بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 3 أغسطس 2026

مقال

 

المقارنة بين (عاهرة) و(جماعات الإسلام السياسي)

تحت عنوان

عندما يُكسر جدار الصمت

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



قد يكون العنوان صادمًا جدًا لمن يهم بقراءة هذا المقال؛ لأنه سيتضمن حكاياتٍ قد لا يجرؤ أحد على سردها. وقد جاءت فكرة المقال من انتقادٍ وجَّهه إليَّ الدكتور عبد السلام الجبوري، أستاذ مادة التاريخ، حين قال لي: (لو كنتَ كتبتَ عن العاهرات بدلًا من موضوعك عن المدعو حسن البنا ومنهجية الإخوان المسلمين) والحق يُقال إنني أجد من الظلم للعاهرة أن توضع في مقارنة مع شراذم الإسلام السياسي.

وتبدأ الحكاية بأنني لم أدَّعِ المثالية يومًا؛ فأنا بشر أخطئ وأصيب، ومن هذا المنطلق سأبين للقارئ كيف يكون خطر العاهرة أقل بكثير من خطر هؤلاء، ومهما بلغت بالسوء فلن تصل إلى ما وصلت إليه الجماعات الإسلامية بجميع مذاهبها المتعارف عليها اليوم.

(الفرج فرجها، والأرض أرض الله) مثلٌ مقتبس من الذين يزاولون هذه المنهجية، وفيه دلالة واضحة على أن ذلك السلوك سلوك فردي، وأن من يتعامل معها لا يكون بالضرورة إنسانًا صالحًا أو رجلًا تقيًا، لكنه أيضًا لا يكون مصدر تهديدٍ اجتماعي شامل، وذلك على عكس آليات تلك الجماعات التي تدفع الكثيرين إلى نيل غضب الله.

 

السقوط الحر... هل تعلم أن من تزاول مهنة الدعارة تعيش مفهوم السقوط الحر بالمعنى الحقيقي للكلمة، حتى قد يصل بها الحال إلى إسقاط كل الثوابت التي يمكن أن يعتنقها بشر، وذلك بسبب فقدانها المعيار الوحيد المتعلق بعفتها؟ وهنا تحضرني مقولة الدكتور أحمد يونس ازعيتر: (إن كل شيء يمكن اكتسابه بعد فقدانه، إلا الشرف) وهذا ما يؤكد الفكرة التي أريد الوصول إليها.

 

تجربتي... في حقبة الشباب الأولى، وبينما كنا نحضر أحد الأعراس، أعجبتني امرأة رائعة الجمال من ناحية الشكل، وبعد تبادل النظرات اقتربت مني، وبعد التعارف طلبت مني أن أوصلها إلى منزلها، رغم أنه لم تكن بيننا معرفة سابقة. وما قد يستغربه القارئ أن قراري كان أقرب إلى الجنون، فهو طيش الشباب. وبعد مضي الوقت وتوطيد العلاقة، كان هناك طلب غريب جدًا منها، فبينما كنت جالسًا في منزلها أخرجت سلاحًا وقالت بالحرف الواحد: (أريد منك قتل زوجي) وهنا كانت ما يمكن أن أسميه **صحوة الوعي**؛ إذ قررت الانسحاب، ولم يكن ذلك من باب الجبن أو التخاذل أمام امرأة تربطني بها علاقة، وإنما كان تبيانًا للحقيقة التي قد يصل إليها البشر من السوء، ومع ذلك فإن هذا كله لا يقارن بما يفعله أشباه المتدينين من الأحزاب الدينية. ومع ذلك، فقد كان ذلك عملًا فرديًا، وبين فكرة الرفض والقبول يبقى هناك مفهوم واضح، وهو أن وقوع السوء -إن وقع- سيكون تصرفًا فرديًا، لا منهجًا قائمًا على التكفير والقتل الجماعي.

 

مجتمع لا يملك الإدراك الفكري... فبينما يستهجن فكرة ممارسات العاهرة، يحابي من هم أخطر بكثير من العهر، وذلك بسبب وجود نوعين من الخطر بين هذين النموذجين؛ فالأول يشمل تصرفات فردية، يعرف القاصي والداني أنها مذمومة، أما الخطر الثاني فهو الأكثر فتكًا؛ لأنه يحول العالم بأسره إلى عهرٍ من نوع آخر باسم الدين، فيكون فيهم من يتولى منصب (المرشد للضلال) ، وتكون وظيفته الرئيسية الإرشاد إلى ارتكاب المعاصي الجماعية باسم الذات الإلهية. وبما أن مجتمعاتنا اليوم تتعامل مع تلك الظواهر بهذه الطريقة، يستحضرني مثلٌ شعبي يقول: (يريدوها كبار كبار، يريدوها صغار صغار) ، وفي هذا دلالة على المعايير المتغيرة في التعامل مع الخطأ.

 

تصحيح سوء الفهم... قد يظن الكثير ممن يقرأ هذه السطور أنني أدافع عن السوء، لا سمح الله، ولكنها قضية تهدف إلى بيان الحق في القول والفعل. وما قمت به في هذا المقال هو عقد مقارنة بين السوء والأسوأ، وقد أكسر بهذه الكلمات جدار الصمت الذي يهابه الكثير في تصحيح المسارات الفكرية، وتحديد درجات القضايا التي يمكن من خلالها أن يكون مجتمعنا المعاصر في خطر كبير. وما ورد هنا جاء نوعًا من الرد على الاستهجان الذي أبداه كثيرون تجاه مقالي السابق.

 

المثالية نوع من الشرك بالله (والعياذ بالله)... اليوم، يبدأ كثير ممن تكلمهم حديثه عن الكمال الذي يريد الوصول إليه، وقد يعود ذلك إلى المفاهيم المغلوطة في الإرث الديني الذي وصل إلينا. وما لا يعلمه الكثير أننا لسنا آلهة ولا أنبياء، وإنما نحن بشر خلقنا من نفس ضعيفة، ومن هذا الباب يسعى كثيرون إلى الكمال، مع أن الكمال صفة من صفات الله عز وجل، ومنازعة الله في صفاته أمرٌ عظيم. فالخطأ وارد في حياتنا اليومية، ولو أدرك أحدنا هذا المفهوم لما بقي بيننا من يدعي أنه خالٍ من العيوب، ولو كانت هذه الشخصية موجودة بيننا لاستحقت أن تُعبد من دون الله، ولكن بسبب سوء فهم العامة للنصوص المتعلقة بالدين، وتأثر كثير من المنظرين في الإسلام بمفاهيم فلسفية مثل فكرة (المدينة الفاضلة) ، تجدهم يهرولون نحو تثبيت فكرة الوصول إلى المثالية والكمال، وفي هذا سذاجة لا يمكن تقبلها تحت أي مسمى، وهذا ما نجده في تلك الجماعات الإسلامية المنحرفة.

 

الخلاصة ... العاهرة ومن يتزعم تلك الجماعات، في معاييري الفكرية، لا يختلف أحدهما عن الآخر من الناحية الأيديولوجية، وإنما يكون الاختلاف في آلية التطبيق؛ فبينما يقوم الأول بقتل نفسه، يقوم الآخر بقتل الكثير من الناس بفكرٍ رسمه الشيطان، ليوهم الجميع بأن الحق باطل، والباطل حق. ولهذا ترى أننا فقدنا اليوم الجوهر الحقيقي للإسلام، حتى وصل الحال بي إلى أن أرى أن ممارسة المجون -رغم قبحها- أقل خطرًا من الانتماء إلى جماعة تلبس ثوب الحق لتخفي به الباطل، وهو أمر لا يقبله العقل، ولا يمكن مقارنته حتى بما فعله الشيطان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  مزايا القرف في هذا العالم تحت عنوان هذه حقيقة البشرية بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين نحمد الله على أن الهواء الذي نستنشقه ...