هكذا
يكون سعر الدولار
تحت
عنوان
عندما
يتسيّد الخراف حمار
بقلم
البارون الأخير / محمود صلاح الدين
لتسقط
المبادئ وكل القيم مقابل لقمة العيش
البارون الأخير
أموال
وقصور و(كُحّاب)، وتريد منه أن يبني لك بلدًا يحظى بالاحترام! إنها لأضغاث أحلام.
والسؤال: لماذا لا يعترف الفاشلون اليوم بفشلهم في إدارة الدولة؟ ويعود هذا إلى
الأيديولوجيات التي جاء بها القادمون الذين هم على رأس السلطة. وهناك مثل شعبي
يصبّ في أصل الموضوع: (شاف وما شاف، شاف فرج أمه واخترع). وهنا دلالة على أن هذه
الطبقة هي التي يُقال عنها: (شبعت بعد جوع)، وهي أخطر فئة اجتماعية قد تحكمك
اليوم.
وعند
الحديث عن وضع البلد، يأتي أحدهم ويقول: (هل البلد بلد أبوك؟) نعم، البلد أبوي
وجدي، والحديث عنه شرف لا أدّعيه. والغريب، وسوف تتذكرون كلماتي، أن الجميع بعد
زوال النظام الحالي سوف يتحولون إلى أبطال، وكأنهم كانوا يقارعون قوانينه الجائرة.
والحقيقة أن أشجع الشجعان اليوم لن يخرج عن وصف الخروج في نهاية الطريق، ومنها:
زعامة
الحمار ... لا زعامة له إلا على قطيع من الخراف. وقد يُقال هنا إن الأمثال تُضرب
ولا تُقاس، ولكن هنا المثل يُضرب ويُقاس.
القصة
ليست بشخصيات، ولكن بنظام الحكم بأكمله وآلياته في رسم حدود العمل الحكومي. وهنا
أقولها بكل ثقة: لو بُعث نبي من السماء ودخل هذه المنظومة، لخرج منها فاسدًا
ولصًّا يحترف الأعمال المشينة. ولهذا يكون المواطن البسيط واحتياجاته آخر همّهم،
ولهذا نشهد تزاحم الأزمات التي تثقل كاهل العامة. فلا يهم الحمار خطط الذئب تجاه
الخراف، وهذا بسبب شعوره بأنه هو ذاته فريسة؛ فالقيادة عادة ما تقترن بالشجاعة،
وهي القضية التي لا يمكن أن يمتلكها الحمار.
القضية
بأولها ... وقد يسأل الكثيرون هنا: ما الذي حلّ بالشعارات التي كان يُنادى بها؟
وما الذي يجري الآن من جعل حياتنا كلها رهينة لعملة ورقية؟ ولمعرفة ما أوصلنا إلى
هذا الحال، نجد أنهم القادمون على ظهور الدبابات الأمريكية. وهذه الحادثة إثبات
صريح على أن النظام هو صنيعة الولايات المتحدة، ولهذا نجد اليوم أن الجميع يدينون
لها بهذا العمل. والخروج على من ولّاك يُعدّ، في العقيدة السلطوية، جريمة عقوبتها
القتل، وهذا ما سوف يكون؛ فهي مسألة وقت لا أكثر.
ولكن
المسألة أنه لو كان الأمر يتعلق بالطبقة السياسية، لقلت كما تقول العامة: (يطّبهم
مرض). ولكن هناك شعبًا فيه النساء والأطفال والشيوخ وأصحاب الدخل المحدود، ولهذا
كان لا بد من التفكير بالنهايات قبل الشروع بكل هذا. وهناك مقولة مفادها: (لو كنا
نعلم النهايات ما بدأنا).
ولهذا
كان التفكير بالاستقلال المالي؛ لأنه الضمان الوحيد للقوة في ظل السلطة، وغياب
الحصانة المالية في عالم أبرز معالمه النظام المالي يكون بمثابة انتحار سياسي.
وأريد هنا أن أستشهد بمثل شعبي: (الما يوني يغرك). وفي هذا دلالة على أن البلد، في
العقود الماضية، لم يعمل على تعزيز المشاريع الصناعية والزراعية التي تساهم في
انتعاش الاقتصاد. وهذه نتيجة حتمية لسياسة الحمار عندما يتزعم السلطة.
أيديولوجية
الخراف... تحدثنا عن سياسة الحمار، ولكن ماذا عن الخراف؟ وهنا لا أحمّل الحمار
كامل المسؤولية، ولكن هناك ما يساهم في صناعة هذه المهزلة. ففي صباح هذا اليوم،
كنت في حديث مع أحدهم، وعند سؤالي له عن رأيه بما حدث، كانت إجابته، من وجهة نظري،
أسوأ من قضية ارتفاع الدولار، إذ تضمنت قوله: (لماذا تتحدث بهذا الحديث؟ فأنت لم
تعش أيام سيطرة القوى الظلامية وغلاء الأسعار وقتها).
وهنا
تكمن أيديولوجيات العقل الجمعي للخراف في إيجاد مقارنة دائمة بين السيئ والأسوأ،
وهذه تُعدّ مشكلة بحد ذاتها في التعايش مع الأوضاع السيئة. وعندما تكون العامة
بهذه العقلية التي تعبّر عن منهجية الخراف بمعناها الصحيح، ترى من يتمادى فيما يخص
حقوق الناس، لقناعته بعدم وجود من سوف يخرج عليه أو حتى ينتقده.
البلد
برعاية العناية الإلهية ... لا تصدّق من يقول لك إن هناك دولة أو قانونًا؛ فكلٌّ
منهما، إذا لم يستطع حماية العامة، يصبح حلقة مفرغة في حياتنا يجب اقتلاعها. وإذا
ما استمر الوضع على ما هو عليه، فسوف تكون كما قيل في إحدى المسرحيات العربية:
(نهايتك سودة يا زنباوي).
وهذا ليس
فقط لمن يسمّون أنفسهم رجال السلطة، ولكن للعامة أيضًا. فارتفاع سعر الدولار هو
البداية، وبما أن كل شيء ارتبط بالمال، وهو عبارة عن سفينة وسط بحر هائج، فمن
الطبيعي أن تكون النهاية الغرق. والكل هنا في دائرة المسؤولية، ولا نجاة لأحد مما
يحدث، ولا يقول أحدكم إنه في مأمن اليوم.
أما عن
قضية المحاسبات القانونية، فالأمر طبيعي جدًا؛ فالعصابات، على سبيل المثال، تملك
آليات الثواب والعقاب، أما الدولة فهي شيء آخر لا يمكن للجماعات الحاكمة اليوم
إدراكه. وهذا يعود إلى أنهم ما زالوا يتعاملون مع البلد على أنهم معارضة، وكأنهم
لم يعودوا يملكون القدرة على تصديق أنفسهم بأنهم باتوا سلطة حاكمة. وهنا جوهر
الفشل الحكومي الذي نشهده اليوم.
شعيط
ومعيط ... كلمات تُطلق على أولئك الذين يُستقدمون من العدم، بلا خبرة أو علم
لديهم، لإدارة عمل معين. وهذا ينطبق على كل الأسماء التي تتزعم المشهد السياسي، من
رأس الهرم إلى أصغر مسؤول اليوم؛ من باب أن هذه النوعية من الخراف لا تملك الشجاعة
لقول الصواب أو فعله. ولهذا ترى حالة التشظّي في العمل، ومنها ظهور موجات تسونامي
من الفساد المالي والإداري والأخلاقي في مفاصل الدولة.
وإذا ما
وصلنا إلى هذه الحالة، وقد وصلنا، يكون البلد وشعبه في خبر كان عمّا قريب جدًا؛
فالمسألة مسألة وقت.
حكاية
وعبرة... يُروى عن رجل محتال نزل في مدينة، وأراد الاحتيال على أهلها، فجمع الناس
وخاطبهم: اجمعوا لي القردة التي تملأ الغابة المجاورة، وأنا أشتريها منكم. وبعدها
هبّ الجميع لاصطيادها، وبمرور الوقت قلّ عددها حتى أصبحت نادرة. عندها اقترح
المحتال، عبر الوسيط، بيعهم البضاعة التي اشتراها منهم سابقًا، ليبيعوها مرة
ثانية.
وعندها
باع الجميع ما يملكون ليوفّروا المال لعملية الشراء، وبعد ذلك اختفى المحتال، ولم
يعد لهم ما يملكونه. عندها صاح أحدهم: (الآن فقط تحوّلنا إلى قردة، كان يقودنا لصّ
محتال!) وهذه حكاية تجسّد الوضع العراقي برمّته، ولله المشتكى.
الخلاصة...
لم يعد في البلد ما يُبكى عليه، وبتنا اليوم أمام مفترق طرق: إما الموت بصمت
التخاذل، أو الاحتراق، وكلاهما مرٌّ علقم. فلم يعد الأمر شيئًا يمكن السكوت عنه؛
فاللصوص الذين يدّعون أنهم المدافعون عمّا يؤمنون به، إن كان لهم بالأصل إيمان، قد
قامروا بكل شيء: الماضي والحاضر والمستقبل.
والقضاء
عليهم واقتلاعهم أصبح أمرًا واجبًا لا مهرب منه؛ فإما هم أو نحن. وإذا وصلنا إلى
هنا، فليذهبوا هم وتاريخهم العفن إلى الجحيم (لعنة الله عليهم أجمعين).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق