بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 17 أغسطس 2017

مقال

" ذكرى طفولتي مع طه حسين "

رؤى رائد – بغداد


أتذكر جلوسي في إحدى دروس اللغة العربية في الثانوية ، حين كانت المدرّسة تتكلم نبذة عن كتاب طه حسين " الأيام "
أتذكر ضحك الجميع وسخريتهم من الجزء الذي حكى فيه طه حسين عن خوفه صغيراً من العفاريت ليلاً ، وشعوره أنّه إن لم يغطي جسده كاملاً فستتمكن العفاريت من الوصول إليه ، أتذكر شعوري بالضيق ، أتذكر أنني قلتُ في نفسي " نحن كلنا ونحن صغار كُنّا نخاف من الظلمة " ، أتذكر قراءة الجزء الذي تحدث فيه عن سبب إصابته بالعمى وهو استخدام والدته لعلاج خاطئ لعينيه وأتذكر كم شعرت بالغضب من جهل الإنسان وإصراره على جهله في كثير من الأحيان .
كم كان طه حسين طفلاً رقيق الشعور شديد الحساسية ، أشفقت عليه عندما كان يخشى استهزاء إخوته أو شفقة والديه ، فيرفض أن يأكل معظم أنواع الأكل أمام أهله لأنه لم يحسن استخدام الملعقة ،
ولم يكن يشرب أمام الناس خوفاً من أن يضطرب القدح في يده .
أحببت برائته عندما ختم القرآن حفظاً وأصبح يناديه الجميع ب " الشيخ " وانتظاره أن يكون شيخاً فعلاً مثل باقي الشيوخ ويلبسوه العمة والقفطان وشعوره بالظلم لأنهم لم يفعلوا .
أما طه حسين الرجل الناضج ، فنظرته إلى الخلف على قريته ومجتمعه كانت بعين الناقض فأنتقد الأهمية الواهية التي كان يضعها ومازال يضعها المجتمع في حفظ القرآن دون فهم كلمة واحدة من آياته ، ونظرة أهل القرية للعلم الديني بوجه عام ، فأهل القرية وشيوخها لا يعبأون بالقرآن أو الدين ، بل يهمهم فقط لقب " الطفل الحافظ للقرآن " و " رجل الأزهر " ليستخدموه كآداة للتفاخر أمام رفقائهم وباقي أهل القرية .
إنتقد مفهوم " الشيخ " في قريته ، الذي كان ينقسم لثلاثة أنواع :
الشيخ الدارس للقرآن والكتب والشيخ الذي يؤمن بأن العلم لا يتطلب الإستعانة بالكتب فالعلم هو " وحي " يرسله الله على قلب الإنسان والنوع الثالث هو شيخ الطرقات ، وكل نوع من هؤلاء كان لديه جمهوره الذي يرى جهله علماً يُتّبع . إنتقد إيمان أهل قريته بالخرافات التي كانوا يسمونها " معجزات دينية " أو " كرامات أهل العلم " .
كتب طه حسين سيرته مُستخدماً ضمير الغائب ، فيشير إلى نفسه ب " هو " و " صاحبنا " ،
أُعجبتُ بشدة بإسلوبه وجعلني أشعر أننا جالسين معاً جنباً إلى جنب نشاهد أحداث طفولته سوية ، كما أنّ تنقله من صوت طه حسين الطفل الى صوت طه حسين الرجل كان تلقائياً ودقيقاً ولم يحدث أن تشابك كلا الصوتين ، فتشوه براءة صوت الطفل بعقلانية صوت الرجل الناضج .
لم أكن أعتقد يوماً أنني سأقرأ سيرة ذاتية وتجذب إهتمامي وأستمتع بها أكثر من إستمتاعي بأعمال أدبية عديدة كما فعلت كتابات طه حسين عن طفولته .
أخترتُ كتاب " الأيام " وشخصية " طه حسين " لأكتب عنهما لأن كثير من الناس يستهزؤون بمن هو مريض مرض مزمن أو بذوي الإحتياجات الخاصة ، وأخيراً أرجو من كل شخص ضميره في غفوة أن يفز ضميره وينظف قلبه من كل شائبة تجعله يجرح مشاعر الآخرين .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية تحت عنوان إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين أنا هنا لا أخاف أحدًا...