" ذكرى طفولتي
مع طه حسين "
رؤى رائد – بغداد
أتذكر جلوسي في
إحدى دروس اللغة العربية في الثانوية ، حين كانت المدرّسة تتكلم نبذة عن كتاب طه حسين
" الأيام "
أتذكر ضحك الجميع
وسخريتهم من الجزء الذي حكى فيه طه حسين عن خوفه صغيراً من العفاريت ليلاً ، وشعوره
أنّه إن لم يغطي جسده كاملاً فستتمكن العفاريت من الوصول إليه ، أتذكر شعوري بالضيق
، أتذكر أنني قلتُ في نفسي " نحن كلنا ونحن صغار كُنّا نخاف من الظلمة "
، أتذكر قراءة الجزء الذي تحدث فيه عن سبب إصابته بالعمى وهو استخدام والدته لعلاج
خاطئ لعينيه وأتذكر كم شعرت بالغضب من جهل الإنسان وإصراره على جهله في كثير من الأحيان
.
كم كان طه حسين
طفلاً رقيق الشعور شديد الحساسية ، أشفقت عليه عندما كان يخشى استهزاء إخوته أو شفقة
والديه ، فيرفض أن يأكل معظم أنواع الأكل أمام أهله لأنه لم يحسن استخدام الملعقة ،
ولم يكن يشرب أمام
الناس خوفاً من أن يضطرب القدح في يده .
أحببت برائته عندما
ختم القرآن حفظاً وأصبح يناديه الجميع ب " الشيخ " وانتظاره أن يكون شيخاً
فعلاً مثل باقي الشيوخ ويلبسوه العمة والقفطان وشعوره بالظلم لأنهم لم يفعلوا .
أما طه حسين الرجل
الناضج ، فنظرته إلى الخلف على قريته ومجتمعه كانت بعين الناقض فأنتقد الأهمية الواهية
التي كان يضعها ومازال يضعها المجتمع في حفظ القرآن دون فهم كلمة واحدة من آياته ،
ونظرة أهل القرية للعلم الديني بوجه عام ، فأهل القرية وشيوخها لا يعبأون بالقرآن أو
الدين ، بل يهمهم فقط لقب " الطفل الحافظ للقرآن " و " رجل الأزهر
" ليستخدموه كآداة للتفاخر أمام رفقائهم وباقي أهل القرية .
إنتقد مفهوم
" الشيخ " في قريته ، الذي كان ينقسم لثلاثة أنواع :
الشيخ الدارس للقرآن
والكتب والشيخ الذي يؤمن بأن العلم لا يتطلب الإستعانة بالكتب فالعلم هو " وحي
" يرسله الله على قلب الإنسان والنوع الثالث هو شيخ الطرقات ، وكل نوع من هؤلاء
كان لديه جمهوره الذي يرى جهله علماً يُتّبع . إنتقد إيمان أهل قريته بالخرافات التي
كانوا يسمونها " معجزات دينية " أو " كرامات أهل العلم " .
كتب طه حسين سيرته
مُستخدماً ضمير الغائب ، فيشير إلى نفسه ب " هو " و " صاحبنا
" ،
أُعجبتُ بشدة بإسلوبه
وجعلني أشعر أننا جالسين معاً جنباً إلى جنب نشاهد أحداث طفولته سوية ، كما أنّ تنقله
من صوت طه حسين الطفل الى صوت طه حسين الرجل كان تلقائياً ودقيقاً ولم يحدث أن تشابك
كلا الصوتين ، فتشوه براءة صوت الطفل بعقلانية صوت الرجل الناضج .
لم أكن أعتقد يوماً
أنني سأقرأ سيرة ذاتية وتجذب إهتمامي وأستمتع بها أكثر من إستمتاعي بأعمال أدبية عديدة
كما فعلت كتابات طه حسين عن طفولته .
أخترتُ كتاب
" الأيام " وشخصية " طه حسين " لأكتب عنهما لأن كثير من الناس
يستهزؤون بمن هو مريض مرض مزمن أو بذوي الإحتياجات الخاصة ، وأخيراً أرجو من كل شخص
ضميره في غفوة أن يفز ضميره وينظف قلبه من كل شائبة تجعله يجرح مشاعر الآخرين .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق