بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 29 يوليو 2026

مقال

 

في حياة كلٍّ منا... أحمق

تحت عنوان

صور من المجتمع

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قد يبدو للقارئ، للوهلة الأولى، أن العنوان يستخدم التعميم في القول، ولكن، وللأسف الشديد، هذه حقيقة لا يمكن حجبها.

فالحمق صفة لا تقتصر على الرجال دون النساء؛ فالأحمق هو الشخص الذي يفتقر إلى حسن التقدير، فيتصرف أو يتكلم دون تعقّل أو نظر في العواقب، فيكرر الأخطاء، ويغلب عليه سوء الحكم أكثر من نقص الذكاء، ولكن لا تستطيع وصفه بالغبي.

وللحمقى في مجتمعنا صور عديدة سوف نستعرضها، فربما تكون واحدًا منهم دون إدراكك لذلك، وربما يكون صديقًا، أو أخًا، أو أختًا، أو أحد الأقارب، أو أحد معارفك، ولهذا تكون أهمية الموضوع نابعة من ارتباطنا بهؤلاء.

 

كيف تعرفهم... والأمر هنا لا يشكو من تعقيد يُذكر؛ فالرجل الذي يستعبد للمال والنساء، والمرأة التي تبحث عن الشكليات، والصديق الذي طالما يبحث عن عيوبك ليتسلى بروايتها أمام الناس، والأقرباء الذين يشغلهم جمع المعلومات عن أقاربهم، لدرجة أن ذلك يصبح شغلهم الشاغل؛ فكل هؤلاء، وأكثر، هم عينة مما سوف يرد في هذه السطور، وكلهم حمقى في حياة كلٍّ منا.

 

هو شيطان وهو حيوان... ولنبدأ هنا من تراثنا الشعبي في مدينة الموصل؛ فهناك مصطلح يُطلق على أفعالهم، وهو  (غل مزاح) ، ويُقصد به ذلك الفعل الذي يُجند فيه المزاح لغرض (التنمر والغيبة والنميمة) . وهذا نوع لا يمكن إدراجه تحت مصطلح الغباء؛ لأنه احترافي في توظيف السوء بمقولات ضاحكة، ويُعد هذا النوع من أكثر الأنواع شيوعًا في مجتمعاتنا المعاصرة.

 

من يوصف بالشاطر... وما لا يعلمه الكثير أن (الشاطر) اسم من أسماء الشيطان، والعياذ بالله. وهذه أيضًا من الحماقة؛ فأشقى الناس يوم الحساب هو من يأتي بالإثم على أنه شطارة. وهؤلاء تجدهم متمسكين بما يُعرف بالممارسات التي تسهل عليهم الربح الدنيوي، حتى ولو كان ذلك على حساب الأفراد والجماعات، دون وازع ديني أو أخلاقي، وقد يُعد هذا النوع من الحماقة الأوسع انتشارًا اليوم.

 

الباحثون عن المشاكل... وهنا تكمن الكارثة؛ فهناك الكثير من البشر لا يستطيعون العيش دون مشكلة يتداولونها، فتراه مرة ناقلًا، وأخرى هو من افتعل الحدث، حتى قد يصل الأمر به إلى استيحاش السلام من حوله، بل إن الأمر قد يرتقي إلى أن يكون سلوكًا يشابه ما يُعرف في علم النفس بالشخصية المثيرة للدراما  (High-Conflict Personality)، وهو مصطلح يُستخدم لوصف أشخاص يدخلون باستمرار في صراعات، ويلومون الآخرين، ويصعّدون الخلافات حتى في أبسط المواقف.

 

الحمقى لا يتعلمون... ولعل أكثر ما يميز هذه الفئة أنها لا تتعامل مع الخطأ على أنه تجربة، بل تتعامل معه على أنه منهج حياة. فمهما اصطدمت بالنتائج، ومهما خسرت من الناس، ومهما دفعت من أثمان، فإنها تعود إلى الفعل نفسه وكأن شيئًا لم يكن. ولهذا قيل إن العاقل يتعلم من خطئه، والحكيم يتعلم من خطأ غيره، أما الأحمق فلا يتعلم لا من هذا ولا من ذاك، لأنه يرى نفسه دائمًا على صواب، ويرى أن الكون كله هو المخطئ. ولهذا لا تجد الأحمق يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن مبرر جديد يستر به حماقته القديمة.

 

الأحمق عدو نفسه... ومن الغريب أن هذا الصنف لا يحتاج إلى عدو، لأنه يقوم بالمهمة بنفسه. يهدم ما بناه بيديه، ويكسر الجسور التي أوصلته إلى الناس، ثم يجلس يتساءل لماذا ابتعد الجميع عنه. يجرح من أحسن إليه، ويخاصم من نصحه، ويثق بمن يخدعه، ثم يعلن في نهاية المطاف أن الدنيا لا تستحق العيش. والحقيقة أن الدنيا لم تظلمه، وإنما ظلم نفسه حين جعل الحماقة مستشارًا دائمًا لكل قراراته.

 

بين الذكاء والحماقة... قد يكون الإنسان محدود العلم، لكنه حكيم في تصرفاته، وقد يحمل أعلى الشهادات، ولكنه لا يحسن إدارة موقف واحد في حياته. فالحماقة لا تقاس بمقدار ما يحمله الإنسان من معلومات، وإنما تقاس بمقدار الضرر الذي يصنعه لنفسه ولغيره. ولهذا نجد في الحياة أناسًا بسطاء، لكنهم أصحاب عقول راجحة، ونجد آخرين يتحدثون في كل شيء، ولا يحسنون شيئًا سوى صناعة الفوضى وإقناع أنفسهم أنهم أصحاب رأي.

 

الأحمق حين ينصح... ومن أعجب صور الحماقة أن يتحول صاحبها إلى واعظ للناس. فهو أول من يخالف ما يقول، وأول من يسقط في الفخ الذي حذر غيره منه. يعطي النصائح كما توزع المنشورات، لكنه لا يلتزم منها بشيء، حتى إذا واجهته بالحقيقة غضب، لأن الأحمق لا يكره شيئًا كما يكره المرآة التي تكشف صورته الحقيقية.

 

أخطر أنواع الحماقة... هي تلك التي ترتدي ثوب الفضيلة. فتجد صاحبها يتحدث عن الأخلاق وهو أول من يهتكها، ويتحدث عن الصدق وهو أكثر الناس كذبًا، ويتحدث عن الوفاء وهو أول من يغدر، ويتحدث عن الدين وهو يجعل منه وسيلة لتحقيق مصالحه. وهذه ليست مجرد حماقة، بل حماقة متخفية، لأنها تخدع الناس فترة من الزمن قبل أن تنكشف، وما أكثر الأقنعة التي سقطت حين جاءت ساعة الامتحان.

 

ولأننا نعيش بينهم... فإن المشكلة لا تكمن في وجود الحمقى، فهؤلاء وجدوا في كل زمان ومكان، وإنما تكمن في منحهم مساحة أكبر من حجمهم الحقيقي. فالأحمق إذا وجد من يصفق له، ظن نفسه حكيمًا، وإذا وجد من يخشاه، ظن نفسه قويًا، وإذا وجد من يصمت عنه، اعتقد أن الجميع يقر له بالصواب. ولهذا فإن أخطر ما يفعله المجتمع ليس صناعة الأحمق، بل صناعة الهالة التي تحيط به، حتى يتحول مع مرور الأيام إلى مرجع لمن هم أشد حماقة منه.

 

الخلاصة ... لا تبحث عن الأحمق في الطرقات، فربما كان يجلس إلى جوارك، أو يشاركك مجلسك، أو يملأ صفحات هاتفك كل يوم، وربما يكون أكثر الناس حديثًا عن العقل والحكمة. فالحماقة لا تلبس ثياب المهرجين، بل كثيرًا ما ترتدي بدلة أنيقة، أو تتزين بعبارات رنانة، أو تختبئ خلف ابتسامة مصطنعة.

إن أخطر الحمقى ليسوا أولئك الذين يجهلون، بل أولئك الذين يظنون أن كل ما يفعلونه صواب، وأن كل من يخالفهم عدو، وأن الاعتراف بالخطأ هزيمة. هؤلاء لا يصنعون لأنفسهم مستقبلًا، بل يصنعون للأوطان أزمات، وللمجتمعات شقوقًا، وللعلاقات الإنسانية قبورًا مفتوحة.

ولذلك، إن أردت أن تعرف مقدار الحماقة في مجتمع ما، فلا تنظر إلى عدد الحمقى فيه، فهؤلاء وجدوا في كل زمان، وإنما انظر إلى عدد الذين يصفقون لهم، ويدافعون عنهم، ويمنحونهم صكوك الحكمة وهم لا يحسنون حتى إدارة عقولهم.

ويبقى السؤال الذي لا يملك أحد الهروب منه... عندما انتهيت من قراءة هذه السطور، كم وجهًا مرَّ في ذاكرتك... وكم مرة خفت أن تكون إحدى تلك الوجوه هي صورتك في المرآة؟

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  في حياة كلٍّ منا... أحمق تحت عنوان صور من المجتمع بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين قد يبدو للقارئ، للوهلة الأولى، أن العنوان...