بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 26 يناير 2020

مقال


قهوة .. دوستويفسكي .. كتاب .. مبروك انت مثقف
د. احمد ميسر  


للمثقفين كما لاي شريحة اخرى من شرائح المجتمع سمات عامة تشكلت عبر تجارب متراكمة متوزعة بين تجربة القراءة المشفوعة احيانا بالكتابة وتجارب الحياة  المتنوعة وما خلفته مسبوقة بالقراءة من مواقف تتبع مدى تفاعل وهضم هذين العاملين مع الموقف الذاتي للمثقف الامر الذي يمكننا من رؤية مواقف شتى للمثقفين لا موقف واحد من نفس الحدث لكن ذلك لا ينفي ان هنالك صفات عامة يتصف بها موقف المثقفين عموما من ذلك الحدث يميزهم - لا اقصد هنا الافضلية من عدمها - عن موقف باقي الشرائح ولو على مستوى اليات التعبير وطرق التعامل فعوامل تشكيل المثقف تحتم ان يشترك اغلب المثقفين نتيجة اشتراكهم بالخطوط العامة لتشكيل شخصية اي مثقف مما يجعلهم يتميزون كباقي تميز شخصيات شرائح المجتمع الاخرى في نمط تفكير واسلوب افصاح عن الذات ومكنوناتها ونظرة تقيمية لما يحيط بهم من احداث وشخصوص وامكنة ومواقف تعتبر مخرجات طبيعية تلقائية يمكن رصدها وتحليلها والتعامل معها بكل وضوح ودراية
لكن ومما يؤسف له ان شريحة المثقفين ابتليت بما ابتليت به شرائح المجتمع الاخرى من المتشبهين بها بدون امتلاك مقومات الانتماء الحقيقي لها وهو انتماء اختياري حر نابع عن رغبة وقناعة حقيقيتين جعلت من عملية الانتماء الى هذه الشريحة تعبيرا طبيعيا عن الذات شأنه شأن الانتماء الى اي شريحة اخرى بدون الحاجة الى التصنع والتشبه بالمثقفين لحصد بعض ايجابيات الانتماء الى هذه الشريحة والتي يندرج اغلبها في خانة الاعتباري والمعنوي
ان كلامي هذا ارجو ان لايفهم منه انه دعوة لنوع من انواع التعالي او الطبقية الاجتماعية
حاشا لانسانيتي ان ترتضي هكذا موقف من الاشخاص والشرائح لكنه دعوة للصدق مع الذات قبل الصدق مع الاخرين دعوة صادقة لان نبتعد عن التصنع في كل شئ ولا نكون الا انفسنا رغم اقراري بصعوبة تلك المهمة والتي عبر عنها بول فاليري يوما بقوله : " ان تكون انت يالها من مهمة شاقة "
لكن الصعوبة في ان تكون انت اهون بكثير على الذات والمجتمع من ان تكون نسخة مقلدة من الاخرين في اشارة اولى الى انك ستخسر حرية اختيارك الطبيعي الذي سيمكنك من ترك بصمتك الخاصة في الحياة واشارة ثانية الى انك ستزيد من نسبة الزيف والمزيفين في مجتمع عانى لاسباب متعددة يطول شرحها من ازدواجية الشخصية الاجتماعية او مايعرف بالشيزوفرينا في علم النفس كما اشار الى ذلك الدكتور علي الوردي في ابحاثه حول الشخصية العراقية وطبيعة المجتمع العراقي فيما تتجه الاشارة الثالثة الى انك بهذا التشبه المكشوف السطحي بالمثقفين ستحرم نفسك  او ستؤجل  على اقل تقدير من عملية انتمائك الحقيقي في يوم ما الى تلك الشريحة التي تدعي بتقليدك لبعض سمات وسلوكيات افرادها بانك منغمس تمام الانغماس في عشق الانتماء لها الى درجة المواظبة على تمثيل وتقمص ادق تفاصيل طقوس شخوصها الفكرية والعملية العامة ولاضرب لك مثلا اخي الانساني بي انا شخصيا فانا في لحظة كتابة هذه المقالة ارتشف كلما انتهيت من كتابة بضعة اسطر منها رشفات من استكان ( كوب ) جاي ( شاي ) خفيف وليس جاي ثقيل من الذي تسمع عنه انه يعدل الرأس فيما هو في حقيقته يتسبب لي بصداع غريب في ذائقتي الشرابية الخاصة مما جعلني ازهد فيه منذ زمان ممكن وصفه بالطويل وفضلت عليه الجاي الخفيف الذي يناسبني هذا الجاي موضوع على الطاولة التي امامي ويعينني نوعا ما في تعديل مزاجي في الكتابة ولا اتناول القهوة كما قد يصورها لك البعض وكأنها لازمة مقترنة بالثقافة والمثقفين الا فيما ندر ولا علاقة لي البته بالجدل العقيم حول فوائدها الجمة على الصحة وتسببها المزعوم في استدرار قريحة الكتابة والابداع
اما بالنسبة ل لازمة قراءة دستويفسكي فبالرغم من اعجابي بالكاتب الروسي الكبير  والاستفادة من تجربته الفكرية والكتابية والانسانية الكبيرة بلا شك لكني استفدت الكثير من كتاب وادباء اخرين اكثر مما استفدت منه لان جزءا مهما من فائدة مايكتب تتمثل بمقدار مايحدثه في شخصية القارئ من تقدم على الاصعدة كافة وهذا بطبيعة الحال يختلف من شخص لاخر لاسباب ذاتية وموضوعية فمن هذا الذي جعل من ديستويفسكي دون سواه لازمة قرائية واسلوبية وثقافية لمن يروم السير في طريق الثقافة والمثقفين رغم تقديرنا الكبير كما اسلفنا للخدمات الكبيرة التي قدمتها عقليته الفذة من افكار وما خطه يراعه المبدع من اسلوب روائي اوصله لمصاف  الروائيين  العظماء انني ادعو لقراءته وقراءة اقرانه من الادباء المبدعين الاخرين دون ان اعده في يوم ما لازمة قرائية او ثقافية بدونها لن نتمكن من ان نكون مثقفين لن اقبل بمحاولة المتشبهين  ان يحولو ابداع ديستويفسكي الى صنمية فكرية واسلوبية مقيتة لقد دعانا ديستويفسكي لان نكون احرارا وتلك احدى دواعي الاعجاب به ومحبته واحترامه لذلك نرفض ان يستغله المتشبهين بالمثقفين والمكتفين بالتكسب السطحي من التشبه ان يحولوه الى صنم يعيق حريتنا في ان نكون احرارا و مثقفين حقيقين لنا بصمتنا الخاصة بنا و التي ستضيف نكهة جديدة الى عالم الثقافة والمثقفين بكافة تجلياته ومخرجاته
اعرج برفقتكم اخيرا الى متلازمة الكتاب والقراءة والتي اجدها اصعب المتلازمات الخادعة التي يتصيد بها المتشبهين بالثقافة والمثقفين في مياه التصنع العكرة والمتمثلة بالمدح الدائم للكتاب والقراءة والتي لا يختلف اثنين في اهميتهما كمكونات وادوات ووسائل في طريق رحلة الانتماء الحقيقي لشريحة المثقفين لكنني اتحدث هنا عن استخدامهما كأداتين بيد المتصنعين والمتشبهين في محاولة لاخفاء الزيف الكامن ازاء هذا المظهر الثقافي المطلوب تواجده كركن اساسي من اركان تشكيل المثقف فضلا عن تنبيهي لخطورة ابرازهما وكأن تواجدهما لوحده في حياة الفرد دون ان يتبعهما ويلازمها مقومات اخرى سيكونان كافيين وكفيلين بتحويل  الانسان العادي الى انسان مثقف ثقافة انسانية ايجابية فهل ملازمة الارهابيين للقراءة في الكتب التكفيرية جعلت منهم مثقفين نافعين لانفسهم ولمجتمعاتهم ام العكس ام هل تمكنت كتب التنجيم والابراج من خلق جيل مثقف واعي يتخذ من الثقافة وسيلة للنهوض بنفسه ومجتمعه ام زادت من تغييبه عن الواقع وركونه الى امانات فكرية ونفسية زائفة اضاعت عليه فرصة الاستفادة من قدراته ومعطيات واقعه الحياتي حتى لو كانت بالنزر اليسير
كما من حقنا ان نسأل هل اسهمت ملازمة كتب الجدل الديني والمذهبي في انتاج عقليات منفتحة تقوى على استيعاب افهام متعددة للايمان عبر اديان متنوعة ورؤى متعددة لامكانية اتباع نفس الدين من قبل جميع المؤمنين بمذاهبه وطوائفه تجسيدا للمثل القائل " كل الطرق تؤدي الى روما "
 ام انها فعلت العكس واسهمت في جلب الخراب للنفوس والامم بانتاجها لعقليات اقصائية من الطراز الاول تدعي احتكارها للصواب الايماني وتلغي كل ما انتجته تجارب وجهود الاخرين العقلية والروحية تمهيدا لحشرهم في خانة اعداء الله الواجب اولا تكفيرهم ومن ثم التفرغ للمهمة المقدسة بالنسبة للاقصائيين والمتمثلة بالشروع في اجتثاثهم من على وجه البسيطة
فهل ياترى اوجبت عملية ملازمة الكتب اقتناءا وقراءة دون ان يرافقها شروط تكوين المثقف الاخرى مثقفين حقيقيين يتسمون بالتحرر والعقلانية وسماحة فضاء الفكر الانساني الرحب ام انها على العكس انتجت لنا مسوخا على هيئة بشر وقنابل موقوتة تهدد بالانفجار في اي لحظة في وجه الجميع لتأتي على الاخضر واليابس تبعا لمصلحة وهوى وتوقيت من يتحكم بانتاج هذه النماذج الممسوخة التي تتشارك مع المثقفين في ركن ملازمة ومداومة الكتاب والقراءة دون سواهما من الاركان
الم يقل ستيفن هوكينغ يوما : " اعظم عدو للمعرفة ليس الجهل بل وهم المعرفة "
تصنع المعرفة انتج عدوا للمعرفة اعظم من الجهل كذلك تصنع الثقافة و التشبه السطحي بافكار وسلوكيات المثففين لن يسهم في خلق المزيد من المثقفين بل المزيد من اعداء الثقافة والمثقفين ربما يكونوا اخطر عليهم وعلى مجتمعاتهم من الجهلة والاميين
سنقول مبروك من اعماق قلوبنا لكل من سلك دربا يفضي به الى عالم الثقافة الحقيقية  الرحب ونرحب بكل ما اوتينا من محبة بانضمام اي فرد الى شريحة المثقفين شريطة ان يتخلى عن قناع التصنع والتشبه الزائف عند بوابات الحرم الثقافي الحقيقي ليسمح لنفسه ولنا ان نعيش سوية في عالم حقيقي وصادق نجد نعبر فيه عن انفسنا ونحقق فيه ذواتنا لنسهم في خلق مجتمع حقيقي صحيح يليق ببشريتنا وانسانيتنا على حد سواء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية تحت عنوان إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين أنا هنا لا أخاف أحدًا...