العراق
إلى أين؟ (قطع أعناق ولا قطع أرزاق)
تحت
عنوان
الماي
يغار احمار
بقلم
البارون الاخير / محمود صلاح الدين
كثيرًا
ما أوهمونا بأننا نعمل كل شيء بحكم الغيرة، وهنا يجب التفريق بين الغيرة المقترنة
بالحسد والغيرة المحمودة. وكل ما قيل مجرد محض افتراء وكذبة كبيرة، وبدأ من أيام
كلمة «إيه، الشعب العراقي العظيم».
وخير ما
وصف حالتنا اليوم ما جاء في كتاب الله عز وجل في قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾، صدق الله العظيم.
وقد يقول
أحدكم هنا إن هذه الآية قد نزلت بحق بني إسرائيل، ولكن، لمن لا يعلم، فإن النص
الإلهي المتجسد بالقرآن ذو طبيعة متجددة، من باب أن الطبيعة البشرية لا تختلف
كثيرًا من شخص لآخر. والسؤال الأهم هنا: ماذا ينتظر العراقيون بشكل عام للتحرك
لتغيير واقعهم المرير؟ وهل من المعقول أنهم تحولوا بشكل كامل إلى حالة الاستسلام
الشبيهة بحالة الموت السريري؟ وهنا، وفي هذه السطور، سنبحث في الأسباب التي
أوصلتنا إلى هذا الحال من خلال ثلاث مراحل.
الماضي ...
الذي يتجسد ما بين مصطلحين هما الحديد والنار. فمنذ نبوخذنصر، كان منطق القوة
الترهيبي هو الأساس في بناء المجتمع على هذه الأرض، وبعدها تعاقبت على المنطقة حقب
زمنية لا تقل عنه من ناحية الأيديولوجية.
الحاضر...
لا يختلف اليوم عن الأمس في تكريس منهجية الإرهاب السلطوي لضمان ديمومة السلطات
المتعاقبة، وهذا ما ترك الأثر في ترسيخ حالة من التخاذل والصمت على الانتهاكات بحق
المواطن البسيط، ظنًّا منه أن الغد قد يكون أفضل. وهنا أستشهد بمقولة من التراث
الشعبي مفادها: «العجي الذي ما يعيش يبين من خراه». وفي هذا القول دلالة على ضرورة
وجود دلائل على أن هناك أملًا، ولكن لو نظرت حولك، فلن تجد شيئًا من هذا قد يُذكر.
المستقبل
... مجرد أمل بالله أن يعدل الحال، وقد نسوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، صدق الله العظيم.
فالقضية
تقترن بالأخذ بالأسباب، أما قضية انتظار المجهول فهي مرفوضة حتى في المفهوم
الإلهي، فالله لا يحب المؤمن الضعيف، ويفضل القوي، إذا ما اعتبرنا أن من نتحدث
عنهم مؤمنون من الأصل.
إلى متى ...
يبقى المواطن على هذه الأرض رهينة الأهواء الشخصية لمجموعة المرابين بالدين؟ ولمن
لا يعلم، فإن الذين في السلطة اليوم ليس لهم علاقة لا بالدين ولا بمن أنزل الدين،
ولكن الأمر أنهم يتخذون من الله حجة لحكم العالم بما تشتهي أنفسهم، ومن يخرج عليهم
فقوالب الاتهام جاهزة، لا تحتاج إلى حجة أو دليل، وهذا يُعتبر قمة الذل. وهنا سوف
أتكلم بلسانهم، كما يقال، ويأتي السؤال الأهم:
لماذا لم
ينتظر الحسين، سلام الله عليه، قضاء الله فيما يخص قضيته؟
وإذا كان
الكثير ممن يتخذون من هذه الشخصية قدوةً في قوله وفعله، فأين أنتم من هذا؟
ولنخرج
الآن من إطار الدين ونأخذ الأمر من زاوية ثانية، فهناك مقولة: «قطع الأعناق ولا
قطع الأرزاق»، وهنا اقترنت مسببات الرزق بالموت، فلا أجد أبلغ من هذا القول
تجسيدًا لما نرمي إليه.
ولكن
القضية أكبر مما قد تدركه العقول، فلم يعد أحد يملك الإحساس، وكأننا نعيش في مقبرة
مليئة بالأموات؛ فلا تضر الجثةَ نخسةُ الحراب، ولا تراها تطالب بحياة، رغم أن هناك
من يعيش حياة مثالية، لكنه يطالب بتطوير الأفضل، وهذا دأب الشعوب الحية.
أما نحن،
فقد استطَبْنا العيش في قبور ونحن على قيد الحياة، ولا أعلم ما الذي قد يدفع تلك
الأموات إلى النهوض من قبورها والمطالبة بحقها في الحياة. حتى تلك الأقلام
والأصوات هنا وهناك تُعتبر مثلها مثل المثل الشعبي: «ضرطة في سوق الصفافير»، حيث
يعلو الضجيج فيصمّ أسماع الموتى، فتتحول كل تلك المحاولات إلى ممارسات عبثية لا
قيمة لها. ولكن، رغم هذا، ما زلنا نؤمن بأقلامنا فقط؛ لأننا لا نريد أن ننطوي تحت
كلمة «أضعف الإيمان». فرحم الله الشاعر القائل: «إما حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ
العدا».
وهنا
تكمن الكارثة الحقيقية التي لا يريد الكثيرون الاعتراف بها، فالمشكلة لم تعد في
سلطة تمارس سطوتها على الناس، بل في الإنسان الذي اعتاد سطوة السلطة حتى أصبح يخشى
فقدان ما تبقى له من فتات أكثر من خوفه على ضياع مستقبله ومستقبل أبنائه. وهنا
تتحول المأساة من فعل يرتكبه الحاكم إلى ثقافة يتبناها المحكوم، فيصبح المظلوم
مدافعًا عن ظالمه، والفقير حارسًا لمصالح من تسبب بفقره، والمقهور عدوًا لكل من
يحاول كسر القيود التي اعتادها. وهذه هي قمة المهزلة الإنسانية؛ أن يصل الإنسان
إلى مرحلة يرى فيها أن المطالبة بحقه جريمة، وأن السكوت عن سرقة مستقبله حكمة، وأن
الخوف على لقمة عيشه يبرر له التنازل عن كرامته. ولكن أي لقمة هذه التي تُشترى من
كرامة الإنسان؟ وأي حياة تلك التي يقضيها المرء في حساب خطواته وكلماته خوفًا من
غضب أصحاب السلطة؟ إن الشعوب لا تموت عندما تجوع، بل تبدأ بالموت الحقيقي عندما
تفقد إحساسها بالجوع، ولا تُهزم عندما تُكسر إرادتها بالقوة، بل عندما تقنع نفسها
بأن العجز قدر لا مفر منه. أما الذين يتخذون من قطع الأرزاق وسيلة لإسكات الأفواه،
فهم لا يدركون أنهم يصنعون بأيديهم أسباب سقوطهم الأخلاقي، لأن السلطة التي تحتاج
إلى تجويع الناس كي تضمن طاعتهم ليست سلطة تحترم مواطنيها، بل سلطة تخشى وعيهم.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يواجهه كل عراقي مع نفسه: هل جئنا إلى هذه الدنيا لنعيش
عبيدًا لخوفنا، أم لنعيش أحرارًا في وطننا؟ فمن رضي أن يكون ثمن بقائه صامتًا هو
كرامته، فلا يلومنّ غدًا من يسرق ما تبقى له، لأن من يتنازل عن حقه مرةً خوفًا على
رزقه قد يجد نفسه في النهاية بلا حق ولا رزق ولا كرامة.
فاخرجوا
من أجل لقمة عيشكم، أو من أجل مستقبل أبنائكم، أو حتى من أجل إيمانكم، فبقاء هذه
السلطة سيؤدي بكم إلى الخروج عن الإرادة الإلهية في الوقت القريب. وأثبتوا
لأنفسكم، لمرة واحدة، أنكم تملكون غيرة على أنفسكم ووطنكم، ولا تكونوا مثل الحمار
في هذه الحياة.
الخلاصة...
هنا لن أقول: «خذوني من هنا فقد جردوني من كل شيء»، وأنا باقٍ. وما في هذه السطور
اليوم دعوة للخروج عليكم، وغدًا سوف أحلّ للناس رقابكم ودماءكم، فالقاعدة تقول:
«قطع أعناق ولا قطع أرزاق».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق