العراق والنظرية اليابانية
تحت عنوان
أيديولوجية اختيار المسؤول
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
للتنويه... هذه الكلمات لا تُعدُّ تعميمًا على الجميع، فما زالت هناك
نسبة (0.1%) من المسؤولين الذين يُشار إليهم بالبَنان، وهم ممّن خدمهم الحظ.
هنا، تحية تقدير واحترام للكاتب الكبير داؤد الفرحان، أيقونة الإبداع،
وصاحب كتاب "بلد صاعد، بلد نازل"، وهو أول كتاب قام بالمقارنة بين
التجربة اليابانية والتجربة العراقية من خلال الأدب الساخر.
تبدأ الحكاية أنه يُروى عن أحد العراقيين أنه سأل نظيره الياباني: ما
سرُّ تفوّقكم؟ وما سرُّ فشلنا؟
فكانت الإجابة صادمة إلى حدٍّ كبير، إذ قال:
"لا فرق
بيننا، فنحن جميعًا بشر، فينا الأذكياء وفينا الأغبياء. ولكن السر يكمن في طريقة
اختيار المسؤول؛ فنحن إذا وجدنا عشرة أشخاص، منهم تسعة أغبياء وواحد ذكي، نُعطي
القيادة للذكي ليقود الأغبياء. أما أنتم، فقد عكستم النظرية."
وهنا تكمن أصل المشكلة؛ فهي ليست معضلة حديثة العهد، بل تمتدّ منذ تغيّر
النظام من الملكية إلى الجمهورية، فحلّت الكارثة. ومنذ ذلك الوقت، لم يكن الاختيار
يتم على أسس الكفاءات الإدارية، بل كان الأمر برمّته يعتمد على نِسَب الولاءات،
وهي لا تكون بالضرورة بحسب أو طائفة، بل تشمل الولاء للأفراد.
وهناك مشكلة تندرج ضمن معضلة التعامل مع المسؤول لدى العامة، وتُجسّدها
حكاية من التراث:
"يُحكى أن
الأسد في الغابة أصدر أمرًا بقتل جميع الزرافات، فحلّ الهرج والمرج، وبدأ الجميع
بالهرب. ومن بين تلك الحيوانات كان دبٌّ لم يسمع بالخبر بعد، فمرّ بجوار مجموعة من
الغزلان. وعند سؤاله عن سبب الهروب، أجابته الغزلان بقرار الأسد، فقال الدب: وما
شأن الغزلان بهذا؟ فأجابوه: المشكلة ليست في قرار الأسد، بل في إسناد تنفيذ القرار
إلى الحمير، وهي لا تملك الوعي للتفريق بين حيوان وآخر."
ومن هنا نفهم الوضع العام الجاري في البلاد، حين يكون اختيار المسؤول على
أساس المحاصصة، والتي تفرز بدورها مسؤولًا غير قادر على الإدارة السليمة، بسبب
إملاءات التبعية الحزبية أو الطائفية أو القومية.
وفي حين تبرز وسط هذا الواقع عقليات ساذجة تدّعي القدرة على الإصلاح عند
تولّي المنصب، يقوم بعضهم بعرقلة القضايا الإدارية الخاصة بصغار العامة، ظنًّا منه
أنه يفعل الصواب، وهو على دراية بالمثل الشعبي الذي يقول: (الخط الأعوج يبدأ من
الثور الكبير)، وفي هذا إشارة إلى أن الإدارة الناجحة للمسؤول تعتمد على
أيديولوجية من قام بتنصيبه.
ومن المفاهيم الخطرة والمغلوطة في طريقة تفكير بعض المسؤولين، هو أسلوب
تعاملهم مع الموظفين، حيث يتصرّف الكثير منهم وكأن الآخرين يعملون لديهم، لدرجة
تدخّله في حياتهم الشخصية وعلاقاتهم الاجتماعية داخل دوائر الدولة، متناسيًا أنهم
يعملون معه وليس لديه.
وهذا ما يُحفّز مرض (الأنا) لديهم، فترى أحدهم يُحيط نفسه بطاقم من
السكرتارية والحماية من الخطّ الأول والثاني، وكأن الأمر قد انتهى بتولّيه المنصب،
وهو يجهل أن المسألة بأسرها لا تتعدى كونه جلس على كرسي الحلاق، وهي مسألة وقت
ليترك المنصب، ولا يبقى منه سوى سيرة تعامله مع الآخرين، بين السوء والحُسن.
الخلاصة
... المسؤولية ليست مجرّد استعراضات إعلامية، بل تُقاس
بالإنجازات التي تخدم العامة، والتي تولّد محبة الجموع البشرية.
وما نلمسه اليوم هو امتعاض شعبي كبير من شخصية
المسؤول، وهذا ما قد يُفضي إلى عواقب وخيمة. فاسألوا
الذين من قبلكم عن نهايتهم المأساوية، وافعلوا ما تشاؤون، فإن لكم موعدًا مع كشف
الحساب.
فانتظروه... قريبًا جدًا.



