بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 6 أبريل 2026

مقال

 

 إخوان الشياطين

تحت عنوان

قراءة في المشهد للإسلام السياسي لمدينة الموصل

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



ظهرت في الآونة الأخيرة مظاهر مريبة تديرها بعض الشخصيات التي تمثل جهة مما يُعرف بالإسلام السياسي، وهنا سوف نستعرض بعض الصور من فعاليات وأفعال تلفت الأنظار وتثير ما لا يبعث في القلب الأمان من تلك الجهات. ويبدو أن تلك الجماعات بدأت تستعد للتغيرات السياسية في المنطقة كوريث شرعي للقوة التي كانت تهيمن قبل الحرب، ولهذا كان لا بد من رسم صورة لما يجري في المدينة في العلن والخفاء، وقبلها يجب أن نستعرض بعض الأيديولوجيات لتلك الجماعة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن خطورة هذه التحركات لا تكمن في ظاهرها، بل في تراكمها الصامت الذي يعيد تشكيل الوعي الجمعي للمدينة بشكل تدريجي، حتى يصبح الأمر واقعاً مفروضاً لا يُناقش، بل يُسلَّم به كجزء من النسيج العام، وهذه هي أخطر مراحل التغلغل الفكري عندما يتحول الانحراف إلى أمر اعتيادي لا يثير التساؤل.

 

فكرة الحزب... لمن لا يعرف، إن كلمة "أحزاب" ومفردها "حزب" جاء ذكرها في القرآن الكريم كنوع من أوصاف الذم:

(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) صدق الله العظيم، سورة الروم - الآية 32.

ومن هنا نفهم أن الفكرة من الأصل هي من القضايا المكروهة، وقد يستغرب أحدكم اليوم: لماذا إذا كانت مكروهة كما ذُكر، هناك من تبناها؟ والسبب يكمن في إشكالية الأيديولوجيات الخاطئة في مسألة التطبيق، بما يخص المفاهيم الشرعية، وهذا لا يشمل فقط إخوان الشياطين.

وهذا يقودنا إلى إشكالية أعمق تتعلق بتحويل المفاهيم الدينية من إطارها الإيماني الروحي إلى أدوات تنظيمية مغلقة، تُدار بعقلية الانتماء لا بعقلية الإيمان، فتُصبح الفكرة بديلاً عن الحقيقة، والجماعة بديلاً عن الدين، وهنا تبدأ ملامح الانحراف الحقيقي الذي لا يظهر دفعة واحدة، بل يتسلل تحت غطاء الشرعية.

وللتنويه... إن جميع الفئات التي تحمل التطرف قد خرجت من ذات العباءة التي تمثل فكرهم ومفاهيمهم في قضية فهم الدين الإسلامي من الأصل.

 

موضع الخطأ... يتبنى إخوان الشياطين أيديولوجية إقامة الدولة ثم إصلاح الإنسان، وفي هذا ما لا يفضي إلى الهدف المنشود. ولو عدنا إلى بداية الدعوة في ذلك الوقت، سوف نرى أن قضية نشر الدعوة بدأت من الفرد، ثم العائلة، ثم المجتمع، وهذا ما لا يرضى به أحد منهم. وهذا ما له دلالات على أنهم أصحاب فكرة طالبي السلطة بغطاء الدين. وليس هذا فحسب، بل إنهم يتبعون منهجية الأقنعة أمام العامة، فيبدو للآخرين أحدهم حملاً وديعاً، ولكن الحقيقة أنه الذئب الذي يحتمي بفرو الخروف للتمويه وخداع العامة، وهذا ما أثبتته تجاربهم في بعض البلدان العربية.

وهذا الطرح يكشف خللاً جوهرياً في ترتيب الأولويات، إذ لا يمكن بناء كيان سليم على قاعدة إنسان لم يُبْنَ بعد، فالمعادلة مقلوبة منذ البداية، والنتيجة بالضرورة ستكون مشوّهة، لأن السلطة حين تُمنح قبل الوعي، تتحول إلى أداة قمع لا إصلاح، وإلى وسيلة هيمنة لا هداية.

 

ممارسات وظواهر في مدينة الموصل... (متحف إلكتروني، دار نشر، مدارس دينية، ودورات دينية للفتيات، ونشاط اجتماعي)، وكل هذا وأكثر على مرأى ومسمع الجميع. والغريب في الموضوع أن ما يجري له مؤشرات خطيرة أكثر مما قد تتصور. فعندما تزور مؤسسة تعليمية أو حكومية، مع العلم أن تلك الشخصية لا تحمل صفة رسمية، يكون ذلك في باب تعزيز تواجدهم وفرض أنفسهم كواقع يجب أن يرضخ له الجميع.

وهنا تكمن الإشكالية الأخطر، وهي محاولة تطبيع هذا الحضور في الوعي العام عبر أنشطة ظاهرها خيري وباطنها تنظيمي، حيث يتم ربط الناس بالخدمات لا بالمفاهيم، وبالاحتياج لا بالقناعة، فيتحول المجتمع تدريجياً إلى بيئة قابلة للتوجيه دون مقاومة، لأن من يملك مفاتيح الحاجة يملك مفاتيح القرار.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك تقليعات جديدة في تبني تلك الجماعات واجهة إعمار الجوامع في مدينة الموصل، وهنا أذكرهم بقول الله تعالى:

(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) صدق الله العظيم، سورة التوبة - الآية 19.

وفي هذا نهي عن الأخذ بالظواهر لخداع الناس باسم الدين كما يعتقدون، ففي مسألة التدين أوجه كثيرة يجب الأخذ بها، فالأرض مليئة بالفقراء، وهنا أستشهد بقول من التراث الشعبي المستوحى من مفهوم التدين:

(الذي يحتاجه المنزل يُحرَّم على الجامع)، وفي هذا مغزى عظيم في تبني مسألة الجوهر والابتعاد عن الشكليات، وهذه بالضبط الفكرة التي ينتهجها إخوان الشياطين في الموصل.

وهذا يعكس بوضوح الفارق بين التدين الحقيقي الذي يقوم على إصلاح الداخل، والتدين الشكلي الذي يكتفي بإظهار الخارج، فالأول يبني إنساناً حراً، والثاني يصنع تابعاً منقاداً، وبين الاثنين مسافة تُقاس بمدى استقلال العقل لا بمدى طول اللحية أو ارتفاع المنبر.

 

الخلاصة... الله عز وجل لا يحتاج إلى دور الوسيط، والعالم قد أُغلق فيه توافد الأنبياء بوفاة رسولنا الكريم محمد (ص)، كما يدّعون هم. ولك على المسلم اليوم النصيحة لا غير، فالإنسان وُلد وحده، ويدخل القبر وحده، وسوف يُبعث وحده، ولكل منا عقل يُدرك من خلاله التفريق بين الحق والباطل، مما يُلغي دور الوسيط.

وفي نهاية هذا المشهد الذي لم يعد قابلاً للتأويل أو حسن الظن، يتضح أن القضية لم تعد مجرد اختلاف في الرؤى أو تباين في الوسائل، بل تحوّلت إلى صراع بين وعي يُراد له أن يبقى حيّاً، وبين مشروع يُتقن فنّ التسلل حتى وهو يرتدي ثوب الفضيلة.

إن أخطر ما في الأمر ليس ما يُقال، بل ما يُمرَّر بصمت، وليس ما يظهر على السطح، بل ما يُزرع في العمق، حيث تُعاد صياغة العقول على مهل، حتى يصبح الإنسان وهو يظن نفسه حراً، مجرد صدى لفكرة لم يخترها.

وهنا، لا بد من قولها بلا مواربة: من يتخذ الدين سلّماً للسلطة، لن يتردد في كسر هذا السلّم فوق رؤوس من صعد بهم، لأن الغاية عنده ليست الهداية، بل السيطرة، وليست الحقيقة، بل الامتلاك.

فلا تُخدعوا بكثرة الأفعال، ولا بانسيابية الخطاب، فكم من مشروع بدأ بآية وانتهى بكارثة، وكم من شعارٍ رُفع باسم الله، وكان الله منه بريئاً.

إنها ليست دعوة للخوف، بل دعوة للاستفاقة… لأن المدينة التي لا تحرس وعيها، ستُحكم يوماً بأقنعة لا تُرى، وأصوات لا تُسمع، ولكن أثرها سيكون أثقل من أن يُحتمل... وحينها … لن ينفع الندم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    إخوان الشياطين تحت عنوان قراءة في المشهد للإسلام السياسي لمدينة الموصل بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين ظهرت في الآونة الأ...