هذا ما عنده شغل
تحت عنوان
تفاهة السلطة وإرهاصات منع التدخين في دوائر الدولة
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
الحقيقة وما دفعني لكتابة هذا الموضوع أنّني قد رأيت
منشورًا يشيد بقرار المحافظة بخصوص منع التدخين، ولستُ بهذا مع ظواهر التلوث
البيئي، ولكن لنأخذ الموضوع من زاوية أخرى، وهو باب التعدّي على الحريات الشخصية
(هناك قمع شخصي). ولو تتبعت بعناية تلك القرارات الخاصة بشأن التدخين سوف تشمّ
رائحة الجماعات الإسلامية في الموضوع فكلّهم من منبع واحد، ومن ضمنهم أصحاب
الرايات السود (كلاب النار)، ولهذا يجب علينا توضيح بعض القضايا الخاصة بالموضوع.
مسؤول حالم... فاليوم كثيرٌ من المسؤولين ينتمون إلى
طبقة عدم وجود إنجازات حقيقية أو إبداعية في عملهم، فيقوم بالبحث عن مواضيع تافهة
ليصنع منها ثوبًا تجميليًا يتكلم من خلاله عن فرض سلطته. والأغرب من كل ما ذكرت أن
البعض من رجال النظام يأخذ من تلك التفاهات حججًا لتصفية الحسابات، فالمسؤول غير
المدخّن لا يُعطيه الحق بأن يجعل كل من حوله على شاكلته. وفي هذا اضطهاد كبير إن
كانوا لا يعلمون؛ فأكثرهم ينطبق عليهم المثل الشعبي (الأفندي نايم ورجليه بالشمس).
فالكثير منهم دوائرهم تفتقر إلى أبسط الخدمات التي يجب
أن تُقدّم للعامة، ولو أتعب ذلك المسؤول نفسه ونظر حوله فسوف يجد أنّ هناك تقصيرًا
كبيرًا في عمله: فلا صحة، ولا زراعة، ولا صناعة، ولا حتى إنجازات علمية. فاليوم
أصبحت في بعض المؤسسات التعليمية زيارة المكتبة تُعتبر إنجازًا علميًا! وهذا بحق
يثير السخرية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل هناك الكثير من مدارسنا
اليوم على مستوى الابتدائي والمتوسط أو الإعدادي لا تملك مكتبة كتب أصلًا. وبعدها
يأتي أحدهم يطالب بالوعي الأخلاقي ونبذ العادات، وهو لم يقرأ كتابًا واحدًا على
الأقل بهذا الخصوص. وهذه صورة بسيطة للواقع، فهو – إذا ما أمعنّا النظر – أسوأ
بكثير مما قد تذكره هذه السطور.
الرؤى والواقع... جميل جدًّا أن يكون مجتمعنا خاليًا من
التلوث، ولكن السؤال: متى يكون هذا؟ والإجابة تكون عندما نجد أنفسنا في المستوى
الثالث في التصنيفات العالمية من ناحية تقديم الخدمات للمواطن. ولكن نحن اليوم
"ما تحت الصفر" بهذا المجال الخدمي.
فعندما لا تجد أبسط الخدمات الصحية متوفرة في المستشفيات
والمراكز الصحية، لا يكون باستطاعتك التحدّث عن الصحة، فهذا دليل على عدم إدراك ما
أنت عليه. فهناك مقولة مشهورة مفادها: "إذا ما أردت أن تُطاع فأمر
بالمستطاع". وغير ذلك يصبح الحديث في أبعاد أخرى لا يتمنى أحد من المسؤولين
الوصول إليها، ومفادها: "يدور بالخرا حب ركي" – وآسف هنا على بشاعة
التعبير، ولكن هم من وضعوا أنفسهم بهذا المستوى، فكان يجب عليهم الإمعان جيّدًا
قبل البحث عن قرارات تعتبر من قمّة التفاهة الفكرية ولا تليق بمسؤول بهذا الحجم.
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم ... للأسف، وهذه حقيقة، لم أجد اليوم مسؤولًا واحدًا يعمل
بهذه المقولة، وفي هذا دلالة على أنّ من هو في زمام السلطة اليوم لا يمتلك الوعي
الثقافي، فالكثير منهم شغل منصبه من حسابات المحاصصة الحزبية أو التفضيل العشائري.
ولهذا تجد جيلًا كاملًا منهم لا يمتلك أبسط المقومات التي تجعل منه إداريًا
ناجحًا، فيذهب للبحث عن التفاهات والترّهات ليصنع لنفسه أمجادًا مزيفة.
فعندما تكون عظيم الشخصية والمكانة يكون عليك بعض المهام
والقضايا التي تتجاوز عنها مراعاةً لأحوال من تولّيت أمرهم. ولكنني أجد في هذا
القرار فسحًا للمجال لبعض الشخصيات المريضة لتصفية الحسابات مع الآخرين. وجزء من
الواقع المرير أن يكون المسؤول دوما مرآة للنظام الذي ينتمي إليه. وهنا يكفي
اللبيب الإشارة.
الخلاصة... إن المواطن اليوم يعيش كمًّا هائلًا من
الأزمات التي تثقل كاهله، من نقص في كل متطلبات الحياة، فلا تكن أيها المسؤول ثقلًا
آخر يزيد العبء في البحث عمّا يساهم في إزعاج المزاج العام والقواعد الشعبية.
فكل هذا وأكثر ستكون له آثار نفسية مستقبلية، إذا ما كنت
أصلًا تفكر في بناء المستقبل. أمّا المسؤول القادم لغرض الاستعراض الإعلامي فهذا
لا تنفع معه كلمة تُكتب أو تُقال.
وليَعلم الجميع أنّ السُّكَارة – في مذهبي – (هي الحبيبة
الوحيدة التي لا تعرف الكذب، فإنها تحرق نفسها من أجلي). وقد يرى البعض في هذه
المقولة نوعًا من السذاجة، فسأرد عليهم: أن أكون ساذجًا خيرٌ لي من أن أكون يومًا
تافهًا وأجبر الناس على تحمّل تفاهتي، وهذا ما يفعله المسؤول اليوم.


