بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 7 نوفمبر 2026

مقال

 

العراق في خطر (مظاهرات الشبك)

تحت عنوان

عصر المقاطعات

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



لا يكمن الخطر في الشبك كفئة اجتماعية، فأنا من عاصرتهم وعرفتهم عن قرب من خلال سكني في حي الجزائر، حيث سكنوا المنطقة الشبك منذ ستينيات القرن الماضي، وهم ممن يمتازون بما يُعرف بـ(السلام الاجتماعي).

ولكن الخطورة تكمن فيما يُرسم للعراق كدولة، ونزع فكرة الدولة من العقول. فقبل فترة كانت هناك مظاهرة ثانية، ولكن في قلب المدينة القديمة ، ترفع شعار (الموصل موصلنا) من شريحة المسيحيين، ولم تخرج عليهم الأصوات المنددة وقتها، وغيرها الكثير من الصور. فالإقليم الكردستاني اليوم يعاني من ظاهرة الصراعات العشائرية بالصبغة السياسية، والإيزيدية أيضاً لهم أصوات مشابهة لكل هذا. ولمعرفة ما يحصل، سوف أستشهد بحدث حصل معي قبل أيام؛ دخل مكتبي أحد طلبة الدراسات الأولية، وهو من سكان الإقليم، ليسأل سؤالاً أثار حفيظتي، ومفاده: (هل سنجار عراقية أم كردية؟). فأجبته أن هذا السؤال غبي، ومثله مثل الذي يسأل: (هل الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة؟). وأعتقد أن المشكلة تكمن في زرع السموم في الوعي الجمعي، لتخرج علينا عاهات اجتماعية بأفكار أقل ما توصف به أنها أردأ أنواع الغباء.

 

تهشيم فكرة الدولة ...  قبل أعوام مضت، كان لي مقالات حذّرت فيها من قضايا نعيشها اليوم، وهي فكرة عصر المقاطعات التي تبدأ بإسقاط مفهوم الدولة وفكرة الوطن. وهذا ما نشهده اليوم من شخصيات تحاول العمل على هذا خلف شعارات (القومية والطائفية). وهنا يجب التنويه إلى قضية معينة، وهي أن ما يجري ليس ببعيد عن توجهات الدولة بشكل عام، بسبب أنه يؤمّن لها الغطاء، ويجعل الرأي العام يتغاضى عن الإخفاقات الحكومية.

 

ما الذي يحصل اليوم ...  مظاهرات وشعارات هنا وهناك، تخفي بين جوانبها أيديولوجيات مستوردة من الخارج، والهدف منها تهشيم النسيج الاجتماعي وفكرة التعايش السلمي الحقيقي، واستبدالها بشعارات التناحر على أساس طائفي وآخر قومي. أما الوطن فلا تجد من يتحدث عنه اليوم. والغريب أن قبل فترة كان هناك خبر أضحكني لحد القهقهة، مفاده: (أصدرت المحكمة في العراق حكم المؤبد على شخص متهم بالجاسوسية). والسؤال هنا: هل هناك ولاء للوطن اليوم لتكون هناك اتهامات بالجاسوسية؟ فلو نظرت حولك، سوف تجد هناك مؤسسات وشخصيات تفتخر بالتبعية أو الولاء لمن هم خارج الوطن، وكان الأحرى بالمحكمة أن تصدر الأحكام اتجاه كل شخص ينادي بالوطنية أو الوطن، وهنا يكمن المنطق على أرض الواقع الذي نعيشه.

فهذا شيعي، وهذا عربي وكردي وشبكي ومسيحي وإيزيدي وصابئي، وكلها مسميات تعمل على تهميش السلم الاجتماعي. وهنا، وفي هذه السطور، لا أجرّم الشبك وحدهم، ولكن ما فعلوه يعبر عن واقع عام. فماذا تنتظر من العامة بعد غياب القانون الصارم الذي يحفظ للدولة هيبتها، غير انفلات فكري يفرز أعمالاً لا يقبلها المنطق والعقل؟ وليست المسألة تكمن في أراضٍ متنازع عليها، ولكن الأمر كبير، والسكوت عنه جريمة. فالجميع ذاهب نحو الهاوية هرولةً بسبب الأنانية والانتهازية التي أصبحت أبرز مظاهر المجتمع العراقي.

وهنا يجب الاستشهاد بحكاية من التراث الموصلي، مفادها:

(أن لصاً نزل على دار ليسرقها، وعندما سمع صوتاً من أهل المنزل على السطح، طلب الأب من الابن التحري عن ما يحدث. وعند صعود الابن صرخ على الأب: هناك حرامي! فرد الأب: أمسكه. فأعاد الابن بقوله: أنزله؟ رد الأب: اتركه. فرد الابن: لا أستطيع، لأنه يمسك بي. عندها قال الأب: اتركه. فرد الابن: بالأول ليتركني حتى أستطيع تركه)

وبهذه القصة يتجسد واقعنا مع الفساد في هذا البلد، من خلال هيمنته على مفاصل الدولة، مما يعطي الغطاء لكل ذي نفس ضعيفة كي يستفحل أمره، ويفرض منهجيات ظاهرها حقوق أقليات وفئات اجتماعية، وباطنها تمزيق البلد وإشعال فتن قد تحرق الأخضر واليابس.

 

الإصلاح يبدأ من استعادة مفهوم الدولة ...  إن الخروج من هذه المتاهة لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات ولا إلى خطابات التهدئة التي اعتدنا سماعها عند كل أزمة، بل يحتاج إلى مراجعة حقيقية لمفهوم الدولة في عقول من يتولون مسؤولية إدارتها، قبل أن نطالب العامة باحترامها. فالدولة ليست مجموعة من المناصب التي تتقاسمها المكونات، وليست ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات القومية والطائفية والعشائرية، وإنما هي كيان قانوني وإنساني يجمع الجميع تحت مظلة واحدة، ويمنح المواطن حقوقه دون أن يسأله عن انتمائه أو أصله أو مذهبه.

ومن هنا، فإن أولى خطوات الإصلاح تبدأ بإعادة الاعتبار للمواطنة، وجعلها المعيار الوحيد في التعامل بين الدولة وأفراد المجتمع، فلا امتياز لفئة على حساب أخرى، ولا حقوق تُمنح على أساس الانتماء، ولا مسؤوليات تُعفى منها جهة بسبب قوتها السياسية أو الاجتماعية. فالقانون الذي لا يستطيع الوقوف أمام صاحب النفوذ لا يمكنه أن يحمي المواطن البسيط، والدولة التي تتعامل مع مواطنيها وفق موازين القوة إنما تفتح أبوابها تدريجياً أمام زوال هيبتها.

أما القضية الثانية، فتتمثل في ضرورة وضع حد لاستغلال الهويات الاجتماعية وتحويلها إلى مشاريع سياسية. فليس من حق أي شخصية أو جهة أن تتحدث باسم مكون كامل، أو أن تجعل من حقوق الأقليات سلعة للمساومة السياسية. فالحقوق تُصان بالقانون والمؤسسات، لا برفع الشعارات وإثارة الشارع، كما أن معالجة الخلافات المتعلقة بالأراضي والإدارات المحلية يجب أن تخضع للدستور والقضاء والحوار المؤسسي، بعيداً عن منطق فرض الأمر الواقع أو استعراض القوة.

ولا يمكن إغفال دور المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في إعادة بناء الوعي الجمعي، لأن الأزمة ليست أزمة حدود جغرافية فحسب، وإنما أزمة مفاهيم تربى عليها جيل كامل، حتى أصبح بعضهم ينظر إلى الوطن من نافذة انتمائه الضيق. وهنا تكمن مسؤولية الجامعات والمدارس والمثقفين في إعادة الاعتبار للتاريخ المشترك، وتعليم الأجيال أن الاختلاف في القومية أو الدين أو المذهب لا يعني الاختلاف في حق الانتماء إلى الوطن، وأن الإنسان لا يفقد عراقيته عندما يكون كردياً أو شبكياً أو إيزيدياً أو مسيحياً أو صابئياً أو عربياً.

أما الإصلاح السياسي، فلا يمكن أن يتحقق ما دامت المحاصصة هي الحاكم الفعلي للعلاقات بين القوى السياسية، وما دامت المناصب تُوزع وفق حسابات الانتماء لا وفق الكفاءة والنزاهة. فالمؤسسات التي تُبنى على الولاءات الضيقة لا تستطيع إنتاج دولة مستقرة، لأنها تتحول مع مرور الوقت إلى جزر إدارية وسياسية، لكل منها حساباتها ومصالحها، بينما يبقى الوطن مجرد عنوان يُستدعى عند الحاجة إلى الخطابات.

وأخيراً، يجب أن نفهم أن حماية التنوع لا تعني السماح بتفكيك الدولة، وأن احترام خصوصية المكونات لا يعني تحويلها إلى حدود سياسية واجتماعية تفصل العراقي عن أخيه العراقي. فالعراق ليس ملكاً لقومية أو طائفة أو عشيرة، وليس إرثاً تتقاسمه القوى بحسب موازين نفوذها، وإنما هو وطن تشكل عبر تاريخ طويل من التداخل الإنساني والحضاري.

إننا بحاجة إلى دولة قوية بالقانون، لا بالأجهزة، وعادلة بمؤسساتها، لا بخطابات مسؤوليها، وإلى مواطن يرى في علم بلده وهويته الوطنية ما يجمعه بالآخرين، لا ما يفرض عليه التخلي عن خصوصيته. فالمشكلة ليست في تعدد الهويات، بل في تحويل هذه الهويات إلى أدوات للصراع، والمشكلة ليست في وجود الاختلاف، بل في وجود من يتغذى على استمراره.

فإذا لم نستطع اليوم أن نتفق على وطن يجمعنا، فبأي منطق نطالب الآخرين باحترام حدودنا؟ وإذا أصبح لكل فئة وطنها الخاص، فأين ذهب العراق الذي يفترض أن يكون وطناً للجميع؟

 

الخلاصة ... يبدو أننا لم نعد بحاجة إلى أعداء من خارج الحدود، فقد تكفل بعضنا بمهمة تمزيق هذا البلد من الداخل، وكلٌّ يحمل راية مختلفة، لكنه يلتقي مع الآخرين عند هدف واحد، وهو إضعاف فكرة العراق وتحويله إلى مجموعة كانتونات ومقاطعات تتنازع فيما بينها على ما تبقى من وطن. والمصيبة أن كل طرف يعتقد أنه يدافع عن حقوقه، بينما هو في حقيقة الأمر يساهم في هدم السقف الذي يحمي الجميع.

وأقولها بصراحة لا تحتمل المجاملة: من يرفع راية القومية أو الطائفية فوق راية الوطن، ومن يعتقد أن له الحق في اقتطاع جزء من العراق ليجعله ملكاً لانتمائه، ومن يستقوي بالخارج لفرض إرادته في الداخل، لا يحق له أن يتحدث عن الوطنية، لأن الوطنية ليست بطاقة تُرفع عند الحاجة، ولا شعاراً يُستخدم لتبرير الانتهازية السياسية والاجتماعية.

أما الذين يتفرجون على هذا المشهد، ويحسبون أن الصمت حكمة، فهم واهمون؛ فالتاريخ لا يرحم المتفرجين عندما تسقط الأوطان، ولا يعفي من المسؤولية من رأى الحريق يقترب ثم اكتفى بمراقبة ألسنة اللهب.

وأما الدولة، فإن لم تكن قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء، فلتعلم أن ما يتآكل اليوم ليس هيبتها فحسب، بل وجودها نفسه. فلا دولة مع جماعات تتصرف كأنها فوق القانون، ولا وطن مع من يضع حدوداً بين أبنائه، ولا مستقبل لشعب يختصر هويته في طائفة أو قومية أو عشيرة.

وأقولها لمن يعنيه الأمر: العراق ليس قطعة أرض في سوق المزايدات، وليس غنيمة حرب تتقاسمها المشاريع السياسية، وليس ملكاً وراثياً لأحد. ومن يعتقد أن بإمكانه تحويله إلى مقاطعات وفق أهوائه، فليتذكر أن الأوطان عندما تسقط لا تسأل أبناءها عن قومياتهم ومذاهبهم، بل تسقط فوق رؤوس الجميع.

فكفى عبثاً بالعراق، وكفى متاجرة بمكوناته، وكفى صناعة أوهام تُباع للعامة تحت عنوان الحقوق. فمن لا يستطيع أن يكون عراقياً أولاً، لا يملك الحق في أن يعلّم الآخرين معنى الانتماء. أما الصمت عن هذا العبث فلم يعد حياداً، بل أصبح مشاركة غير مباشرة في جريمة تفكيك وطن اسمه العراق.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  العراق في خطر (مظاهرات الشبك) تحت عنوان عصر المقاطعات بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين لا يكمن الخطر في الشبك كفئة اجتماعية...