الحرب والرأي العام
تحت عنوان
الصراع الإيراني الأمريكي
بقلم البارون الأخير محمود صلاح الدين
والمقصود في العنوان هو آراء الناس في الشارع
العام، حيث تنقسم بين مؤيد ومعارض، وكلٌّ منهم له أسبابه التي تتوزع ما بين ذاكرة
مشبعة بالمعطيات، وآخر ينطلق من باب اشتراك الفكر، وآخر طائفي وقومي. وهنا سوف
نستعرض بعضًا منها لمعرفة بماذا يفكر المواطن البسيط ورؤيته للحدث.
ليس هناك حرب... وهنا ينقسم الرأي إلى قسمين:
الأول منهم من يظن أن الأمريكان، وما يقومون به، عملية ابتزاز. ولكن ما يجهله
الكثير أن أمريكا لا تكذب، ليس لأنهم صادقون، لا سامح الله، ولكن من خلال تجربتنا
معهم تتمتع سياستهم بالنَّفَس الطويل، وإذا ما قالوا إنهم سوف يُقفلون الملف
الإيراني فسوف يفعلون. ولكن ما يُرى ويُسمع اليوم هو جزء من الحرب النفسية في
إنهاك الداخل، لتكون آثار الحرب أكبر مما يتوقع الجميع.
الصداقة الأمريكية الإيرانية... انتشرت في
الآونة الأخيرة حكايات عن أن الطرفين متفقان، وما يحدث هو مجرد استعراض وهمي لا
أكثر. وهذه المعلومة عارية عن الصحة، وذلك بسبب أنه لا أصدقاء في السياسة
الأمريكية؛ فالمصالح الاستعمارية هي المعيار الوحيد في القضية. وإذا ما رأت أن
النظام الإيراني يشكل مجرد عائق أمامها، فسوف تقوم بإزالة ذلك الشيء، وسوف يكون
الأمر مجرد وقت.
نتائج ما بعد الحرب... لا أحد يعرف اليوم كيف
سيكون شكل الحرب ومدتها، ولكن ما أنا واثق منه هو هزيمة النظام في الشرق، ويبدأ ما
نوّهنا إليه في كتابات سابقة، وهو (عصر المقاطعات) وانتهاء حقبة الدول، وكل هذا
ضمن البروتوكولات التي أُعدّت مسبقًا، وقد يعود زمن كتابتها إلى فترة تسعينيات
القرن الماضي. ولكن لن تكون الأخيرة في الشرق؛ فالهدف القادم تركيا، والأيام
القادمة سوف تثبت صحة ما كُتب هنا.
الداعمون والرافضون لهذه الحرب... وهنا أقول
بثقة: (الجميع) سوف يتخلى عن حلفائه؛ فالنظام الإيراني اليوم يجمع مؤيديه ليس على
القضية العقائدية كما يظن الكثير، ولكن جُمِعوا على أساس الاستفادة والدعم المادي
والمعنوي، وهذا ما سوف يولّد نوعًا من خلق طبقة من المتخاذلين في صفوف المؤيدين
لهم إذا ما ضُربت مصالحهم. أما الطرف الثاني، فسوف يكون النظام الإيراني وحده في
هذه المعركة. أما عن الروس، فمن خلال عدة تجارب يبقى الحليف الأسوأ على مر التاريخ
منذ التجربة الناصرية في مصر. وإذا قال أحدكم الآن: ماذا عن الصين؟ فهي أذكى من أن
تغامر فيما حققته على الصعيد الصناعي والاقتصادي في عملية محسومة. وما لا يدركه
الإيرانيون هو أن العالم أجمع تحكمه المصالح والمال، ولا شيء يعلو فوق هذا.
الإعلام
وصناعة الرأي العام
... ثمة نقطة لم يُلتفت إليها بما يكفي، وهي أن الحرب
اليوم لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل تُخاض بالعقول. فالإعلام أصبح شريكًا مباشرًا في
إدارة الصراع، لا ناقلًا له فقط. ومن يظن أن الصورة التي تصله عفوية فهو واهم؛ لأن
كل مشهد يُبثّ محسوب بدقة ضمن معادلة التأثير النفسي. وهنا يتشكل رأي عام موجَّه
لا رأي عام حر، فتجد المواطن البسيط يتبنى موقفًا يعتقد أنه نابع من قناعته
الخاصة، بينما هو في الحقيقة نتاج غرفة عمليات إعلامية.
الاقتصاد
بوصفه سلاحًا موازيا
... لا يمكن قراءة أي صراع بمعزل عن الاقتصاد.
فالعقوبات ليست مجرد قرارات سياسية، بل هي أدوات تفكيك بطيء للبنية الداخلية
للدول. إنها حرب استنزاف طويلة الأمد، تستهدف العملة، والسوق، والطبقة الوسطى
تحديدًا؛ لأن سقوط هذه الطبقة يعني اهتزاز الاستقرار الداخلي. ومن هنا نفهم أن
الضغوط الاقتصادية قد تكون أخطر من المواجهة العسكرية نفسها، لأنها تُحدث شرخًا
صامتًا في الجبهة الداخلية.
الداخل
الإيراني بين العقيدة والمصلحة
... ثمة معادلة دقيقة داخل إيران نفسها، بين خطاب
أيديولوجي تعبوي وبين واقع اقتصادي ضاغط. وهذه الازدواجية قد تصمد في أوقات الرخاء
النسبي، لكنها تُختبر بشدة في أوقات الأزمات الكبرى. والسؤال الحقيقي ليس: هل يصمد
النظام عسكريًا؟ بل: هل يصمد اجتماعيًا واقتصاديًا إذا طال أمد المواجهة؟ فالتاريخ
يخبرنا أن الأنظمة لا تسقط دائمًا بهزيمة عسكرية، بل أحيانًا بتآكل داخلي بطيء.
الدول
الإقليمية وحسابات الظل
... المنطقة برمتها تراقب، لكنها لا تتحرك إلا بقدر ما
تفرضه مصالحها. فبعض الدول قد تُظهر موقفًا معلنًا، بينما تتحرك في الخفاء باتجاه
مغاير. والسياسة في الشرق الأوسط قائمة على مبدأ التوازن القلق؛ فلا أحد يريد
حربًا شاملة، ولا أحد يمانع في إضعاف خصمه عبر حرب بالوكالة. وهنا يصبح المشهد
أكثر تعقيدًا مما يظهر في الخطابات العلنية.
الرأي
العام العربي بين العاطفة والواقعية ... الرأي
العام العربي غالبًا ما يتأرجح بين موقف عاطفي قائم على رفض الهيمنة الأمريكية،
وموقف براغماتي يرى في الصراع فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى. وهذه الازدواجية
تخلق حالة من الانقسام الحاد، لأن الوعي الجمعي لم يتحرر بعد من تأثير الذاكرة
التاريخية الثقيلة. فالمواقف لا تُبنى فقط على الحاضر، بل على تراكمات الماضي.
سؤال ما
بعد الحسم ... حتى
لو افترضنا أن الحرب وقعت وحُسمت لصالح طرف دون آخر، فإن السؤال الأكبر: من سيملأ
الفراغ؟ فالتجارب السابقة في المنطقة أثبتت أن إسقاط نظام لا يعني ولادة استقرار،
بل قد يفتح أبوابًا لفوضى ممتدة. ومن هنا فإن أي قراءة للمشهد يجب أن تتجاوز لحظة
الصدام إلى ما بعدها، لأن إعادة تشكيل الخرائط لا تتم بقرار عسكري فقط، بل بمسار
طويل من إعادة هندسة النفوذ.
الخلاصة
... وفي نهاية المطاف، قد يختلف الناس في تحليل المشهد، وقد تتضارب القراءات بين
من يرى حربًا وشيكة ومن يراها مجرد استعراض، لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون
الاعتراف بها أن العالم لا يُدار بالأخلاق، بل بالمصالح، ولا تُحسم المعارك
بالشعارات، بل بميزان القوة.
من يراهن
على العواطف سيُفاجأ، ومن يراهن على التحالفات سيُخذل، ومن يعتقد أن الشعوب هي من
تقرر مصير الحروب فهو لم يفهم بعد كيف تُكتب الخرائط في الغرف المغلقة.
الحرب إن
وقعت لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة فرز كبرى تسقط فيها الأقنعة، ويُعرف
فيها من كان يصرخ باسم القضية ومن كان يحسب الأرباح. وعندها فقط سيدرك الجميع أن
ما كان يُقال في العلن شيء، وما كان يُدار في الخفاء شيء آخر تمامًا.
وأقولها
بوضوح: القادم ليس كما يتصوره الساذجون، وليس كما يطمئن إليه الحالمون. المنطقة
على أعتاب تحوّل كبير، ومن لا يقرأ المشهد بعين العقل لا بعين العاطفة، سيجد نفسه
خارج التاريخ لا داخله..
والأيام وحدها كفيلة بأن تقول الكلمة الأخيرة…
لكنها لن ترحم من لم يستعد لها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق