محمد عاشور ............. مصر
اندفعت تيارات
البشر ناحية الباب في قوة ، كل يريد أن يهرب إلى غايته من وسط رفقاء الطريق الذين فرضوا
عليه وفرض عليهم .
وقف يعدل من هندامه
بعد أن نزل من القطار، وهو يلتقط أنفاسه ، وقد أطبق على دوسيه به أوراق .
أخذ يتحسس (الدوسيه)
ويطمئن على ما به ، كانت وجهته كلية الشرطة ، حلمه القديم الذي زرعه أبواه فيه .
كانت السعادة تغمره
كيوم حصوله على الثانوية العامة وربما أكثر ، كان يعلم مسبقاً أنه ضمن الناجحين في
الاختبارات – كل الاختبارات .
كان يحلم طوال
الطريق بمستقبله الوردي، وأبوابه التي ستفتح أمامه ، يحلم بنظرة الناس إليه بالاحترام
الممزوج بالخوف ، ورغبة الكثيرين في التودد إليه.
أخذ يحلم ويحلم
بالنجوم وهي تزداد فوق كتفيه ، وكلما ازدادت ، أزداد احترام الناس له.
وكان وهو على حالته تلك يصطدم بالمارة فينسى الاعتذار
، فلا يسمع منهم إلا السباب ( حاسب يا ....... ) .
توعدهم جميعاً
، ظل يمشي وحلمه يكبر معه ، فقد تحولت النجوم إلى نسرين عظيمين على كتفيه أحس بثقلهما
في نفوس الناس .
أخذ يتقدم في طريقه
وكلما غاص في الحلم ، كلما ازدادت سرعته، كلما انتباته حالة من حالات اللاشعور بما
حوله .
ظل يمشي وهو فاقد
الإحساس لكن... أيقظه صوت احتكاك فرملة سيارة وشخص يقول بصوت فيه فزع ( حاسب .. حاسب
).
أراد أن ينظر إلى مصدر الصوت ، لكنه أحس بشيء يضربه
بعنف ويدفعه بعيداً عن مكانه، ثم يسقط بشدة على الأرض ، ويفقد السيطرة على جسده ، لكنه
أحس أن ( الدوسيه ) ما زال موجودا أسفل إبطه .
سمع وقع أقدام
تهرول ، وشخصاً ينادي : اتصلوا بالإسعاف بسرعة .
حاول أن ينهض ،
أن يتحرك ، أن يفعل أي شيء، لكنه أحس أن جسده يتبخر .
أراد أن يفتح عينيه ليرى ما يحدث حوله ، لكنه شعر
أن الشلل قد تسرب إلى جفنيه أيضاً .
أدهشه شيء غريب ، وهو كيف يستطيع الإنسان أن يرى
وهو مغمض العينين ، هل يمكن أن يحدث هذا ؟ حدث له هو ، فقد رأى ... لكن رأى ماذا ؟
لقد رأى نفسه يقف
في فخر وقد ارتدى ملابس شرطي يقف وقد وضع على كتفيه نسرين نحاسيين، قد زاداه شموخاً
،(والدوسيه أسفل إبطه) والناس تتحلق حوله وينظرون إليه في حزن .
أحس أن النسرين
يتحولان على كتفيه إلى نسرين حقيقيين ، نظر إليهما فوجدهما ينظران إليه في حزم ،وسرعان
ما ضربا الهواء بأجنحتهما وقد أطبق كل منهما على أحد كتفيه، وجذباه إلى أعلى إلى اعلى، وهو يطيل النظر إليهما ، وظلا يرفعاه إلى عنان السماء
، ثم وجد ( الدوسيه ) ينساب من يديه ويتناثر أسفله في الفضاء ويتبعثر في الأجواء .
أقترب أ حد الموجودين من الجثة وأغمض عينيها التي فتحت
وهو يردد الشهادة .
وقف الجميع ينظرون
في أسى وحزن ومنهم من بكى وعلا نحيبه
جاءت الإسعاف وحملت
الجسد ومعه دوسيه أوراقه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق