بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 28 نوفمبر 2025

مقال

 

 هذا ما عنده شغل

تحت عنوان

تفاهة السلطة وإرهاصات منع التدخين في دوائر الدولة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



الحقيقة وما دفعني لكتابة هذا الموضوع أنّني قد رأيت منشورًا يشيد بقرار المحافظة بخصوص منع التدخين، ولستُ بهذا مع ظواهر التلوث البيئي، ولكن لنأخذ الموضوع من زاوية أخرى، وهو باب التعدّي على الحريات الشخصية (هناك قمع شخصي). ولو تتبعت بعناية تلك القرارات الخاصة بشأن التدخين سوف تشمّ رائحة الجماعات الإسلامية في الموضوع فكلّهم من منبع واحد، ومن ضمنهم أصحاب الرايات السود (كلاب النار)، ولهذا يجب علينا توضيح بعض القضايا الخاصة بالموضوع.

 

مسؤول حالم... فاليوم كثيرٌ من المسؤولين ينتمون إلى طبقة عدم وجود إنجازات حقيقية أو إبداعية في عملهم، فيقوم بالبحث عن مواضيع تافهة ليصنع منها ثوبًا تجميليًا يتكلم من خلاله عن فرض سلطته. والأغرب من كل ما ذكرت أن البعض من رجال النظام يأخذ من تلك التفاهات حججًا لتصفية الحسابات، فالمسؤول غير المدخّن لا يُعطيه الحق بأن يجعل كل من حوله على شاكلته. وفي هذا اضطهاد كبير إن كانوا لا يعلمون؛ فأكثرهم ينطبق عليهم المثل الشعبي (الأفندي نايم ورجليه بالشمس).

فالكثير منهم دوائرهم تفتقر إلى أبسط الخدمات التي يجب أن تُقدّم للعامة، ولو أتعب ذلك المسؤول نفسه ونظر حوله فسوف يجد أنّ هناك تقصيرًا كبيرًا في عمله: فلا صحة، ولا زراعة، ولا صناعة، ولا حتى إنجازات علمية. فاليوم أصبحت في بعض المؤسسات التعليمية زيارة المكتبة تُعتبر إنجازًا علميًا! وهذا بحق يثير السخرية.

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل هناك الكثير من مدارسنا اليوم على مستوى الابتدائي والمتوسط أو الإعدادي لا تملك مكتبة كتب أصلًا. وبعدها يأتي أحدهم يطالب بالوعي الأخلاقي ونبذ العادات، وهو لم يقرأ كتابًا واحدًا على الأقل بهذا الخصوص. وهذه صورة بسيطة للواقع، فهو – إذا ما أمعنّا النظر – أسوأ بكثير مما قد تذكره هذه السطور.

 

الرؤى والواقع... جميل جدًّا أن يكون مجتمعنا خاليًا من التلوث، ولكن السؤال: متى يكون هذا؟ والإجابة تكون عندما نجد أنفسنا في المستوى الثالث في التصنيفات العالمية من ناحية تقديم الخدمات للمواطن. ولكن نحن اليوم "ما تحت الصفر" بهذا المجال الخدمي.

فعندما لا تجد أبسط الخدمات الصحية متوفرة في المستشفيات والمراكز الصحية، لا يكون باستطاعتك التحدّث عن الصحة، فهذا دليل على عدم إدراك ما أنت عليه. فهناك مقولة مشهورة مفادها: "إذا ما أردت أن تُطاع فأمر بالمستطاع". وغير ذلك يصبح الحديث في أبعاد أخرى لا يتمنى أحد من المسؤولين الوصول إليها، ومفادها: "يدور بالخرا حب ركي" – وآسف هنا على بشاعة التعبير، ولكن هم من وضعوا أنفسهم بهذا المستوى، فكان يجب عليهم الإمعان جيّدًا قبل البحث عن قرارات تعتبر من قمّة التفاهة الفكرية ولا تليق بمسؤول بهذا الحجم.

 

وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم ... للأسف، وهذه حقيقة، لم أجد اليوم مسؤولًا واحدًا يعمل بهذه المقولة، وفي هذا دلالة على أنّ من هو في زمام السلطة اليوم لا يمتلك الوعي الثقافي، فالكثير منهم شغل منصبه من حسابات المحاصصة الحزبية أو التفضيل العشائري. ولهذا تجد جيلًا كاملًا منهم لا يمتلك أبسط المقومات التي تجعل منه إداريًا ناجحًا، فيذهب للبحث عن التفاهات والترّهات ليصنع لنفسه أمجادًا مزيفة.

فعندما تكون عظيم الشخصية والمكانة يكون عليك بعض المهام والقضايا التي تتجاوز عنها مراعاةً لأحوال من تولّيت أمرهم. ولكنني أجد في هذا القرار فسحًا للمجال لبعض الشخصيات المريضة لتصفية الحسابات مع الآخرين. وجزء من الواقع المرير أن يكون المسؤول دوما مرآة للنظام الذي ينتمي إليه. وهنا يكفي اللبيب الإشارة.

 

الخلاصة... إن المواطن اليوم يعيش كمًّا هائلًا من الأزمات التي تثقل كاهله، من نقص في كل متطلبات الحياة، فلا تكن أيها المسؤول ثقلًا آخر يزيد العبء في البحث عمّا يساهم في إزعاج المزاج العام والقواعد الشعبية.

فكل هذا وأكثر ستكون له آثار نفسية مستقبلية، إذا ما كنت أصلًا تفكر في بناء المستقبل. أمّا المسؤول القادم لغرض الاستعراض الإعلامي فهذا لا تنفع معه كلمة تُكتب أو تُقال.

وليَعلم الجميع أنّ السُّكَارة – في مذهبي – (هي الحبيبة الوحيدة التي لا تعرف الكذب، فإنها تحرق نفسها من أجلي). وقد يرى البعض في هذه المقولة نوعًا من السذاجة، فسأرد عليهم: أن أكون ساذجًا خيرٌ لي من أن أكون يومًا تافهًا وأجبر الناس على تحمّل تفاهتي، وهذا ما يفعله المسؤول اليوم.

الجمعة، 21 نوفمبر 2025

المقال

 كلية الآداب والابن العاق

تحت عنوان

الصيد في المياه العكرة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لقد تحدثنا فيما سبق عن الصفات السيئة في الإنسان، فكانت البداية مع شخصية النذل، ثم يأتي بعدها الخسيس. ولكن يبقى السؤال: ماذا بعد النذالة والخسّة؟ ولهذا كان اللئيم هو التطور الطبيعي بعد هاتين المرحلتين، ولذلك نقول: اللئيم هو الذي يمارس ممارسة الحريم. وهذا بالضبط ما نود الحديث عنه اليوم.

فنحن جميعًا نعدُّ أبناءً لهذه المؤسسة العريقة، كلية الآداب، ومن واجب الأبناء الصالحين هو البرّ، ومن أهمّ صور البرّ هو الحفاظ على السيرة العلمية والأخلاقية للمؤسسة التي ننتمي إليها. وهذه ليست دعاية للإدارة المتمثلة بالسيد العميد أو معاونه، ولكل من يعرفني في كلية الآداب يعلم تمامًا أنّني لا أعرف طريق المجاملة، ولا أرضى بالفعل المشين حتى ولو كان مصدره كاتب المقال نفسه.

ولمن لا يعلم، فأنا أكثر شخص لديه مشاكل مع جامعة الموصل، ومع ذلك لم أنتهج يومًا أسلوب التسقيط العام تجاه الجامعة، لأنني أؤمن بأن المواجهة هي الطريق الأسلم فيما قد نعانيه من مشاكل أو قضايا خاصة أو عامة في العمل.

المشكلة أنّه منذ شهور ظهرت في كلية الآداب شخصيات أو جماعات مناهضة للإدارة، من خلال بعض الممارسات التي لا ترتقي أن تكون حضارية. وآخر تلك الممارسات هو الفيديو المنشور، الذي قامت إحدى الشخصيات المعروفة بنشره. وهنا لا ألوم الناشر بقدر ما أقع باللوم على صانع المحتوى نفسه، وهو الذي يعمل بمقولة شعبية سأهذبها لبشاعة تعبيرها: (هو الذي يتغوّط في الوعاء الذي يأكل فيه)

وهذا بالضبط ما فعله صاحب المحتوى، بغضّ النظر عن كونه تدريسيًا أو موظفًا أو طالبًا، فالجميع يشتركون في المنافع التي تقدمها هذه المؤسسة.

اللئيم ومنهجية الحريم ... من أبرز صفات النساء على مرّ العصور نقل الأحاديث، وهذا ما فعله صاحب المحتوى الذي قام بالتصوير. وبعيدًا عن قضية كشف الفساد، فإن ما نشره ذلك اللئيم لا يمتّ للمؤسسة التي ننتمي لها بصلة. فالبناء كان في فترة حرجة تعود لحقبة إشكاليات بناء الدولة المستمرة إلى يوم نشر هذا المحتوى. ولكن الغريب، وغير المقبول، أن نمارس الصيد في المياه العكرة تحت غطاء ما يُسمّى بـ"النقد".

والحق يُقال: ذلك المحتوى لا ينتمي لأي نوع من أنواع النقد، بل ينتمي لمصطلح واحد لا غير: التشهير.

إعلاميون جدد... يظن الكثير من قليلي الخبرة أو المستجدين في المشهد الإعلامي أنه لا فرق بين النقد والتشهير، فاليوم أصبح كثيرون يعتقدون أنهم إعلاميون لمجرد نشرهم فيديو أو كلمة، متجاهلين حتى تبعات ما يفعلون، ومنها تشويه سمعة الصرح الذي ينتمون إليه. وما عليه معرفته ذلك المغفل الذي قام بالتصوير هو أن ما فعله لن يؤثر في شيء كما يظن، سوى أنه أثبت مبدأ واحدًا: (أنه لئيم، وأنه اختار منهجية الحريم).

المنهجية الصحيحة في العمل الإعلامي تكمن في مبدأ تعلمته منذ الصغر: (إن في الحياة رفاقًا يشاركوننا العمل أو الدرس أو أي مكان على هذه الأرض، وواجبي تجاههم هو تقييمهم بشكل صحيح، فأرفعهم وأرتفع أنا بهم.)

وبهذا فقط أكون إنسانًا سويًا في حفظ مكانتي ومكانة المؤسسة التي أنتمي إليها. فالعيب الذي أُشهِره، أنا جزء منه، وما يُنشر لا يمثل الإدارة وحدها بل الجميع، من موظف الحدائق إلى منصب السيد العميد دون استثناء.

ولا يعني هذا أنّ كل الشخصيات في كلية الآداب ملائكة، فلكل مكان شخصيات حسنة وأخرى سيئة تسيء لسمعته، ومن بين هؤلاء من قام بتصوير المحتوى.

بداية حملات التسقيط ... تعود لبدايات تغيير القيادة في جامعة الموصل، وتلك الهجمة التي تعرضت لها المؤسسة عندما وُضعت الجامعة باللون الأحمر من الناحية التقييمية، وكانت كل الاتهامات موجهة لشخص واحد المتمثل بشخص الرئيس . ولسنا هنا للدفاع عنه، فالرجل تسلم المنصب بإرث ثقيل تراكم عبر سنوات، ومن المعيب أن نحمّل شخصًا واحدًا أخطاء مؤسسة كاملة — وهذا ما كشفه المحتوى المنشور بالأمس.

الخلاصة ... من أسوأ ما يفعله الإنسان أن يُسقط مصطلح العيب من فعله. وليس هذا دعوة للسكوت عن الأخطاء أو التسيب، ولكن هناك طرق يجب اتباعها للتفريق بين النقد والتهريج.

ولكل مقامٍ مقال، وعلى كل فرد أن يدرك قيمة المكان الذي ينتمي إليه. فإن كان من فعل هذا ينتمي لكلية الآداب — مصنع الفكر والمنهج الأكاديمي — فماذا تركنا لباعة الشوارع والمتسكعين؟

ولذلك أقول لمن صوّر هذا الفيديو: (كن رجلًا... فالرجال لا يفعلون هذا).

تنويه: لم يُكتب هذا المقال بإيعازٍ من أحد، وإنما كتب غيرةً على المكان الذي أنتمي له.

الأربعاء، 19 نوفمبر 2025

مقال

 

 نخب وأسماء ثقافية بثوب المراهقين

تحت عنوان

واقعنا الثقافي

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح ال


دين


"شايب وعايب" كما يُعرف عند العامة، فالكثير منا يتساءل عن سبب ندرة الأقلام النسائية في أوساطنا الثقافية. ولهذا السبب أمرٌ رئيسي يتمثل في بعض من يدّعون الثقافة، وهم ثلّة من المرضى النفسيين الذين يقدمون صورة سيئة عن عرّابي الثقافة المحلية والعربية.

في البداية يجب الحديث عن بعض رموز الثقافة الرصينة على مستوى المحافظة والعراق، ومنهم: (الدكتور إبراهيم العلاف، والأستاذ رافع السراج، والأستاذ هشام الكيلاني، والدكتور أحمد جارالله ياسين، والدكتور حسام الطحان، والأستاذ قاسم الغراوي)، وغيرهم الكثير ممن رسموا صورة رائعة في التعامل مع التجارب المبتدِئة.

ولكن هناك من يندرج تحت عنوان يعرف عند العامة بـ"أخلاق العجايا"، أي تصرفات الصبية غير المسؤولين، وتتجسد هذه التصرفات في ممارسات على مواقع التواصل من خلال أسئلةٍ خادشةٍ للحياء، وطلبات لا تليق بالاسم أو المكانة التي يحملونها. وهنا يجب علينا معرفة الأسباب التي أوصلت المشهد الثقافي إلى هذا المستوى.

 

أقلام هزيلة... الكثير من هؤلاء تخدمهم الصدف في الحصول على اسم من خلال بعض المتربحين من المشاريع الثقافية. وليس هؤلاء وحدهم، بل هناك شريحة تعاني من متلازمة الظهور الثقافي، فتسعى للظهور في المنتديات والتجمعات الثقافية فقط لتنصب شِباكًا كشبكة العنكبوت لاصطياد الفرائس من الطامحات لدخول عالم الكتابة، تحت مسمى "النخب".

 

المتسلقون... هويتهم مصاحبة المبدعين بغرض سرقة الأضواء منهم بطرق متعددة؛ منها صورة، أو موضوع يُكتب عنهم، أو استغلال الصداقة مع أحد الشخصيات للمضي في طلب الصداقة من أي صفحة نسائية على مواقع التواصل. وهؤلاء هم أسوأ نموذج يمكن أن تجده على المنصات الرسمية.

والحق يُقال: ليس الرجال وحدهم ممن يساهمون في تشويه المشهد الثقافي، بل هناك نسوة أكثر وقاحة من الرجال في تصرفاتهن؛ إذ يمضين في إقامة علاقات قذرة مع من يسمّون بالنخب أو أصحاب المجلات لغرض تخصيص مساحة للنشر. وهذا ما منح لدى الكثيرين ممن يديرون المشهد الثقافي انطباعًا بأن النساء سواء في هذه الأيديولوجية. وهذا غير صحيح، فهناك أقلام نسوية أكثر من رائعة، تكمن روعتها في رصانة الكلمة التي تكتبها. لذا يجب عدم وضع البيض كله في سلّة واحدة.

 

كهنة الثقافة... في الماضي كانت مهنة الكاهن هي اللعب على عقول البشر، واليوم نرى ونسمع عن الكثير من أصحاب الأقلام يمارسون هذه المهنة. فالكثير من مدعيات الثقافة على مواقع التواصل يحظين بتهافت تافهين محسوبين على الأقلام، ينهالون عليهن بالمديح والثناء لنصوص تفتقر لأبسط تقنيات الكتابة، وتنعدم فيها الموهبة. وهذا ساهم في خلق حالة من الظلم لذوات الاستحقاق الحقيقي ممن يقفن في خانة الإبداع. وإذا أردنا وصف هؤلاء، فلا يليق بهم سوى عبارة: "قشامر الثقافة".

 

مراهق مسن... كلنا نعرف أن لكل مرحلة عمرية معطياتها، ولكن ما يقدمه البعض يؤكد النظريات التي تحدث عنها علم النفس حول بعض الأمراض، ومنها "المراهقة المتأخرة". والغريب أن من قيمنا العربية الأصيلة "احترام الكبير"، ولكن السؤال: كيف نحترم من لا يحترم ذاته؟ فتجده يمارس أفعالًا يخجل منها حتى بعض الصبية. فإذا ما أخطأ صغير السن يُقال عنه: "عجي"، أي غير ناضج. فماذا نقول عن من يمارس ذات الفعل وقد تجاوز العقد الخامس؟! والله إنه لأمر مخجل، ولا يمتّ للثقافة أو الوعي الإنساني بصلة.

 

مواقع التواصل ليست نوادي ليلية... للأسف أقولها: الكثير اليوم يتعامل مع مواقع التواصل على أنها مكان موبوء، يتجمع فيه من يمارسن الرذيلة تحت غطاء التعارف. وهذا غير صحيح. فالكل اليوم له مكان في هذه الصروح الإلكترونية، وكل شخصية تعبّر عن نفسها بما تفعل. ومن لا يعلم من بعض "الحيوانات" على مواقع التواصل أن كل ما يفعله: كلمة يكتبها، صورة ينشرها، تعليق باسمٍ مستعار أو بصفحته الرسمية... كل ذلك محسوب عليه، إن لم يكن أمام الناس، فأمام ذاته. فاحفظ صورتك أمام نفسك على الأقل.

 

الزاوية النفسية للظاهرة... إذا أردنا أن نفهم هذا السلوك المشوّه فلا بد من النظر إليه من زاوية علم النفس، فالكثير من تلك التصرفات التي تُرتكب تحت عباءة الثقافة ليست مجرد أخطاء عابرة، بل هي انعكاسات نفسية عميقة لاضطرابات غير معالجة.

فمنهم من يعاني من اضطراب الشعور بالنقص، فيلجأ إلى تعويض هشاشته الداخلية عبر ممارسات ظاهرها القوة وباطنها الفراغ. فتراه يختبئ خلف لقبٍ ثقافي أو شهادة أو منصة لينتزع احترامًا لم يستطع بناؤه على أرض الواقع. وهذا ما يسميه علماء النفس بـ "التضخيم التعويضي للذات"، حيث يُكبّر الإنسان نفسه ليداري صغره أمام ذاته.

وهناك من أصيب بما يعرف بـ "إدمان الظهور"، وهو نوع من الإدمان النفسي يجعل صاحبه مستعدًا لفعل المستحيل من أجل البقاء في دائرة الضوء، ولو كان الثمن سقوطه الأخلاقي أو انحداره الفكري. فتراه يلهث خلف التصفيق والاهتمام وكأنه يتنفس منه، بينما في داخله خواء لا يملؤه شيء.

كما أن بعضهم يعاني من "الشخصية النرجسية المرضية"، تلك التي ترى نفسها محور الكون، فتعتبر الإعجاب واجبًا، والنقد إساءة، والنساء مساحة استثمار اجتماعية وعاطفية، لا شركاء فكر ووعي. هذه النرجسية لا تعترف بالموهبة ولا تحترم الجهد، بل تُقدّس انعكاسها في مرآة الآخرين مهما كان ذلك الانعكاس زائفًا.

وهناك فئة أخرى تعاني ما يسميه المتخصصون بـ "عقدة السلطة الناعمة"، والتي تتمثل في استخدام المنابر الثقافية كوسيلة للتحكم النفسي بدل كونها منصة فكرية. فيرى أحدهم نفسه "إلهًا صغيرًا للكلمة"، قادرًا على منح الفرص أو قطعها، فيمارس الإذلال العاطفي أو الفكري على من يطمحن للدخول في عالم الكتابة.

أما من يسعون خلف العلاقات المشبوهة باسم الأدب، فهم غالبًا ضحايا "الحرمان العاطفي المزمن"، حيث يتحول الأدب لديهم لمتنفس غرائزي لا لفضاء ثقافي، فيستبدلون الفكر بالإغواء، والإبداع بالتلاعب، والكتابة بالتلميع الجسدي أو الاجتماعي. وهؤلاء لا علاقة لهم بالثقافة إلا بقدر علاقتهم بالديكور الفكري الذي يتخفون خلفه.

ولذلك لا بد أن نفهم شيئًا مهمًا: ليس كل من يكتب يمتلك روح الكاتب، وليس كل من يتصدر المشهد الثقافي يمتلك نضج المثقف.

فالكتابة قبل أن تكون كلمات، هي تربية نفسية، تهذيب داخلي، ووعي أخلاقي. فما فائدة القلم إن كان صاحبه ممزقًا من الداخل؟ وما قيمة المنابر إذا تلوثت بأعقد الأمراض النفسية المنكورة خلف مساحيق الثقافة والوقار؟

 

الخلاصة... الثقافة منهج إنساني يُوزن بميزان العقل، ومن لا عقل له فقد انتمى بما يفعله إلى فصيلة الحيوانات التي لا تملك الإدراك. فهذه دعوة لكل قلم رصين أن يهتم بصورته كما يهتم بالكلمة التي يكتبها ويصدقها الناس. فأول الصدق هو مع الذات، فلا تكن ممن قال الله عنهم: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾. صدق الله العظيم.

فاتقوا الله في الكلمة التي تكتبون، ولتكن معززة بعمل يطابق معناها، وإلا ستكتبون يومًا ما في قوائم "الكذب والكذابين".

الخميس، 13 نوفمبر 2025

مقال

 

الموصل والانتخابات ولصوص الجبال

تحت عنوان

تاريخ المدينة المفقود

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



لكل مدينة من مدن العالم زاوية من التاريخ يتم إسقاطها من صفحات التاريخ، فمثلما كان لمدينة بغداد تاريخ اقترن بحكاية علي بابا والأربعين حرامي، فكذلك مدينة الموصل لها تاريخ لا يعرف عنه الكثير، وهذا بسبب أن هناك أحداثًا في التاريخ يعتبرها الكثير من المؤرخين أنها عارض، ولكنها حقائق لا يستطيع أحد إنكارها، وإذا ما عدنا لأغلب المصادر التاريخية سوف نجد روايات تعزز ما سوف يرد في هذه السطور، ولهذا سوف نوضح هنا ماذا حدث في الأمس والنتائج التي أُعلن عنها.

 

الجبال عبر التاريخ... ولست أتكلم عنها جغرافيًا كما قد يظن القارئ، ولكن سوف أتحدث بمنطق العقل ، فمن غير المعقول أن يترك إنسانٌ عاقلٌ السهل الخصب ذو الخيرات والأرض التي يشقها نهران عظيمان كدجلة والفرات، ويمضي ليسكن جبلًا أصم موحشًا إلا إذا كان مضطرًا. وهنا يكمن السؤال: من هو المضطر؟ والإجابة ستكون ما بين (عُصاةٍ خائفين ومخربين هاربين من وجه العدالة).

ولو عدنا إلى التاريخ القريب للمدينة، إلى خمسينيات القرن الماضي ونكبة (الشواف)، سوف نجد أن ذات الجماعات التي سرقت أصوات المدينة هي من أباح المدينة، ونصبت المشانق ونكّلت بأهلها، وهم ذاتهم الذين يرتدون البدل ويشغلون مناصب حكومية. إنهم لصوص الجبال، وهنا يعيد التاريخ نفسه بتغيير المسميات، ولكن بذات الأيديولوجية السابقة.

 

الانتخابات حسمتها الرِقّة... الرِّقّ والعبودية ليس شرطًا أن يكونا لشخص كما كان في الماضي، ولكن اليوم أصبح السيد الذي يحكم شوارع المدينة هو المال. نعم، هذه حقيقة لمستها في الفترة الماضية، عندما ظننت لفترة أن هناك أملًا في المواطن الموصلي، ولكن تفاجأت بالحقيقة الصادمة، أن هناك من هو على استعداد لبيع الوطن بمبلغ (25) ألف دينار، وهو مبلغ لا يكاد يُذكر، وبهذه العقلية مستحيل بناء وطنٍ يُحترم ممن باع نفسه بحفنةٍ من المال المسروق، وكان لسان الحال يحاكي المثل الشعبي (من زيتها يدمها)، أي منها ولها.

 

الموصل وتشتيت الأصوات... وهنا تكون الشخصية الموصليّة مغلوبة على أمرها فيما حدث، بسبب افتقارها إلى شخصيات سياسية تحمل فكرًا يضاهي ما يجري، فالكثير منهم قد انضم إلى زعامات خارج الحدود الإدارية للموصل، وهذا ما ساهم في إضعاف التمثيل الحقيقي للمدينة بنتائج الانتخابات. ولمن لا يعرف، إن الشخصية الموصليّة هي الأكثر التزامًا إذا ما وجدت لها الأرضية المناسبة، وهذا ما أثبتته الأيام عندما تولّى شخصية من أهالي المدينة زمام الأمور، فكان هناك نهضة بفترة قياسية. ولكن للأسف، هناك من ساهم في هيمنة لصوص الجبال على مقدرات المدينة وتمثيلهم في البرلمان، وهذا بسبب تشتيت الآراء الموصليّة تجاه الانتخابات.

وهنا تكون كلمتي لكل شخصٍ نزيهٍ قد خسر بالأمس... لقد ربحت أنت وخسر العراق. نعم، هذه الحقيقة التي يجب أن تؤمن بها، فربحت أنت أن تكون خارج هذه المنظومة الفاسدة، وخسر العراق فرصةً بشخصيةٍ ممكن أن تكون بداية أملٍ بالتغيير الحقيقي وإعادته للمسار الصحيح، ولهذا تكون أنت الرابح الأكبر في أصل الموضوع.

 

الخلاصة... لقد انتصر الباطل على الحق بالأمس، ونجح الفساد في حماية نفسه، ولست أقول إن الانتخابات مزوّرة لا سمح الله، ولكن النظام الحالي له قوانين تحميه وتحمي القائمين عليه، ولهذا لا يترك الفرصة للشرفاء في هذا البلد أن يعملوا بصورة صحيحة. وعليه، يكون كل ما حصل مجرد إعادة لصورٍ من التاريخ المفقود للمدينة، فالفعل معروف والضحية المواطن الموصلي والموصل بتاريخها الحضاري. ولهذا ما زال هناك من يحمل الحقد عليها ويسعى دومًا لخرابها ليُعمّر هو مدنًا ليس لها تاريخ، سوى في الروايات التاريخية للشُطّار والعيّارين.

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...