بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 14 ديسمبر 2024

مقال / الجولاني أو أحمد الشرع ودين اللكلك (اللقلق)

 الجولاني أو أحمد الشرع ودين اللكلك (اللقلق)

تحت عنوان

مخازي الإسلام السياسي

بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين



تجاربنا السابقة هي المقياس الوحيد لمعرفة ما يجري حولنا، ولم أجد مدينة تزخر بالمضامين التراثية لتوظيفها مثل مدينة الموصل. ومن هذا التراث نجد مثلًا شعبيًا مفاده: "هذا دين اللكلك". وكما هو الحال، فإن لكل مثل حكاية، فحكاية هذا المثل تقول:

"في أحد الأيام، حط طائر اللقلق على ناقوس (جرس) إحدى الكنائس، وكان يرمي فضلاته على الناقوس. غضب القس من هذا الطائر وقال في نفسه: هذا الطائر لا يدين بالمسيحية. فاستبد به الفضول لمعرفة دين ذلك الطائر، فخطرت له فكرة. في اليوم الأول، قدم له خمرًا، فقام الطائر بشربه. وفي اليوم التالي، قدم له لحم جمل مجفف، فتناوله الطائر أيضًا. عندها صرخ القس قائلًا: يا هذا، على أي دين أنت؟ لو كنت مسلمًا لما شربت الخمر، ولو كنت يهوديًا لما تناولت لحم الجمل، ولو كنت مسيحيًا لما قمت برمي فضلاتك على الناقوس!".

إسقاط الواقع على الإسلام السياسي ... يمكن إسقاط هذا المثل على نوعيات الشخصيات التي تقدمها لنا أيديولوجيات الإسلام السياسي. فشخصية مثل الجولاني ليست بأحسن حال من أولئك المتدينين الذين يتربعون على سدة الحكم في العراق. جميعهم ينتمون إلى منبع واحد، وهو مفاهيم أن تكون السلطة إسلامية بامتياز. والغريب أنهم لا يعتمدون على نصوص إلهية لتحقيق ذلك، لأن الدين ليس السياسة. وهذا ما لا يريد كثيرون فهمه.

عندما تناقش أحدهم، يردد آية قرآنية واحدة: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ" (صدق الله العظيم، سورة آل عمران). وهنا نص صريح لا يقبل تعدد التأويل؛ حيث قال الدين ولم يقل السياسة. ما يثير الغرابة في الموضوع أن الكثيرين ما زالوا يصرون على أن الدين يجب أن يكون مصدره الوحيد الدولة. لكن إذا عدنا لدراسة الأحداث المقترنة بالدين الإسلامي، لن نجد فئة واحدة على الأقل انتهجت منهجًا صحيحًا يربط الدين بضبط العادات الحياتية للفرد بشكل خاص.

أما السياسة، فإذا ما عدنا إلى زمن رسولنا الكريم وأيام دولة النبوة كما يدعون، نجد أن الرسول عندما كتب الوثيقة الخاصة بالحكم لم يتطرق فيها إلى الشرع بشكل مباشر. بل اعتمد وقتها على دراسة الوضع العام للقبائل العربية الممتدة بين مكة والمدينة. فهو أول من شرع مفهوم التعددية، حيث تضمنت الوثيقة ثلاث فئات رئيسية: المهاجرون، الأنصار، واليهود. ومن هنا نفهم أن الدين يتعلق بالقضايا السماوية وعلاقة الفرد بالذات الإلهية، أما السياسة وأهلها فلها شأن آخر.

هذه الوثيقة، التي لا يتحدث عنها كثيرون من أرباب الإسلام السياسي، تعكس بوضوح الفصل بين الدين والسياسة.

الجولاني – وجه آخر من الإسلام السياسي ... الجولاني، أو كما غير اسمه إلى أحمد الشرع، هو الدليل الحي على أن جماعات الإسلام السياسي ليس لها ولاء لمعتقد أو مذهب. إذا استعرضنا تاريخ هذه الشخصية، نجد أنه كان أحد أعضاء الرعيل الأول من الجماعات المنحرفة. وبعد فترة انشق عنهم ليصبح أحد أتباع الخليفة في العراق. لكنه لم يلبث أن قرر أن يكون له منهج خاص به، مدفوعًا بأطماع نفسية في حب السلطة.

هذا النموذج ينتمي إلى الجماعات التي يمكن شراؤها بالمال أو الوعود بتولي السلطة. أما ظهوره اليوم بالصورة المدنية، فهو مجرد أفلام مكررة مبتذلة. نحن في الموصل كنا جزءًا من ذلك المشهد؛ فقد رأينا ذات الشعارات الكاذبة تُطلق وقتها، مثل: "عفا الله عما سلف"، و*"نحن هنا من أجل الحرية"*. جميعها كانت مقدمات لما سيحدث لاحقًا، لأن هذه الجماعات تفتقر إلى الجدية في انتهاج منهج حياتي معاصر. هم دعاة عودة العالم إلى الماضي.

معضلة الإسلام السياسي ... المعضلة الكبرى للإسلام السياسي هي أنهم يدعون إلى نموذج لا يقدم شيئًا حقيقيًا. إذا ما سألت أحدهم: ماذا قدم الإسلام السياسي منذ وفاة الرسول حتى اليوم؟ فلن تجد إجابة واحدة واضحة. الإجابة الحقيقية محصورة في كلمات مثل: فتن، حروب، دسائس، واغتيالات. وهذا ما لا يستطيع أحدهم الاعتراف به.

النهاية ... جميع الطوائف الإسلامية قدمت لنا نماذج أشبه بالمهرجين، بغض النظر عن الأسماء. هؤلاء أساؤوا إلى الدين الإسلامي. واليوم، نشهد عمليات فصل الدين عن الدنيا بسبب الممارسات الشاذة لهؤلاء الحمقى والمغفلين. إذا أراد أحدهم رفع كلمة الله في الأرض، فالسبيل الوحيد هو تقديم النموذج الصحيح الذي يجعل الناس تتمنى أن تكون مثله. أما الصراع على السلطة باسم الدين، وتقديم البشرية قرابين لهذا الصراع، فهو بمثابة تهريج فالنهاية تكمن في إدراك أن الدين علاقة خاصة بين الفرد وربه، والسياسة مسألة دنيوية لها أهلها.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية تحت عنوان إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين أنا هنا لا أخاف أحدًا...