قصيدة النثر ما بين
الإيقاع والأقناع
تحت عنوان
قراءات في نص (د. ليلى
العلي)
بقلم البارون الأخير /
محمود صلاح الدين
هي الدكتورة ليلى محمد علي الزبيدي الأستاذة في قسم اللغة العربية /
كلية الآداب جامعة الموصل
تاريخ قصيدة النثر
قصيدة النثر الصورة
اللغوية المعاصرة وهنا تكمن الحقيقة واذا ما اردنا ان نعيد قراءة مفهوم قصيدة
النثر يجب استعراض تاريخ هذا الفن من الأدب ويعتبر من ألوان الأدب القادم من الغرب
وهذا بأجماع الكثير من كتبوا في تاريخ الأدب ومنهم طه حسين وأخرون وقد اعتبروه في
بداية الامر قضية تمرد على قواعد الخليل وما جاء به وقد لقى في بداية الامر اعتراضات
كثيرة ولكنه اليوم اصبح امر واقع لا يمكن تجاهله ومنذ البداية اقترنه هذه النصوص
بحركة الترجمة ولسبب بسيط وهو سهولة ترجمة تلك النصوص وأختلف الباحثون في بداية
كتابة النص الادبي بين الشاعر
(شارل بودلير) والشاعر (رامبو) وذلك بسبب ان رامبو ابتدأ كتابة قصيدة النثر بعد
وفاة بودلير بثلاث سنوات ، أي منذ عام 1870 م ولكن وما متفق عليه هو ان هذا الفن
ما بين فرنسا وأمريكا أما في الوطن العربي فقد استيقظ العرب بعد رقود طويل ،
ليجدوا أنَّ الكون قد قطع أشواطًا بعيدة في مسيرة الحضارة ، فكان للشعر تقاليده
الخاصة إذ لا يختلط بالنثر ،ولا يتوقع منه أية مساعدة ، بل إنَّه يأنف من أن يعدّ
منافسًا للنثر ، ولما كانت المقدمات تقود إلى النتائج ، والتطرف يقود إلى التطرف
غدت المواضعات الشعرية ذات قيمتين ، فهي تمثل عند قوم آلهة مقدسة يلعن من يخرج
عليها ، أو يحيد عنها ، بينما ينظر إليها آخرون على أنَّها أصنام لا يذكرونها إلا
للسخرية والتندر ، وإذا كان لا يعنينا في هذا المقام الحديث عن كلا الموقفين ،
فإننا نشير إلى أنَّ الحماسة للنتاج الغربي ، والهوس بالمنجز الحضاري للغرب . كان
من أهم العوامل المساهمة في نشأة قصيدة النثر العربية ومن بين من كتب تلك النصوص
كان الكثير (يوسف ، أدونيس ، خليل حاوي ، نذير عظمة) وأخرون وكان هناك دعم ثقافي
لهذا النوع من الأدب ومنها صدور مجلة (الشعر) اللبنانية ومن العدد الأول ساهمت في
نشر تلك القصائد وترجمة قصائد أوائل من كتب ترك النصوص ولكن رغم هذا بقية حركة
المعارضة تعمل على إحباط هذا النوع من الأدب والتمسك بالألوان القديمة التي تخضع للأوزان
ويأخذ على قصيدة النثر انها تفتقر للوزن ولكنها غنية بما يعرف بالإيقاع الداخلي
للقصيدة ويجب تعريف الإيقاع الداخلي هو الموسيقى الداخلية للقصيدة نفسها، وهي تحوي
على أدق خلجات النفس التي يرسلها الشاعر إلى المتلقي بصورة انسيابية سهلة، تجعل من
عالمهما واحدًا عن طريق الكلمات ويعرّفه الكثيرين بأنّه: "ذلك الإيقاع الهامس
الذي يصدر عن الكلمة الواحدة بما تحمل في تأليفها من صدى ووقع حسن، وبما لها من
رهافة ودقة تأليف وانسجام حروف وهذا ما سوف يكون قاعدة للانطلاق بقراءتنا اليوم
ولم يتوقف الامر عند هذا فظهرت الوان جديدة شبيها بقصيدة النثر وهي القصيدة
اليابانية (الهايكو) وهذا ما زاد الامر تعقيد وعندها قررت الكتابة عن هذا اللون
الادبي المفتري عليه .
قراءتي في ما كتب
سوف نأخذ نصوص او مختارات مما كتبته الدكتورة ليلى العلي
ووقع الاختيار على نص تم قراته في المحفل الشعري الأنثوي الذي نظمه قسم اللغة
العربية بكلية الآداب بجامعة الموصل
وكان النص بعنوان
(جيبُ الدّهشة) وتبدأ في :
البحر الميّت ،
اسم على غير مسمّى ،
إنّه على قيد الحياةْ ،
وهنا ترسم بالحروف صور الحياة بشكل يتصوره البعض تقليدي
لكنها أرست قواعد مخالفه للمفهوم العام من خلال صورة النفي لصفة الموت عن البحر
فالبحر في العديد من النصوص يرمز للحياة وهذا ما أكدت عليه من خلال استعراضي لصور
مغايرة للواقع من خلال أستعمل لفضي خاص بالأمثال الشعبي (اسم على غير مسمّى) وهنا
يكمن حرفة النص للخروج من الواقع التقليدي والرقص بطريقة الحروف على أيقاع داخلي
للقصيدة ذاتها
لتعود بعدها ولتقول :
يمارسُ زرع الآهِ والقبلاتْ ،
على بساطِ أزرق ،
يغازلُ الحوريّاتْ
يقشّرُ وجوهَ الصبايا،
بالملحِ والأمنياتْ
وكما هو الحال في تقديم حالة نفي صورة الموت يجب ان يكون
هناك دلائل على ما تقدمة به وهنا كانت الصورة الشعرية حاضرة من خلال وظائف ذلك
البحر الذي يتحدث عنه النص منها زراعة زرع الآهِ والقبلاتْ على البساط الأزرق
إشارة الى البحر لتعود القول يغازلُ
الحوريّاتْ وهذه هي صورة العشق حاضرة داخل النص أشاره منها لعنفوان الحياة و يقشّرُ وجوهَ الصبايا بالملح والأمنيات وهنا صورة رائعة
ان الحياة ليست وجه جميل انما قد يشوب ذلك الوجه الملح وهو الأذى والأمنيات تلك الأحلام
التي تبقى رهينة لتلك الحياة
لتعود القول :
أووووووه !!!
لقد نسيتُ علاماتِ التعجّبْ
في جيب الدهشة ،
عن مخبولْ
ولكنها تعاود الصراع الداخلي للأفكار داخل تلك القصية
وتظهر بقولها (أووووووه!!!) وكانه صراع بين النفي والحقيقة تحاول فيها أقناع الذات
في أمر هي ذاته غير مقتنعة به وعلقة ذلك التراجع على شماعة الدهشة وهي تصفها بجيب
في رداء شخص قد فقد عقله في صراع ما بين الواقع والحلم
لتعود القول :
بنى اللمسَ على المجهولْ
وانشقّت لام نفسهِ
عن نسفهِ
وصار اللمسُ مسّا
ومات الجسدُ في صفحةِ الترقّب
ومن أروع ما قرأت في هذه النص هي الانتقالية ما بين تلك
الكلمات لأثبات حقيقة ما يرمي له النص هنا وهي الاستعانة بالحواس ومنها حاسة اللمس
ومصطلح المجهول ومازال ذلك الصراع الداخلي للقصيدة يرقص على جراح الألم من خلال
قولها (وانشقّت لام نفسهِ عن نسفهِ) وهنا يكمن ما يعرف بنظرية جلد الذات فالالم مازال
لم يغادر النص من الناحية الواقعية او الروحانية لروح النص
لتعود القول :
جيبُ الدهشةِ مثقوب ،
تنسربّ منه التساؤلاتْ.
قصائدُ التوقيعات
خشونة الهواء
نسيانُ الضمة في أوّل لقاء
وهنا يدخل النص متاهات الحيرة في أجاد أجوبة للكم الهائل
لتلك الأسئلة النابعة من داخل ذلك الإيقاع رغم كل المصاعب التي ممكن ان تكون عقبة
وأشارت هنا لها ب (خشونة الهواء) و( النسيان) التي قد يبددها أول لقاء .
لتعود القول :
نوافذ الانتظار
والقلبُ المعطوبُ بالأزرار
صفحةُ التأويل
وحبالُ الغسيل
غصّةُ الصفساف
صحوُ الجهات
ومرارةُ الوجوه
في المرآةْ
متنُ الحكايا
وتدا عيات خطايَ
وهنا يدخل النص زحمة خلق الأعذار في تعدد المصطلحات لها
ومنها ( الانتظار ، و التوقعات و وفضح الأسرار و حقيقة الوجوه التي نحملها والخوف
مما هو قادم ) وكل ما ذكرت قد أثقل الحمل على مضمون النص ولا اعتبر هذا من عيوب
النص ولكنها ضرورة الصورية للنص النثري وقد يضطر صاحب النص للجوء في تعددية الصور
لضمان جودة النص لا اكثر
ولتعود لتنهي النص بقولها :
جيبُ الدهشةِ مثقوب
انسربت منه التساؤلات
ولم يعد ثمّةَ مذهلٌ
فالأسرارُ كلّها
قمصانٌ للصدأ .
تحول هنا ان توصل ان ليس هناك أسرار يحملها النص المراد
منه أثبات ما هو غير معقول والحق يقال انها قد نجحت في أعداد نص يشار له بالقيمة
الجيدة من ناحية الصياغة اللغوية والمضمونيه على حد سواء من خلال ذلك العرض الرائع
في صور متداخلة لترسم صور شعرية تساهم في رسم الواقع من خلال تلك الصور وفي
النهاية يجب ان أقول ان هذا النص قد شدني للكتابة عنه وأنا الشعر الان بالرضى لم
قدمته لغرض عرض هذا النص بالصورة المثالية .