بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 26 مايو 2026

مقال

 

عند الله لا تُقبل أنصاف الحلول

تحت عنوان

مواسم التديّن

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



قبل أيام، عابَ أحدهم عملي، حيث قال: (اذهب، فكلُّ عملك انتقادُ الناس وسبُّ الذات الإلهية والعياذ بالله)... وأُشهد الله أنني لم أفعل ما قيل في حقي، فالذي مثلي لا يفعل هذا ولو كان السيف على رقبته. قد أكون مقصرًا، فأنا لا أخاف الموت لسببين؛ أولهما أنني أعرف الله وأؤمن به وبعظمته ورحمته التي هي أكبر من أي ذنب، والثاني أنني أعرف عملي وما فعلت.

فمنذ سنوات قلتها: (الدين هو علاقة شخصية بين العبد وربه)، ولكن ما نراه ونسمعه اليوم أن للتديّن مواسم.

وللتنويه... لا أقصد مذهبًا معينًا، إنما العالم الإسلامي بأسره.

والبداية هي من قضية الصراع ما بين الخير والشر، المتمثلة بالله عز وجل والشيطان لعنة الله عليه، وهذا ما خلق لنا مساحتين؛ هما الإيمان والكفر، ولكن ما لا يعلمه الجميع أن هناك أرضًا بينهما تُسمى في العلوم العسكرية بـ(أرض الحرام)، وهي المنطقة الفاصلة بين الجهات المتحاربة، وكل من يدخلها يكون في قائمة الخسائر مسبقًا، وتُسمى بالنفاق، ودخول هذه الأرض يكون من بوابة الرياء والعياذ بالله.

فالله لا يريد منك المجاهرة بالعبادة، وإذا ما يخص قضية التعبّد، فلن تعبد الله أكثر من الشيطان لعنة الله عليه، ولكن ما أخرجه من رحمة الله كان فعله، ظنًا منه أن العبادة قد تشفع له، وها نحن البشر اليوم نقع في نفس الخطأ. ولو نظرنا حولنا لدهشنا من كثرة مرتادي الجوامع والمتحدثين باسم الله، حتى لو تصفحت مواقع التواصل لوجدت الكل بلا استثناء، وهنا يكمن السؤال: (من يفعل السوء إذًا؟)

وللإجابة عن هذا السؤال ندرك أن الكثير اليوم دخل منطقة الحرام، فحديثه شيء وفعله شيء آخر، ولا أُبرّئ نفسي من هذا.

 

مناسبات دينية... اليوم عرفة، والجمعة مباركة، ومولد النبي مبارك، وعيد الغدير مبارك، وشهر محرم مجمع المناسبات الدينية التي يكثر فيها عدد المتدينين، ولكن ماذا عن بقية الأيام؟ ومن يقتل اليوم؟ ومن يسرق؟ ومن يكذب؟ ومن يفعل كل الأفعال التي نهى عنها الله عز وجل؟

الإجابة دائمًا أن أحدهم سوف يقول: (لا تعمم في القول، ففيه إثم عظيم).

وهنا تكون حجتي على هذا القول، فإن من لم يفعل السوء فالسكوت عنه أسوأ بكثير مما قد تتصور.

 

الإعلان وُجد للبضائع السيئة... نعم، ففكرة الإعلان بحد ذاتها وُجدت من أجل تسويق البضائع التي ليس لها حظ في قبول المتسوق، وكذلك حالنا اليوم، فالكثير يحرص على الإعلان عن إيمانه للناس من خلال مواقع التواصل، وكأن الأمر برمته للتباهي، وهذا ما يضعك فيما قد لا يُحمد عقباه.

أما فكرة الإيمان حسب الأهواء، فإن الأمر قد لا يرضي الله، وقد تعمدت في قول: (قد لا يرضي الله) لأنني لا أريد العمل بعمل الله والعياذ بالله.

فبدل الإعلان عن إيمانك أمام الناس، احرص على إظهاره يوم لقائه، فهناك لا شيء يسقط سهوًا، ولتكن قصة تقديم القرابين من أبناء آدم خير شاهد على حديثي هذا.

 

نحن اليوم لا نعيش أزمة دين ... بل نعيش أزمة ضمير، فالدين موجود في كل مكان؛ في المساجد، والحسينيات، والكنائس، وعلى الشاشات، وحتى في الصور الشخصية والمنشورات، ولكن أين أثر هذا الدين في التعامل والرحمة والصدق والخوف من الله؟ فالقضية لم تعد قضية عبادة بقدر ما أصبحت قضية استعراض، حتى بات البعض يظن أن كثرة الكلام عن الله تكفي للنجاة، ناسياً أن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الضجيج الذي نصنعه أمام الناس.

فكم من شخص يرفع شعارات التديّن وهو أول من يطعن ويؤذي ويكسر الخواطر ويأكل حقوق الآخرين، وكم من إنسان بسيط لا يتحدث كثيرًا عن الدين، ولكنه يحمل من الرحمة والإنسانية ما يجعله أقرب إلى الله من آلاف الخطب والكلمات. فالله لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالكلام بقدر ما يحتاج منك أن تكون صورةً حقيقيةً لما تؤمن به.

والمصيبة الكبرى أن البعض أصبح يتعامل مع الله بعقلية المواسم، ففي أيام معينة يتحول إلى إنسان مثالي، يوزع النصائح ويكثر من الأدعية والمنشورات الدينية، وكأن أبواب السماء لا تُفتح إلا في تلك المناسبات، ثم ما إن تنتهي حتى يعود كل شيء كما كان؛ ظلم، وكذب، وحقد، وأذية، وكأن الله حاضر في وقت وغائب في وقت آخر، والعياذ بالله.

إن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات التي تكتبها، ولا بعدد الصور الدينية التي تنشرها، بل يُقاس بما تفعله حين تكون وحدك، حين لا يراك أحد، حين تكون قادرًا على فعل السوء ثم تتراجع خوفًا من الله، فهناك يبدأ الإيمان الحقيقي، وهناك تسقط كل الأقنعة التي يرتديها البشر أمام بعضهم البعض.

 

الخلاصة ... تذكّروا جيدًا أن الله لا يُخدع بالمظاهر، ولا تغرّه كثرة الكلمات، ولا تعنيه تلك الوجوه التي تتبدل حسب المواسم والمناسبات، فكم من شخصٍ أتعب الناس بحديثه عن الدين وهو عند الله لا يساوي جناح بعوضة، وكم من عبدٍ أخفى إيمانه في قلبه فرفعه الله درجاتٍ لا يعلمها إلا هو.

إن أخطر ما قد يفعله الإنسان بحق نفسه، أن يعيش عمره كاملًا وهو يظن أن الناس هم الغاية، فيُتقن التمثيل أمامهم وينسى أن هناك ربًا يرى السرائر قبل الأفعال، ويعلم ما تخفيه الصدور قبل أن تنطق به الألسن، فالدين ليس ثوبًا نرتديه في المناسبات، ولا كلماتٍ نكتبها حين يشتعل ضميرنا لساعات ثم ينطفئ، بل هو خوفٌ حقيقي من الله حين لا يراك أحد.

فلا تجعلوا من الإيمان مسرحًا للتصفيق، ولا من العبادة وسيلةً لإقناع البشر، لأن يوم الحساب لن ينفعك فيه عدد المتابعين، ولا كثرة المنشورات، ولا الذين كانوا يصفقون لك، فهناك سوف تسقط كل الأقنعة، ويقف الإنسان وحيدًا أمام الله، لا يحمل معه إلا عمله الحقيقي ... قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾ سورة طارق صدق الله العظيم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  عند الله لا تُقبل أنصاف الحلول تحت عنوان مواسم التديّن بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين قبل أيام، عابَ أحدهم عملي، حيث قال: ...