عملية
تركيع القارة العجوز
تحت
عنوان
ماذا
يحدث هناك؟
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
قبل
ولاية السيد ترامب بمدة، كان لي مقال بعنوان (ترامب أعظم ما أنجبت الولايات
المتحدة)، ولم يعلم أحد لماذا كُتب هذا المقال بهذا العنوان المستفز، ولكن الحقيقة
أنه لم يكن مجرد عنوان مستفز، بل إن القضية أكبر بكثير مما تتصور، عزيزي القارئ.
فالمسألة
لم تكن يومًا مرتبطة بشخصية رئيس أو بطبيعة تصريحاته، وإنما بقراءة عقلية سياسية
تتعامل مع العالم بوصفه ساحة مصالح، لا ساحة مبادئ، ومع الدول بوصفها أدوات يمكن
تحريكها أو الضغط عليها وفقًا لمقتضيات المرحلة. ومن هنا، فإن فهم شخصية ترامب لا
يكون من خلال ما يقوله أمام الكاميرات فحسب، بل من خلال ما يمكن أن تحققه سياساته
من نتائج على مستوى إعادة توزيع القوة والنفوذ. فهناك فرق كبير بين من يقرأ الحدث
بعد وقوعه، ومن يحاول قراءة الغايات التي قد تقف خلف صناعته.
هناك مثل
عربي مفاده: (الذي ما يجي بذهب الوالي يجي بسيفه)، وهذا ما انتهجه قادة أمريكا،
وما تراه اليوم من ممارسات الفوضى والشغب التي تملأ شوارع العواصم الأوروبية لم
يكن حدثًا عارضًا كما يظن الكثيرون، ولكن الأمر برمته مرتبط بالمواقف الأوروبية
تجاه حرب الخليج الأخيرة، وحالة الرفض للدخول في مغامرات الرئيس الأمريكي.
إن سياسة
إخضاع الدول لا تقوم دائمًا على استخدام القوة العسكرية المباشرة، فهناك وسائل
أخرى قد تكون أشد تأثيرًا وأطول عمرًا، تبدأ بالضغط الاقتصادي، ولا تنتهي بإشعال
الخلافات الداخلية واستثمار الأزمات الاجتماعية. فالدولة التي لا تستطيع إرغامها
على اتخاذ موقف معين بالقوة، قد تحاول دفعها إلى ذلك من خلال جعل كلفة الرفض أعلى
من كلفة الاستجابة. وهنا تكمن خطورة السياسة عندما تتحول المصالح الاقتصادية إلى
أدوات ضغط، وتصبح الأزمات الداخلية جزءًا من معادلة الصراع الخارجي. ومع ذلك، فإن
ربط الاضطرابات التي تشهدها أوروبا بجهة خارجية محددة يحتاج إلى أدلة، لأن الفوضى
قد تكون نتيجة أسباب داخلية أيضًا، وقد تتداخل العوامل الداخلية والخارجية في
صناعة الحدث.
المؤشرات
... نرى
ونسمع منذ شهور التقلبات في موقف الإدارة الأمريكية بشأن حسم الصراع الدائر في
الخليج، وقد يعزو الكثير من المحللين الأمر إلى إنهاك القوات الأمريكية في الحرب،
وهذا غير صحيح. ولكن، لو نظرت إلى الأمر من زاوية ثانية، لأدركت أن السيد ترامب
ينتظر أمرًا يستند إلى استمرار حالة غلق المضائق، ففي زوايا البيت الأبيض، كل شيء
بقدر.
إن
الحروب لا تُقاس دائمًا بما تحققه الجيوش على الأرض، وإنما بما تتركه من آثار على
الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من خيارات على الدول التي تجد نفسها أمام أزمات
متلاحقة. فالمضائق البحرية ليست مجرد ممرات تعبر من خلالها السفن، بل شرايين
اقتصادية تتحكم في حركة التجارة والطاقة، وأي اضطراب فيها يمكن أن يتحول إلى أزمة
تتجاوز حدود المنطقة التي تشهد الصراع. ومن هنا، فإن قراءة الأحداث تتطلب النظر
إلى المصالح التي قد تنتج عن استمرار الأزمة، لا إلى نتائج المواجهة العسكرية
وحدها. ولكن الاستفادة من أزمة لا تعني بالضرورة أن المستفيد هو من صنعها، وهذه
نقطة لا بد من التمييز بينها عند تحليل المشهد السياسي.
ولا تظن،
كما يُروَّج عن الرئيس الأمريكي، أنه شخص معتوه صاحب قرارات غير مدروسة، وقد يسأل
أحدكم هنا: ما الذي ينتظره من القارة العجوز، وهي تعاني أصلًا من عجز مالي
(المشاركة العسكرية)؟
نعم،
فالعقلية التي يُدار بها العالم اليوم، والتي وصفتها منذ زمن، هي عقلية تاجر
العقارات، والتي تُعرف عند العامة بـ(الدلّال). ولو عدنا إلى قراءة هذه الشخصية،
فسوف تجد أنها لا تملك قواعد أخلاقية تجاه مسألة الربح، وهذا معروف عند العامة.
ومن هذا المنطلق، كان لا بد من معاقبة القارة العجوز بإقامة حلف عسكري شامل، وها
نحن نرى النتائج.
إن عقلية
التاجر عندما تنتقل إلى إدارة العلاقات الدولية، قد تجعل الربح والخسارة المعيار
الأول في تحديد المواقف، حتى لو كان الثمن اضطراب علاقات تاريخية أو إضعاف حلفاء
سابقين. فالحليف الذي لا يحقق المنفعة المطلوبة قد يتحول، في هذه العقلية، من شريك
إلى عبء، ومن طرف يستحق الحماية إلى طرف ينبغي الضغط عليه كي يدفع ثمن الحماية أو
يتحمل كلفة قراره المستقل. وهنا لا تعود التحالفات قائمة على الثقة وحدها، بل تصبح
أقرب إلى العقود التجارية التي يمكن إعادة التفاوض عليها كلما تغيرت المصالح. غير
أن خطورة هذه العقلية لا تكمن في تحقيق المكاسب الآنية فحسب، وإنما في أنها قد
تهدم الثقة التي تحتاج إليها الدول لبناء استقرار طويل الأمد. فالدولة التي تجعل
مصالحها فوق جميع الاعتبارات قد تكسب جولة، لكنها قد تخسر ثقة حلفائها في الجولات
القادمة.
أمريكا
لا تكذب ... ليس
لأنهم صادقون، لا سامح الله، ولكن بسبب أنهم هم من يصنعون الحدث، وهم من يختارون
الزمان والمكان. فعندما قالوا إنهم سوف يسقطون النظام في العراق، كانت هناك سنوات
تفصل بين التصريح وحدوث ذلك، وهذا بسبب ضمان إنهاك العامة وإضعاف المقاومة في حال
وجودها، وهذا ما حصل.
وقبل
سنة، قالوا إنهم سوف يسقطون النظام الإيراني وحلفاءه في المنطقة، ولهذا أقول
لسياسيي الصدفة: احزموا حقائبكم، وسوف يحدث هذا، وسوف يكون هناك حلف على خلفية
الأحداث التي تشهدها أوروبا اليوم. فالمسألة مسألة وقت لا أكثر، وتذكروا هذه
الكلمات.
إن أخطر
ما في القوة الدولية ليس قدرتها على تنفيذ قرار عسكري فحسب، وإنما قدرتها على جعل
الآخرين يعيشون تحت ضغط التوقع المستمر لما قد يحدث. فالتصريح السياسي قد يتحول
إلى أداة ضغط قبل أن يتحول إلى فعل، والتهديد قد يحقق بعض أهدافه من خلال دفع
الخصم إلى إعادة حساباته، حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة. وعندما تعيش الدول في
حالة انتظار وقلق، فإنها قد تتخذ قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف طبيعية، وقد تنفق
مواردها على الاستعداد للخطر بدلًا من توجيهها إلى التنمية والاستقرار. وهذه إحدى
صور الهيمنة التي لا تحتاج دائمًا إلى احتلال الأرض، لأنها قد تبدأ بالسيطرة على
حسابات الآخرين، وتنتهي بالتأثير في خياراتهم. لكن التاريخ لا يسير وفق جدول زمني
ثابت، والتصريحات السياسية لا تكفي وحدها لإثبات أن كل ما يُعلن سيتحقق بالصورة
نفسها التي رُسمت له.
ولهذا
أقول لسياسيي الصدفة: إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدولة هو أن تتعامل مع الأحداث
بعقلية رد الفعل، وأن تنتظر حتى تقع الكارثة لتبدأ البحث عن أسبابها. فالسياسة
ليست مجرد تصريحات تُطلق في المؤتمرات، ولا مواقف تُتخذ تحت ضغط الشارع، وإنما
قدرة على قراءة المصالح وتقدير النتائج قبل وقوعها. ومن لا يمتلك مشروعًا مستقلًا
لحماية مصالح بلاده، سيجد نفسه في نهاية المطاف جزءًا من مشروع يضعه الآخرون، سواء
أدرك ذلك أم لم يدركه.
نحن أمام
حدث جلل ... يُروّج
الكثيرون أننا على أعتاب الحرب العالمية الثالثة، وهذا غير صحيح، فليس من مصلحة
الحكومة الخفية اليوم خراب الأرض، ولكن أصحاب مشاريع الهيمنة العالمية يُعِدّون
لإعادة تغيير الخرائط على الأرض، ونحن اليوم بتنا قريبين جدًا من عصر المقاطعات
الذي حذّرت منه من قبل، وهذا يعني صهر مفهوم الدولة وتقسيم المجتمع المُجزّأ لغرض
السيطرة المطلقة على الموارد الطبيعية.
إن
السيطرة على العالم لا تعني بالضرورة أن يرفع طرف ما علمه فوق جميع العواصم، فهذه
صورة تقليدية للهيمنة تجاوزتها أشكال كثيرة من الصراع الحديث. فقد تصبح السيطرة
أكثر فاعلية عندما تتحول الدول إلى كيانات عاجزة عن اتخاذ قراراتها الاقتصادية
بصورة مستقلة، أو عندما تصبح مواردها مرتبطة بإرادة قوى خارجية، أو عندما تنشغل
مجتمعاتها بصراعات داخلية تستنزف طاقاتها وتمنعها من بناء مشروع وطني جامع. وعندها
قد تبقى الحدود مرسومة على الخرائط، وتبقى الأعلام مرفوعة فوق المباني الرسمية،
لكن القرار الحقيقي يصبح موزعًا بين مراكز قوة لا تخضع بالضرورة لإرادة الشعب.
وهنا تكمن خطورة تفكيك مفهوم الدولة، لأن الدولة ليست حدودًا جغرافية فقط، بل
مؤسسات وسيادة وهوية ومصالح مشتركة.
أما
الموارد الطبيعية، فهي في كثير من الأحيان جوهر الصراع الذي تختبئ خلفه الشعارات
الكبرى. فكم من أزمة رُفعت فيها رايات الأمن والاستقرار، بينما كانت المصالح
الاقتصادية حاضرة في حسابات الأطراف المتصارعة؟ وكم من دولة امتلكت ثروات هائلة،
لكنها عجزت عن تحويل تلك الثروات إلى قوة حقيقية بسبب ضعف مؤسساتها وتنازع القوى
على قرارها؟ إن امتلاك الثروة لا يعني امتلاك القوة بالضرورة، لأن القوة الحقيقية
تبدأ من قدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية قرارها، وتنتهي بقدرتها على منع
الآخرين من تحويل حاجتها الاقتصادية إلى وسيلة لإخضاعها.
الحلول
الاقتصادية بطعم الحرب ...
سوف يجد القادة في أوروبا أنهم أمام خيار وحيد
للخروج من هذا المأزق، ليأتي الحل من أروقة البيت الأبيض بتشكيل حلف لفتح المضائق
وتلقين درس لكل من تسوّل له نفسه اللعب مع الكبار، كما يصفون أنفسهم. عندها سوف
يكون هناك حسم قاسٍ، لا رحمة فيه لأحد، وسوف تكون هناك أسماء لدول لم نسمع بها من
قبل، برعاية أوروبية، وكأن الأمر برمته، في نظر الإدارة الأمريكية، كالمثال
القائل: (بحجة بيبي تاكل ماما).
إن أخطر
الحلول السياسية هي تلك التي تُقدَّم للدول على أنها المخرج الوحيد من أزماتها،
لأن الدولة عندما تصل إلى مرحلة الاعتقاد بأنها لا تملك سوى خيار واحد، تكون قد
فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على المناورة واتخاذ القرار المستقل. وقد تبدأ
المسألة بأزمة اقتصادية، ثم تتحول إلى حاجة أمنية، وبعدها يصبح التدخل العسكري،
الذي كان مرفوضًا بالأمس، حلًا مقبولًا تحت ضغط الضرورة. وهنا تتداخل المصالح
الاقتصادية مع الحسابات العسكرية، ويصبح السؤال الحقيقي: من الذي سيدفع الثمن، ومن
الذي سيحصد النتائج؟ فالدول التي تدخل التحالفات وهي تعتقد أنها تحمي مصالحها قد
تجد نفسها، في بعض الحالات، تتحمل أعباءً تفوق المكاسب التي حصلت عليها، بينما
تكون القوى الأكثر نفوذًا قد رتبت حساباتها بطريقة تضمن لها مساحة أوسع للحركة.
وليس من
الضروري أن تكون كل التحالفات مؤامرات، أو أن يكون كل تعاون عسكري مقدمة للهيمنة،
ولكن الخطأ يبدأ عندما تتعامل الدول مع التحالف بوصفه ضمانة مطلقة، من دون أن تسأل
عن حدود التزاماتها، وعن طبيعة الأهداف التي تسعى إليها الأطراف الأخرى. فالسيادة
لا تُقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها الدولة، وإنما بقدرتها على معرفة ما الذي
تريده من تلك الاتفاقيات، وما الذي تستطيع رفضه عندما تتعارض مع مصالحها الوطنية.
أما الدول التي تدخل الصراعات من دون حساب دقيق للعواقب، فقد تجد نفسها تدفع
فاتورة قرارات لم تكن صاحبة القرار الأول في اتخاذها.
الخلاصة ... الكارثة
الاقتصادية التي سوف تغيّر وجه العالم، وهذا ما حذّر منه الكثير من الخبراء
الاقتصاديين منذ عقود، حيث سوف تكون هناك صورة للعالم لم نعرفها من قبل. وفي
النهاية، نسأل الله أن يحفظ الخير على هذه الأرض، فالشر أصبح في كل مكان، وتحول
فيه الإنسان إلى الصور التي نشاهدها اليوم على التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي:
(بشر فوضوي) يسرق وقد يقتل، والله المستعان على ما يفعلون بنا.
إن
العالم لا يتغير فقط عندما تتحرك الجيوش أو تتبدل الحكومات، بل يتغير أيضًا عندما
تنهار الثقة بين الدول، وتتحول المصالح المشتركة إلى أدوات ابتزاز، ويصبح الاقتصاد
سلاحًا يُستخدم لإجبار الشعوب على قبول ما لم تكن لتقبله في الظروف الطبيعية.
وعندها لا تكون الكارثة في ارتفاع الأسعار أو تراجع العملات وحدهما، بل في اتساع
الفجوة بين من يملكون القدرة على توجيه الأحداث ومن يتحملون نتائجها. فالشعوب التي
لا تشارك في صناعة القرار غالبًا ما تكون أول من يدفع ثمنه، بينما يبقى أصحاب
المصالح بعيدين عن مشاهد المعاناة التي تتركها قراراتهم.
وفي
نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا أن العالم لا تحكمه
النوايا المعلنة وحدها، وإنما تحكمه المصالح وموازين القوة، وأن الوعي بهذه
الحقيقة هو الخطوة الأولى لحماية المجتمعات من التلاعب بمصائرها. فلا يكفي أن
ننتظر ما سيحدث، بل علينا أن نفهم لماذا يحدث، ومن المستفيد منه، وما الثمن الذي
ستدفعه الشعوب. نسأل الله أن يحفظ الخير على هذه الأرض، وأن يجنب البشرية شرور
الحروب والفوضى، لأن الإنسان الذي يفقد إنسانيته في صراع المصالح يصبح أخطر من
السلاح الذي يحمله، والله المستعان على ما يفعلون بنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق