فقدان الشغف
تحت عنوان
معضلة تراجع التعليم
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
هل هناك تعليم صحيح في بلداننا العربية؟ للإجابة عن هذا
السؤال، يجب علينا العودة إلى الوراء واستعراض الأسس التعليمية القديمة ومقارنتها
بما نحن عليه اليوم، وعندها سنعرف أين يكمن الخلل في المنظومة التعليمية.
البداية... (ابن النفيس، ابن الهيثم، والخوارزمي) وغيرهم
من علمائنا العرب والمسلمين في الماضي كان لهم الدور الأكبر في إرساء قواعد العلوم
الحديثة. هذا ما كنا عليه سابقًا، لكن ذلك التألق وذلك الشغف بالتعلم والتعليم لم
يبقَ مستمرًا. ولهذا، ينبغي علينا تحديد النقاط التي أوصلتنا إلى هذا الحال.
طرق التعليم البدائية... منذ بدايات القرن الماضي ومع
الاستقلال عن السلطة العثمانية، لم تكن هناك قاعدة صحيحة للنهوض بالبرامج
التعليمية وتطويرها، فلم نشهد تطورات حقيقية طوال تلك الفترة.
أمةٌ تحفظ ولا تفهم... هذه أبرز سمات التعليم في جميع
مراحله اليوم، فالتفوق لا يقترن بنسبة الذكاء، بل يرتبط فعليًا بقدرتك على الحفظ
بعيدًا عن مبدأ الفهم أو الإبداع العلمي. ونتيجة لذلك، وُلدت أجيالٌ كثيرة لا تؤمن
بما يسمى "العلم".
من الغاية إلى الوسيلة... منذ فجر التاريخ، كان العلم هو
الغاية التي يطمح إليها الجميع، لكن ما نشهده اليوم في المؤسسات التعليمية هو تحول
العلم من غاية إلى وسيلة لتحسين فرص العيش فقط، مما ساهم في التراجع عن مواكبة
الحضارة العلمية.
بيروقراطية التعليم... إن الطبقة التي أفسدت كل شيء لا
تزال مستمرة في ذلك، من خلال فرض قوانين تعكس حالة من التخلف العلمي، حتى أصبحنا
خارج كوكب الأرض من الناحية العلمية. لقد أفسحت البيروقراطية المجال لولادة ما
يُعرف بـ"المتعلم الأمي"، فالعلم ليس في امتلاكك للمعلومة، بل في طريقة
الاستفادة منها على الصعيد العملي. ومع ذلك، جعلت البيروقراطية من التعليم مجرد
نظريات تملأ صفحات الكتب.
التعليم الانتقائي... يُعد هذا المصطلح الأخطر عبر
العصور، حيث ساهم في هدم المؤسسات التعليمية الرصينة. ولو تأملنا منهجية التعليم
في بلداننا العربية منذ نشأته إلى يومنا هذا، لوجدناها محصورة بين مصطلحات بغيضة
مثل "القومية والطائفية". وقد أتاح هذا الأمر الفرصة لبعض أصحاب
الأجندات لحصر قضايا التعليم بفئة معينة دون غيرها، مما أدى إلى ترسيخ مفهوم
"التعليم الانتقائي".
الحلول... يكمن الحل في إحداث تغيير شامل في آليات
التعليم، والابتعاد عما يُملى علينا من جهات خارجية، والعمل على تكوين هوية علمية
مستقلة. لا بد من قطع العلاقة مع من يسعى إلى تحويلنا إلى أمةٍ تقرأ ولا تفهم، دون
نشاط علمي يُذكر. هذا فقط ما سيُحدث ثورة حقيقية في طرق التدريس. وإذا أردنا
التغيير، فعلينا أن نبدأ من المراحل الأولى للتعلم.
النهاية... ما كُتب في هذه السطور ليس مجرد نظريات
قرأتها في كتاب، بل هو خلاصة تجارب ومشاهدات حقيقية نعيشها يوميًا. قد تكون هذه
الحقيقة مؤلمة، لكنها تظل الواقع. وإذا أردنا تغيير هذا الواقع، فعلينا العمل وفق
المقولة: "إن العلوم لا تدخل في حدود قاعة الاحتكار". لذلك، من الضروري
إعادة العمل بمبدأ "التعليم الإلزامي ومجانية التعليم"، فهذا وحده ما
سيقودنا إلى نتائج مغايرة. أما أن نعيد التجربة ذاتها وننتظر نتيجة مختلفة، فذلك
هو الغباء بعينه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق