بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 8 أغسطس 2026

قراءة في كتاب

 كتب لا أنصح بقراءتها.. (الكافي)

تحت عنوان:

كتب روائية اكتسبت قدسية

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين 


منذ البارحة أتممت قراءة كتاب (الكافي) للمؤلف محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر، المعروف بـ  الكليني أو ثقة الإسلام الكليني ، المولود في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، والمتوفى سنة 329هـ/941م في بغداد، وهي السنة نفسها التي تُعرف في التاريخ الإمامي بـ  سنة الغيبة الصغرى الأخيرة ووفاة علي بن محمد السمري، آخر السفراء الأربعة للإمام المهدي وفق الاعتقاد الإمامي الاثني عشري.

 

العنوان... يبدو أن الكاتب اختار هذا العنوان من باب اقتناعه بأن المادة المكتوبة تكفي للقارئ، وأنه قد جمع علوم الأرض وما عليها، ويبقى هذا من وجهة نظر الكاتب، التي لم أقتنع بها.

 

أيديولوجية الكتابة... قد بدا لي، عند الانتهاء من قراءة الكتاب، أن الرجل قد جمع روايات تعتمد على النزعة الروائية التي تتوزع ما بين الحقيقة والخيال، حيث اعتمد في منهجية الكتابة على الجمع العشوائي لما توفر من روايات، دون إسنادٍ واضح لبعضها، وإخضاعها لمسألة منها الضعيفة ومنها المقبولة ، وهذا ما يذهب بالمادة المكتوبة إلى الرواية السردية التي تفتقر إلى القاعدة العقلية في التعامل مع النص.

وليس هذا فحسب، ولكن هناك أيضًا عدم وجود تصنيف صريح للروايات عند عرضها؛ فالقارئ يجد الروايات متتابعة ضمن الأبواب، بينما يأتي الحكم على السند لاحقًا عند علماء الحديث والدراية. ومن الناحية البحثية الحديثة، كان سيكون أكثر وضوحًا لو صاحب كل رواية بيانٌ منهجي لدرجة سندها.

حيث إن (الكافي) ليس إنشاءً حديثيًا من الصفر، بل اعتمد الكليني على أصول ومجاميع روائية سابقة كانت متداولة قبله، وهذا يجعل سؤال عن أصل الرواية وتاريخ انتقالها قبل وصولها إلى الكليني سؤالًا ضروريًا في التحقيق التاريخي.

وتشير الدراسات المتعلقة بتحقيق (الكافي) إلى تأثره بالمصادر السابقة عليه واختلاف نقل الرواية الواحدة بين المصادر، وهذا ما أبرز إشكالية تعدد الروايات وتعارضها .

ومن أبرز المشكلات المنهجية في الموروث الحديثي عمومًا وجود روايات متعارضة في القضية الواحدة. وهنا لا يكفي مجرد جمع الروايات، بل يحتاج الباحث إلى معيار واضح لترجيح إحداها على الأخرى: (السند؟ القرآن؟ العقل؟ الشهرة؟ موافقة الأصول؟)

لتبرز قضية مهمة... وهي تأخر عملية التصحيح الحديثي عن مرحلة الجمع ؛ فالكليني جمع المادة الروائية، ثم جاء بعده علماء اشتغلوا بصورة أكبر على تصنيف الأسانيد والحكم عليها. ولذلك لا ينبغي التعامل مع الكتاب كما لو كان (صحيحًا) وفق مفهوم الكتب التي صُنفت أصلًا على شرط الصحة.

الكافي ... عندما تتحول الرواية إلى حقيقة .. المشكلة في كتاب الكافي ليست في وجود رواية ضعيفة او رواية غريبة او رواية لا يستطيع العقل ان يتقبلها، فهذه وحدها ليست المشكلة الكبرى، لان وجود مثل هذه الروايات يمكن ان يكون مقبولآ في كتاب يقوم على جمع الموروث الروائي، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في المنهج الذي تم من خلاله جمع هذه المادة، ثم في الطريقة التي تحولت بها هذه الروايات مع مرور الزمن من مجرد روايات تحتاج الى التحقيق والتدقيق الى حقائق عقدية اكتسبت نوعآ من القدسية التي جعلت الاقتراب منها او مساءلتها امرآ يثير حساسية كبيرة.

 

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية...عندما تقرأ الكافي تجد نفسك امام كم هائل من الروايات المنقولة عن رواة، والرواة عن رواة، حتى تصل الرواية في نهاية المطاف الى المؤلف، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل وصول الرواية الى الكليني يعني بالضرورة ان الرواية صحيحة؟

بالطبع لا...

فالكليني لم يكن حاضرآ في مجالس الائمة، ولم يكن شاهدآ على معظم الاحداث التي يرويها، وانما اعتمد على ما وصل اليه من روايات ومصادر ومجاميع روائية سبقت عصره، وهذا يعني ان الرواية قبل ان تصل الى الكتاب قطعت طريقآ طويلآ من النقل، وفي كل مرحلة من مراحل هذا الطريق هناك انسان ينقل عن انسان.

وهنا اضع اصبعي على الجرح...

من يضمن لنا ان كل من مرّت الرواية من خلالهم كانوا اهلآ للثقة؟

ومن يضمن لنا ان الرواية لم يدخل عليها النقص او الزيادة او الخطأ او الوهم؟

ومن يضمن لنا ان الذاكرة البشرية التي حملت هذه الروايات لعقود او قرون لم تكن سببآ في تغيير شيء من مضمونها؟

هذه ليست اسئلة عدائية، وانما هي اسئلة المنهج.

والغريب ان البعض يتعامل مع هذه الاسئلة وكأنها اعتداء على المقدسات، بينما الحقيقة ان الكتاب نفسه يحتاج الى هذه الاسئلة حتى يمكن معرفة ما الذي يمكن قبوله وما الذي يجب رفضه.

ثم تأتي مشكلة اخرى اكثر وضوحآ... الكليني جمع الروايات، لكنه لم يقدم للقارئ امام كل رواية شهادة تقول هذه صحيحة وهذه ضعيفة وهذه موضوعة.

بل وضع الروايات داخل ابواب متعددة، ثم جاء علماء الحديث والدراية بعده ليمارسوا عملية الفرز والتصحيح والتضعيف.

وهنا أسأل: اذا كان الكتاب يحتاج بعد مؤلفه الى علماء يأتون بعد قرون حتى يحددوا الصحيح من الضعيف، فكيف تحول الكتاب عند البعض الى مصدر لا يجوز الاقتراب منه بالنقد؟

أليس من المفترض ان يكون النقد سابقآ على بناء العقيدة، وليس ان تبنى العقيدة ثم نبحث بعد ذلك عن الرواية التي تؤيدها؟

وهنا تظهر واحدة من اخطر المشكلات في الكتاب...

عناوين الابواب نفسها... فحين يضع المؤلف بابآ عن علم الائمة بما كان وما يكون، او بابآ عن علمهم، او بابآ عن النص عليهم، او بابآ عن الجفر والجامعة ومصحف فاطمة، فهو لا يقدم للقارئ مجرد روايات مبعثرة، وانما يضعها داخل سياق معين يجعل القارئ ينظر اليها من خلال العنوان الذي وضعه المؤلف.

وهنا تصبح المسألة اكبر من رواية.. تصبح المسألة بناءآ فكريآ كاملآ.

والسؤال الذي لا بد من طرحه:

هل الرواية هي التي صنعت العنوان؟ .. ام ان العنوان اصبح هو الذي يوجه القارئ الى الطريقة التي يفهم بها الرواية؟

وهذه نقطة خطيرة في منهجية التعامل مع النص.. ثم نأتي الى مسألة اخرى لا يمكن تجاوزها...

 

تعارض الروايات.. روايات متعددة في القضية نفسها، ومضامين مختلفة، واحيانآ روايات يصعب الجمع بينها، ثم يأتي الباحث بعد ذلك ليبحث عن طريقة للتوفيق بينها او ترجيح بعضها على بعض.

وهنا اسأل:

اذا كانت الروايات جميعها طريقآ الى الحقيقة، فلماذا تختلف؟

واذا اختلفت، فمن الذي يملك معيار الحقيقة؟

(السند / ام القرآن / ام العقل / ام رواية اخرى / ام الشهرة / ام الاصول)

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لاننا نكتشف ان الرواية وحدها لا تستطيع ان تكون الحكم على نفسها.

فالرواية تحتاج الى سند.. والسند يحتاج الى رجال.. والرجال يحتاجون الى توثيق.. والتوثيق يحتاج الى معيار.. والمعيار يحتاج الى مرجعية.. وبذلك نجد اننا دخلنا في دائرة لا تنتهي بمجرد القول: (قال الكليني)

فالكليني لم يكن معصومآ، والراوي لم يكن معصومآ، والكتاب لم ينزل من السماء وهذه الحقيقة يجب ان تبقى واضحة مهما ارتفعت مكانة الكتاب عند اتباعه وانا لا اقول ان الكافي لا قيمة له، بل على العكس، قيمته التاريخية كبيرة جدآ لمن يريد دراسة الفكر الروائي الامامي وتطوره، ولكن القيمة التاريخية شيء، وتحويل كل ما فيه الى حقيقة دينية مطلقة شيء آخر.

 

وهنا تكمن المفارقة... كتاب يحتاج الى التمحيص حتى نعرف الصحيح من الضعيف، لا يمكن ان يكون هو نفسه معيارآ نهائيآ للصحة وكتاب يحتوي على روايات تحتاج الى الترجيح والتأويل لا يمكن ان يتحول بمجرد شهرته الى كتاب فوق النقد والاكثر غرابة ان البعض عندما تواجهه برواية مشكلة من الكافي يقول لك: الرواية ضعيفة

ولكن هنا يأتي السؤال: اذا كانت ضعيفة، فلماذا وجدت طريقها الى كتاب يعده البعض من اهم كتب الرواية؟ .. واذا كانت صحيحة، فلماذا يحتاج مضمونها الى كل هذا التأويل؟ .. واذا كانت لا هذه ولا تلك، فلماذا لا يكون هناك منهج واضح منذ البداية يبين للقارئ حقيقة كل رواية؟

وهنا اصل الى النتيجة التي اراها واضحة بعد قراءة الكتاب:

الكافي ليس كتابآ معصومآ، وليس كل ما فيه صحيحآ، وليس كل ما فيه صالحآ لبناء عقيدة، وليس وجود الرواية بين دفتيه دليلآ على صحتها ومن يريد ان يدافع عن الكتاب فليدافع عنه بالمنهج، لا بالقدسية.

وليأتنا بالرواية وسندها ومصدرها وتاريخ انتقالها ومضمونها، ثم ليترك للعقل حق السؤال.. لانني لا اخشى الرواية التي تستطيع ان تقف امام النقد.. انا اخشى الرواية التي تحتاج الى منع السؤال حتى تبقى واقفة.

ولهذا اقولها بصراحة: اذا كان الكافي يحتاج الى قرون من علماء الرجال حتى نعرف ماذا نقبل منه وماذا نرفض، فهذه وحدها كافية لنعرف اننا امام كتاب روائي يحتاج الى التحقيق، لا امام كتاب مقدس يحتاج الى التسليم.

 

الخلاصة ... المشكلة في «الكافي» ليست في رواية ضعيفة أو أخرى غريبة، بل في القداسة التي أُحيط بها كتاب بشري، حتى أصبح نقد بعض رواياته عند البعض وكأنه نقد للعقيدة نفسها.

فالكليني ليس معصومًا، والرواة ليسوا معصومين، والكتاب ليس وحيًا، والرواية لا تصبح حقيقة لمجرد أنها وجدت مكانًا بين دفتيه.

إن كان النص صحيحًا، فليصمد أمام العقل والنقد. وإن كان ضعيفًا، فلا تنقذوه بالقداسة.. فالكتاب الذي يحتاج إلى قرون من العلماء لتمييز صحيحه من سقيمه، لا يمكن أن يُعامل وكأنه كتاب الحقيقة المطلقة.

وهنا أقولها بلا مواربة: اقرأوا «الكافي» بعقولكم، لا بقداسته؛ فالحقيقة لا تخشى السؤال، أما النص الذي يخاف من النقد، فربما كان أول ما يحتاج إليه هو النقد.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قراءة في كتاب

  كتب لا أنصح بقراءتها.. (الكافي) تحت عنوان: كتب روائية اكتسبت قدسية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين  منذ البارحة أتممت قراءة...