أحذروا... ما زالت النار تحت الرماد
تحت عنوان
تأجيج الخطاب الطائفي والقومي
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
بالحقيقة، لم أستغرب من فعل اللاعب الكردي في بطولة فخر
العرب، فهذا وغيره عبارة عن نتائج لممارسات ممنهجة بدقة متناهية، ولا شيء عشوائي
كما يظن البعض. والمسألة لم ولن تقف عند الإخوة الأكراد، فالقضية أكبر مما قد
يتصوره القارئ اليوم، والكثير قد يتساءل عن قصة تمردي على كل شيء في هذا البلد،
فمشكلتي ليست مع شخوصٍ ما بالتحديد، ولكن المشكلة تكمن في آليات عمل النظام بأسره،
الذي أوصلنا لمشاهدة هذه الممارسات الشاذة.
فانقلبت الدنيا على فعل اللاعب بالأمس، ولكن هذا يعتبر،
برؤيتي، قطرةً من فيض، ولمعرفة ما نحن عليه يجب أن تكون لنا القدرة على النظر في
المرآة لرؤية مدى قبح وجوهنا.
الصورة التي تُفرض علينا رؤيتها هي أننا قد تجاوزنا كل
حدود الطائفية والقومية من خلال دستور أعرج يرسخ مبدأ التعددية، التي تعتبر البذرة
الأولى للانقسام، وهنا تكمن أصل المشكلة، فهناك عملية تعبئة تُدار من المستفيدين
والمنتفعين من عملية قتل مبدأ الوطن، ومسح من الذاكرة مفهوم المواطنة، وهذا يشمل
من زاخو إلى الفاو، ولا أستثني أحدًا يُذكر من هذا.
وللخروج من هذا النفق، يجب انتهاج مبدأ مغاير في إدارة
البلد، يعتمد على منهجية الانتماء إلى الوطن، ولتسقط به كل الانتماءات التي تغذي
الصراعات الداخلية، والبداية تكون من حملة إعادة كتابة الدستور، وإيقاف العمل
بالنسخة الأولى لحين إعادة النظر في الفقرات التي تُبقي نار الفتن كامنة تحت
الرماد، والتي تشكل، بالغالب، ما تفرزه أعمال فردية لا تمثل الشرائح الاجتماعية في
هذا البلد.
وبسبب نقص الوعي عند المواطن اليوم، والذي كان أحد أبرز
أسبابه أن الفقرات الأساسية في بناء هذا النظام وضعت الحجر الأساس لبث روح التفرقة
تحت شعارات طائفية مرة، وقومية مرة أخرى، ولهذا يبقى الخطر قائمًا، وهو بمثابة
الشرارة التي سوف توقد النار التي ستحرق الجميع، فهي مسألة وقت لا أكثر.
وهذا بالإضافة إلى ترك المناهج التعليمية في المدارس
والجامعات بدون رقابة مركزية، من خلال إسناد الأمر لشخوص تنتهج معايير بعيدة كل
البعد عن المنهج وفكرة بناء وطن، والمضي في عملية بناء مقاطعات تساهم في شق الصف
الوطني، مما أدى إلى استهلاك العقل الاجتماعي، والمضي في الخضوع لمناهج مثل
الانتماء العشائري والطائفي والقومي بسبب غياب فكرة الوطن.
والحل لا يكون عبر بيانات التهدئة المؤقتة ولا من خلال
التصريحات التي تُطلق عند كل أزمة ثم تختفي بعد أيام، لأن أصل الداء ما زال
موجودًا ويتغذى كل يوم على حساب الوطن. فالعراق اليوم لا يحتاج إلى مسكنات إعلامية
بقدر حاجته إلى عملية جراحية حقيقية تُعيد تعريف معنى الدولة ومعنى المواطن ومعنى
الانتماء.
فلا يمكن بناء وطن وهناك من يُربي أبناءه على أن الطائفة
فوق الوطن، أو أن القومية أعلى من هوية العراق، ولا يمكن الحديث عن وحدة وطنية
بينما الخطاب السياسي والإعلامي وحتى الثقافي ما زال يقتات على تقسيم الناس وفرزهم
وفق الهويات الفرعية. ولهذا فإن أولى خطوات الإنقاذ تبدأ من إعادة صناعة العقل
العراقي، لا عبر الشعارات، بل من خلال مشروع وطني حقيقي يبدأ من المدرسة وينتهي
عند مؤسسات الدولة.
يجب أن تكون هناك رقابة صارمة على كل خطاب يزرع الكراهية
مهما كان مصدره، وأن يُمنع استغلال الرياضة والفن والتعليم والمنابر الإعلامية في
تأجيج الانقسامات، لأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل التي تُبنى
داخل العقول حتى يتحول المواطن إلى قنبلة مؤقتة تنفجر عند أول أزمة.
كما أن إعادة هيبة الدولة تبقى من أهم الحلول، لأن
الدولة الضعيفة تفتح الباب أمام صعود الولاءات البديلة، وكلما غابت سلطة القانون
حضرت سلطة الطائفة والعشيرة والقومية. ولهذا فإن بناء دولة قوية عادلة تُعامل
الجميع بمبدأ المواطنة هو الطريق الوحيد لإخماد النار قبل أن تتحول إلى حريق لا
يُبقي ولا يذر.
فنحن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن نعيد بناء
مفهوم الوطن بصورة حقيقية، أو أن نستمر في دفن رؤوسنا تحت الرمال حتى يأتي اليوم
الذي لن ينفع فيه الندم، لأن النار التي تُترك تحت الرماد لا تموت، بل تنتظر فقط
لحظة الريح.
الخلاصة ... لا يحق لأحد في هذا البلد أن يدّعي البراءة،
فالجميع شارك بصورةٍ أو بأخرى في صناعة هذا الخراب، إما بالصمت، أو بالتبرير، أو
بالتصفيق، أو بالركض خلف الهويات الضيقة وترك الوطن وحيدًا ينزف في منتصف الطريق.
فالعراق لم يسقط بيومٍ واحد، بل سقط حين تحولت الطائفة
إلى وطن، والقومية إلى عقيدة كراهية، والعشيرة إلى دولة، والمصلحة إلى مبدأ، وسقط
أكثر حين أصبح الإنسان يفرح لانتصار جماعته حتى وإن احترق البلد بأكمله.
لقد مات فينا الشعور الحقيقي بالعراق، وأصبح كل طرف
ينتظر لحظة ضعف الآخر ليشمت به، ناسياً أن السفينة إذا غرقت فلن تنجو مقصورة دون
أخرى، وأن النار حين تشتعل لن تسأل عن اسمك ولا مذهبك ولا قوميتك، بل ستحرق الجميع
دون استثناء.
ولهذا لا تخدعوا أنفسكم كثيرًا بشعارات التعايش الكاذبة،
لأن الحقيقة المرة هي أننا نعيش فوق أرض مليئة بالاحتقان، وأن كل أزمة تكشف حجم
التشقق الذي نخفيه خلف المجاملات والخطب الوطنية الرنانة.
وإن لم يراجع العراقي نفسه قبل أن يراجع الآخرين، فسوف
يأتي يوم نبكي فيه جميعًا على وطنٍ قتلناه بأيدينا، ثم وقف كل واحدٍ منا يتساءل:
من القاتل؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق