بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 16 أغسطس 2017

قصة قصيرة


" يــافــا ولــيــدة الأمــل "


 الكاتبة : رؤى رائد - بغداد

بين الحياة الكلاسيكية وأيام الأبيض والأسود تلك الأيام التي كان الجميع يرى في شمس النهار كل الأضواء وفي القمر ونجوم الليل جميع أحلامهم وحياتهم البسيطة ، تلك الأيام ذات البيوت المتناثرة على جبلٍ في العراء ، تلك الأيام البريئة التي لا تعرف الحروب كانت تعيشها هي في فسحة من خيالها وتتمنى أن تعود الحياة كما كانت يوماً ، عاشت معظم لياليها بين الكتب القديمة والصفحات ، بين الأحرف والكلمات ، فكان هذا عالمها الخاص وسرّ قلبها العاصي لهذا الزمان ، فكانت تعشق الهدوء وسط الزحام والسابق قبل الأيان .

ففي منتصف الليل وبين أزقَّة شوارع مدينتها العريقة ، بيوتها البيضاء البسيطة ونوافذها التي يتخلَّلها هواء نقي هادئ ، جلستْ " يافا " الفتاة التي لم تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها على شُرفتها الصغيرة بيدها كوب من النسكافيه ترتشف منه في كل حين فتهاب أن يغافلها النوم فيزورها الموت بغتةً .

يافا ذات العينين العسليتين والشعر الذهبي المنسدل ، لم يتبقَّ من عسل عينيها سوى دمع مُصفّى ولم يبقَ من شعرها الحرير سوى بعض الضفائر ، أمّا ابتسامتها فقد انطفأت ، تلك الابتسامة الصغيرة التي كانت كفيلة بإيقاف كفيف عن السير ولكنها الآن نسيتْ كيف تبتسم وفقدتْ الأمل وطأطأتْ رأسها بين هواجس الأحلام تنتظر غفلة لتعيدها إلى الحياة .

فقبل يومين من محادثة جرت بينها وبين الطبيب " قيصر " حيث قال لها :

لا أعلم كيف أقولها لكِ ، أرجو أن لا يخيب بكِ الظن فهي ليست النهاية ولكن أظن أنَّ ورماً ما تطفَّل على جسمكِ ..

( بتنهيدة منها مُحمَّلة بآلام الدنيا أخذت تلح وترجو أن يخبرها فكان ظنها بالقدر كبير ولكنه أوقعها أرضاً ، فقد أخبرها الطبيب أنَّ سرطاناً خبيثاً يتغذى على رئتيها ولم يعلم الطبيب أنّه يتغذى على روحها وسعادتها أيضاً ، فلم تُكلّم بشراً وإعتزلتْ ليالي القمر ولم تنم منذ أيام ولم تعد تعرف الإبتسامة ، فقد ماتت في عُسر ) .

أخذتْ تصرخ وسط الليل بأعلى صوتها المليء بالدموع :

" ألا يكفيك يا قدر ؟ ألا تكفيك أحزاني ؟ عليك اللعنة ماذا تريد ؟ ألا يكفيك تيتُّمي من أخواتي وضياع أيامي ؟ "

فقد كسرتْ بذلك الصُّراخ قاعدة الهدوء التي تملأ أجواء مدينتها .

صباح اليوم التالي استيقظت على رنين هاتفها المليء بالغُبار وغرفتها التي كانت بها الستائر المُعلَّقة تحجز الضوء عن الدخول وربما الحياة ، كمصّاصة دماء اعتادت على جرعات الكيمياوي والظلام ، تركت الهاتف يرنّ كالمُعتاد وصوته كأجراس تقرع في كنيسة مُهشَّمة الجدران مهجورة السكان ولكن الهاتف لم يتركها وشأنها واستمر بالرنين فردَّت بصوت يُبان عليه آثار الدموع :

- مَن معي ؟

- أخبرتني أمكِ بكل شيء ، إنّها ليست النهاية ، لِمَ تفعلين ذلك بنفسكِ ؟

( فقد كانت جارتها المُمرّضة " تسنيم " التي تعمل في مستشفى في ناحية المدينة )

- ... تنهَّدتْ يافا قليلاً ثم أكملتْ صمتها .

- يافا أرجوكِ لا تفعلي هذا ، أنتِ مَن صنعتِ الأمل

- قاطعت حديثها بصوتها المُختنق وقالت : ولكن هذا الأمر حقاً يختلف

- يجب أن أراكِ ، أنتِ تقتلين نفسكِ

- لستُ أنا ، إنَّهُ القدر

- ومنذ متى نسير خلف القدر ؟ القدر هو الذي يتبعنا

- ....

- أين أنتِ ؟؟

- كالمُعتاد أين سأكون

- انتظراني

أقفلتْ يافا الخط و رمتْ بالهاتف على الأرض ولم تُبالِ ، جلست وراء الستارة التي تعزل بينها وبين النافذة في الخارج والدموع تملأ عينيها بصمت مُطبَّق ، جلستْ تحاول تركيب الواقع ، فهي لم تُصدّق ما يحدث بعد قطع صمتها المُطبَّق طرقٌ على الباب كأنّه يُطرق لأول مرة ، صوت طرق الباب يملأ المكان صدى ،

تنهَّدتْ قليلاً ثم قامت ببطء لتفتح الباب وعندما فتحتْ وإذا بها جارتها " تسنيم " المُمرّضة تقف تتأمل دموع يافا ولم تقل كلمة واحدة ، جلستْ بالقرب من يافا وقالت لها :

كوني قوية ، فالجبل الذي يقع عليه المسجد الأقصى لم يضعف يوماً يا يافا ، تحيطه الأسوار الشائكة من خارجه ولكن لم يتزحزح قط لأنه يعلم ما فوقه ويعلم مَن خلقه لأنه قوي يؤمن بالغد الأجمل ولو سُقيَ كل اليوم من الدِّماء وإرتوى ..

استمر الحديث بين تسنيم وصمت يافا ساعات ، كان تاريخ اليوم التالي الثامن عشر من أبريل عام ألفين وسبعة عشر جاءتْ والدة يافا صباحاً لتوقظها فقد حجزتْ تذكرتين سفر إلى تركيا من أجل العلاج

ولكنه مجرد يوم مختلف ، قضت خمس ساعات في الطائرة تفكر هل هذهِ النهاية ؟ وماذا أفعل اليوم ؟ .. أذهب لأخذ العلاج الكيمياوي الذي يُهشّم جسدي ثم أعود إلى المنزل وأنتظر ذلك اليوم الذي سأبيت فيه في المشفى إلى الأبد !

وصلتْ هي ووالدتها إلى تركيا نزلتا في فندق ظهراً الساعة الثانية وسبع وثلاثون دقيقة

قطعَ حبل أفكارها نظراتها التي تفحص المكان ونظرتْ إلى المرآة فرأتْ شعرها الذي أذبله العلاج ولم يبقَ منه شيء وعينيها التي يملأها الاحمرار ، فكَّرتْ في الأمر بجدّية :

إنْ كنتُ سأموت فإلى متى هذا العناد ، فوضعتْ شالاً حريرياً على رأسها وكحَّلتْ عينيها ونثرتْ القليل من العطر الفرنسي الذي طالما احتفظت به لأنّهُ المُفضّل لديها وحمَّرتْ شفتيها وخرجتْ تُراقص حُبيبات الندى فهي أقوى من مرض خبيث وإنْ كانت النهاية فلتكُنْ ، فحان الوقت لتفعل كل شيء أجّلتهُ يوماً إلى غد

كانت تسير وسط شوارع إسطنبول الرائعة ، أوقفتها طفلة بائعة للزهور كانت تراها دوماً مع أمها حين ذهابها إلى العمل وحان الوقت لتقف تتأمل تلك الزهور الجميلة وتلقي التحية على الطفلة زرقاء العينين :

- مرحباً ( بابتسامة خفيفة )

- مرحباً آنستي ، أترغبين في شراء الورود ؟

- بالطبع ولكن لِمَ أنتِ وحدكِ ؟ أين والدتكِ يا صغيرتي

فنظرتْ الفتاة الصغيرة إلى السماء وقالت بصوت رقيق :

ألا ترين جمال السماء يا سيدتي ، فرفعتْ رأسها إلى أعلى وأكملت الطفلة :

لم تكن بهذا الجمال يوماً ، أمي ذهبتْ إلى هناك لِتُجمّلها وكم أقبحتْ الأرض بغيابها ..

توقفتْ يافا قليلاً كأنّه أصابها شلل مؤقت ، حمدتْ ربّها واحتضت الطفلة وهي تبكي وقالت لها :

في كل ليلة يُضاء القمر بجمالهِ لوجود أمكِ بقربه ، إنها هناك تريدكِ أقوى ، كأنها كانت تُحدّث نفسها .. فاشترت الورود وذهبتْ إلى الشاطئ ورسمتْ على رمالهِ وفعلتْ كل شيء ، أضحكتْ أطفالاً مرضى ، لعبتْ في الطرقات ، دعتْ ربَّها وكم قامت بكتابة حملات عن شعبها وعن ماضيه العريق وحاضره المجيد ، رفعتْ اللوحات تحكي وأمضتْ أيامها على أمل على عزيمة .. على ثقة .. تسهر مع القمر في كل ليلة تحكي له عن مدينتها قصص لم تُحكى من قبل .

إشتدَّ بها المرض ولم تعد قادرة على التحمُّل ، احتواها سرير المشفى طول الساعات .. جاءتها الطفلة بائعة الورود ومجموعة إناس أسعدتهم في طريقها ليردّوا لها الجميل ليذكّروها بالبسمة التي طالما أسعدتْ الجميع بها .. بالتفاؤل الذي لطالما كتبتْ عنه .. تحدَّثتْ عنه وأقنعتْ الجميع به .. عن تلك الورود التي تشبهها في الجمال ،

إستجمعتْ قواها وأقسمتْ أنَّ هذا المرض لن يحكم عليها مؤبّداً ، فلها أبرع محام في عصرها وهو الإرادة ، فقوّة ذلك المحامي تفوق كل محاكم الأحزان والدموع ، إنتظرتْ ظهور القمر في كل دقيقة وساعة ، إنتظرتْ تلك الليالي المُظلمة حتى ينام الجميع وتعزف الرياح ألحان الأمل الجديد .

بعد فترة من تلقّيها للعلاج حجزتْ والدتها تذكرتين للرجوع إلى بلدها وعند وصولها للمنزل .. اللون الذي كان ينقصه الحياة في تركيا .. الرائحة .. الطعم ، لقد عادت الآن إلى المنزل ، عادت إلى الصفحات التي قرأتْ عنها وكل ذلك التاريخ العريق الذي أدمنتْ سماعه كل يوم .. قبَّلتْ تراب الوطن ونسيتْ كل شيء كأنّها وِلدَتْ من جديد ، كأن هذا السرطان مزَّق روحها لتبنيها من البداية ، لتبنيها يافا ، لتكون كـ يافا .

بعد بضعة أيام من إقامتها في بلدها ذهبتْ لتُراجع طبيبها " قيصر " فنظر في عينيها الجميلتين مُطوّلاً وقال :

- ماذا فعلتِ ؟

- ماذا تقصد ؟

- في هذه الفترة من مرضكِ ماذا كنتِ تفعلين ؟ ما هو ذلك العلاج السحري ؟

- لم أفعل شيئا أنا فقط أتحدّث عن الوطن ، أبني نفسي من البداية ، أفعل كل شيء في القائمة

- أيّ قائمة ؟

- قائمة السعادة .. قائمة الأحلام .

- إذاً هذا هو العلاج ! لقد أتممتِ القائمة ووِلدتِ من جديد ، فقد نجاحتي ، فأنتِ شُفيتِ تماماً .

وهكذا وِلدتْ يافا ، وِلدتْ بقوّة وعزيمة ، وِلدتْ بإصرار وثبات ، وِلدتْ لتعلم ، فهي فقط وِلدتْ من جديد .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

  الإعلام العراقي بالنكهة الإيرانية تحت عنوان إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين أنا هنا لا أخاف أحدًا...