيين وانسانيين لتسونامي الجهل والخرافة وشرعنة الاستعباد وبث روح الكراهية والعداء ضد اي فكرة او شخص او امة خارج نطاق فكرنا وجماعتنا وامتنا
كيف يمكن لأي انسان سوي عقليا وروحيا ان لا يكون لديه رؤية نقدية ازاء مايطرح في الساحة الفكرية الدينية من افكار ينحدر مستوى بعضها ليصل الى لدرجة السفه والجنون احيانا والجريمة والابادة الجماعية بحق المخالفين لنا في الملة والاعتقاد احيانا اخرى
فلا زالت كتب الفقه التي تدرس في مناهج المدارس الدينية لدينا متخمة بفقه تفصيلي عن العبيد والجواري و يرفض القائمين على وضع مناهج تلك المدارس رفضا باتا ان يكون لديهم الحد الادنى من الشعور الانساني السوي الذي ينظر الى حرية الانسان " من اي دين او عرق او فكر "  كقيمة عليا والى عملية استعباده واذلاله كجريمة انسانية كبرى
بل على العكس يعتبرون تلك الافكار المبثوثة في مناهجهم عن احكام الرقيق والجواري دينا منزلا لا يجوز باي حال من الاحوال التعرض له بالنقد من قريب او بعيد والا فجرة قلم واحدة من اصغر مفكر او مسؤول ديني وستجد نفسك وبسرعة الضوء متهما بالمساس بثوابت الدين وقرار  اخراجك من الملة واتهامك بالالحاد جاهز وموقع ومختوم  ينتظر احالته الى التنفيذ في اول فرصة ممكنة في اطار القانون او خارجه الامر سيان
فهل نقد الانسان لجريمة استعباد اخيه الانسان تعد مساسا بثوابت الدين الذي يتكفل بحشرك في خانة الالحاد والخروج من الملة
هل يحتاج قرار الاعتراض والنقد لاغتصاب النساء غير المسلمات - كما حدث مع الايزيديات من قبل تنظيم داعش - لفتوى فقهية باجماع علماء الامة - هذا الاجماع الذي لم يحدث ولن يحدث في يوم ما -
 ام ان الامر مسلمة فكرية انسانية مفروغ منها فالاغتصاب جريمة انسانية في العقل الجمعي البشري السوي واي خلاف في هذه المسألة لايكون خلافا بين فكر بشري وفكر ديني
بل خلاف بين فكر سوي صحي وفكر موبوء عنصري مريض
الم تتسبب هذه الكارثة الانسانية البشعة والموقف الهزيل على استحياء لرجال الدين منها - لذر الرماد في العيون امام الاعلام العالمي - لحمل كثير من الافراد وبالذات شريحة الشباب الى اعادة نظر وتقييم جدية لموقفهم من الفقه الاسلامي عموما والذي يعده رجال الدين قانون الله في مقابل قوانين البشر الوضعية
كيف لا تحدث ردة فعل فكرية نقدية لدى المتتبع للمخرجات الفكرية ازاء هذه الكارثة وهو يجد ان القانون الوضعي الكافر الذي يمثله الاعلان العالمي لحقوق الانسان قد جرم هذا الفعل البربري  بصورة حاسمة لا تدع مجالا للشك او التاؤيل فيما كان موقف قانون الله الذي يدعي الفقهاء انهم وحدهم القادرين على فهمه واستخراج الاحكام منه كانوا يقدمون رجلا ويؤخرون اخرى فتارة يصفون الجريمة بانها فعل فيه تطرف مارسه اناس متطرفين اي ان الفعل له اساس شرعي وليس اجرامي من الاساس
 لكنهم اخطأوا بالتاويل الذي نجم عنه مبالغة في التطبيق  لا تجد لديهم موقف فكري ومن ثم فعلي حقيقي يتناسب مع هول هذه الجريمة البربرية البشعة
كيف سيقتنع هؤلاء الشباب في عصر ثورة المعلومات والتواصل الاجتماعي بأن الاسلام دين يحترم الاديان الاخرى وهو يرى ويسمع في الفضائيات واليوتيوب فتاوي نارية من رجال دين يشار لهم بالبنان في الاوساط الدينية  تحرض علانية على اضطهاد غير المسلمين وتحرمهم من ابسط حقوقهم الدينية والمتمثلة بحقهم في بناء دور عبادة خاصة بهم فهذا الشيخ زراوي عبد الفتاح يدعو الى غلق وهدم الكنائس في الجزائر في فيديو على اليوتيوب قائلا :
" اجمع علماء الاسلام كما اتفق اصحاب المذاهب الاربعة انه ايما كنيسة بنيت بعد الفتح الاسلامي تهدم " !!
كيف سيقتنع الشباب الحالمين بامكانية بناء مستقبل للبشرية  قائم على التعايش السلمي واحترام حقوق الجميع بدون تمييز والشيخ الزراوي يدعو علانية لهدم الكنائس دون ان يتعرض للمسألة القانونية والعقاب الرادع , اي احترام واي انسانية واي تعايش واي مساواة حين تدعو لبناء دور عبادة لك وللمشتركين معك في عقيدتك الدينية فيما تحرض على هدم دور عبادة الاخرين شركائك في الوطن واخوتك في الانسانية
الا تسهم تلك المقارنة في احداث صدمة نفسية وانسانية لدى الشباب المثقف  الذي تتهمونه بالالحاد هل رفضهم ﻷفكاركم العنصرية التي لاتختلف قيد انملة عن عنصرية الفكر النازي او الفاشي
فهل رفض الشباب للفكر النازي يعد موقفا فكريا صائبا فيما رفض فكركم العنصري يعد كفرا والحادا مالكم كيف تحكمون !!
الستم بافكاركم العنصرية هذه اول من اسهم في دفع الشباب الى اعتناق الافكار المخالفة لافكاركم والتي يحلو لكم جمعها كلها في خانة واحدة هي خانة الفكر الالحادي
كيف ستقنع شابا مثقفا بان دين الاسلام دين سلام وكتب الفقه الاسلامي حصرت امم الارض في خانتين اثنتين لا ثالث لهما دار الاسلام ودار الكفر و الحرب
وكيف ستقنع اولئك الشباب بعقلانية وانسانية العلاقة التي يقترحها الفقهاء للتعامل مع تلك مع الامم الكافرة والمتمثة بالخيارات الثلاثة التي لا رابع لها والمتمثلة  بعرض الاسلام عليهم فان لم يقبلوا فيحكمهم المسلمين مع تعهد المحكومين الكفار وهم اصحاب البلاد بدفع الجزية للمسلمين وهم صاغرين وفي حين رفض هذا الخيار فلا مناص عن الخيار الثالث والاخير والمتمثل بغزوهم وهم امنين في بلادهم وان كانت نتبجة القتال الظفر للجيوش الاسلامية فلن يكون امامهم الا السيف  للرجال والسبي والاسترقاق للنساء والتفضل عليهن باغتصابهن وذلك تلبية من المسلمين لاحتياجات السبايا الجنسية على حد تعبير الشيخ الازهري  عبد الله رشدي وان رأف المسلمين بحالهم لاحتياجهم لهم في خدمتهم الدنيوية فسيبقونهم  في ذمتهم وتحت شروطهم التي لا تخضع طبعا لاي مساواة انسانية بين الطرفين فدم المؤمن ليس كدم الكافر
بهكذا فكر استعلائي لا يقيم اي وزن لا حترام حقوق الانسان غير المسلم كيف ستطلب من هؤلاء الشباب الاقتناع بان الدين الذي يعرضه عليهم الفقهاء ممكن ان يوصف بانه دين سلام وعدالة ومحبة للاخرين وكيف تستعجب منهم بعد ذلك ان هم ذهبوا بفكرهم كردة فعل الى ابعد حدود ردة الفعل واتخذوا من الالحاد مرجعية فكرية لهم لان الفكر الالحادي اقرب في هذه الحالة للفطرة الانسانية السوية التي تؤمن بانسانية كل البشر وليس المسلمين منهم فقط
فهل سيجد هكذا شباب تناقضا مع فطرتهم ان هم اتخذو من الالحاد لا اسلام الفقهاء مرجعية فكرية لهم ?
الامثلة على ذلك الخطل الفكري والسلوكي الذي يقدمه الفقهاء للناس وبالاخص لشريحة الشباب بالمئات ان لم نقل بالالاف ومناقشة امور بهذه الحساسية الفكرية في زمن ثورة التواصل لن يتم بطريقة الفقهاء في القرون الوسطى المتمثلة بالتكفير والتخويف والقمع والتي يصر البعض على استنساخها بحذافيرها من القرون الوسطى ليعيد تطبيقها في القرن الواحد والعشرين
كل مافهمه واستنبطه الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمؤرخين الدينيين عن الدين ليس دينا كي يتهم من يمارس اي عملية نقدية بحقه بشتى التهم التي يأتي في مقدمتها دوما للاسف تهمة الالحاد
 ان كل ما انتجه الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمؤرخين الدينيين من مخرجات فكرية دينية ماهي في حقيقتها الا جهود بشرية في فهم الدين قابلة دوما للنقد والمقارنة والقبول والرفض شأنها شأن اي فكر بشري اخر وان لم يتم نقد هذا التراث البشري في فهم الدين بعقلية علمية انسانية تستفيد من كل ادوات البحث في العلوم التطبيقية والاحيائية والانسانية المتاحة في عصرنا للخروج بفهم عصري مقبول للدين بعيدا عن تمثيلة " التجديد الديني وحوار الاديان " الكارتونية الهزيلة والتي كان انجازها الوحيد طوال تلك السنوات يتمثل باعادة انتاج نفس الفكر القروسطي للدين بقشرة لغوية معاصرة  فان الهوة ستزداد اتساعا يوما بعد اخر وستزيد من طينة وضعنا البائس اصلا بلة نحن في غنى تام عنه وعن مخرجات فكر ردة الفعل الناجمة عنه فالتطرف الديني سيقود ان استمر على هذا المنوال الى تطرف الحادي والى هزات فكرية واجتماعية كبيرة لاتخدم مشروع النهوض بواقع انساننا ومجتمعنا بل ستتركنا ندور في ذات الحلقة المفرغة
انها دعوة للتعقل والانسانية والحوار الهادئ البعيد عن التسقيط والتكفير والتخوين  اتمنى على العقلاء من الاطراف كافة عدها رأيا من الاراء الهادفة لاستثمار اي فرصة للحوار والانفتاح والتطور بانساننا ومجتمعنا لما فيه خيرهم وخير البشرية جمعاء

هناك تعليق واحد:

  1. احسنت يا د. احمد على هذه المقالة الرائعة يا حبذا لو يكون المزيد منها ومن هذه الافكار التنويرية الملحة والمطلوبة لتوعية الشباب وافاقة من هم في غيبوبة المشاعر التقليدية السلبية المتاصلة والمتجذرة في اعماق المستنقعات الاسنة.

    ردحذف

مقال عن مشروع قناة الممر المائي (قناة الذهب الاسود)

  مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب تحت عنوان ممر قناة الذهب الأسود المائية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين تُعدّ بؤر...