استعراض وزارة الصحة وأزمة البنزين
تحت عنوان
أزمة تخطيط
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
تعود فكرة هذا المقال إلى حوار مثمر دار بيني وبين أحد
الباحثين لنيل درجة الماجستير في التاريخ الحديث، **علي صلاح الدين**، وهو ممن أجد
فيهم مشروع باحث ناجح إلى حد كبير.
ومن بين ما طرحه، طرحتُ عليه رأيًا مفاده أن الأزمة
الوحيدة في العراق هي **«أزمة الصدق»**، عندها اعترض على هذا الرأي، مستندًا إلى
أن فيه تعميمًا، وأن في ذلك نوعًا من التجني، وأضاف أن الأزمة في العراق هي **أزمة
تخطيط**، موضحًا أن الدول الاستعمارية التي تهيمن على البلد لا يهمها كثيرًا
الوقوف عند التفاصيل الصغيرة التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر وما نراه ونسمعه
اليوم يعود، برمته، إلى افتقار المسؤول إلى قضية التخطيط، ومن هنا تكون الانطلاقة
في هذا الموضوع.
استعراض وزارة الصحة... ظهر علينا قبل أيام السيد وزير الصحة بعرضٍ مستهلك
إعلاميًا، من خلال زيارات مباغتة إلى المستشفيات الحكومية والدوائر التابعة له، في
مشهد استعراضي يتخلله بعض التوبيخ والإقالات.
وأنا هنا لست ضد المتابعة الميدانية لمعاليه، ولكن كان
على سيادته، قبل الشروع في هذا العمل، أن يقوم بسؤال **عناكب المبنى الوزاري
العتيدة**: ماذا قدمت الوزارة للمستشفيات والمراكز الصحية؟
وهناك مثل شعبي مصري يعزز فكرة الموضوع، مفاده: «اطبخي
يا جارية... كلف يا سيدي» والحق يقال هنا، إن المستشفيات الحكومية اليوم باتت
تذكرني بفندق في العاصمة بغداد، يقطن في منطقة الكرادة، مقابل مرطبات مشمشة، ويحمل
اسم **فندق الكرادة الحديث**؛ وهو المكان الذي ليس له علاقة بمصطلح «الحديث» سوى
أنه مكان يأوي من تقطعت بهم سبل الحياة.
والرابط بين الاثنين أن كليهما يفتقر إلى التعامل مع
**العنصر الآدمي** فالمستشفيات اليوم لم تعد تقدم إلا ذلك الطبيب الذي يقف حائرًا
أمام سيادة الوزير، الذي غابت عنه الحقيقة المرة؛ فالأمر تراكمي، وعلى امتداد
حقبات وزارية لم تعمل على تطوير العمل الوزاري.
وكان المفروض من سيادته متابعة الأمر من **ضخم
السكرتارية في مكتبه الضخم إلى عامل الخدمات في المستشفيات الحكومية**، لا العكس وكل
هذا لأن إشغال المنصب في البلد بالنسبة إلى الوزراء لا يكون، في كثير من الأحيان،
عبر رؤى أو خطة مستقبلية مدروسة، وإنما يتحول المنصب إلى مساحة لإدارة الأزمات بعد
وقوعها، بدلًا من التخطيط لمنعها قبل حدوثها.
أزمة البنزين... وتبدأ الحكاية من أحد المسؤولين في المحافظة، وظهوره على
وسائل الإعلام وهو يوجه نقدًا لأحد المتجاوزين على طابور الانتظار أمام إحدى
المحطات.
وهنا يكون السؤال: من تسبب في صناعة هذه الأزمة وخلق تلك الطوابير التي
تملأ شوارع المحافظة؟ وهنا سوف نذكر عددًا من الأسباب التي تساهم في صناعة أزمة
البنزين في محافظة نينوى.
الموقع الجغرافي / إن الموقع الجغرافي لمحافظة نينوى، والموصل تحديدًا،
يمثل موقعًا حدوديًا، وهذا ما يعزز ظاهرة التهريب، إضافة إلى وجود عدد من المحطات
التي تعتبر خارج نطاق الرقابة الفعلية للمحافظة، مما قد يؤثر بشكل مباشر في حاجة
المحافظة من مادة البنزين، ويخلق ارتباكًا في عملية التوزيع.
قرارات غير مدروسة / من أهم تلك القرارات عدم استعمال بطاقة الحصة إلا من
صاحب السيارة الشرعي وهنا السؤال الأهم: إذا كانت هذه الحصة حقًا شرعيًا للمواطن،
فما شأن الآخرين بماذا يفعل بها؟
فإذا كان المواطن غير محتاج إليها، فما الضرر في أن
ينتفع بها أحد من أقاربه أو معارفه، مثل **الأب أو الأخ أو الزوجة أو الصديق**؟
وحتى إذا قرر أحدهم بيعها، فأعتقد أن هناك حرية في
التصرف، ما دامت الحصة مقررة له أصلًا، فالحاجة ليست بالضرورة متساوية من شخص إلى
آخر وأرى في هذا القرار رؤية ضيقة للموضوع، وقد يخلق حالة من عدم الرضا عن الأداء
الحكومي، بدلًا من أن يسهم في معالجة أصل المشكلة.
المكاتب الاقتصادية للأحزاب / كثير من الناس يتساءلون: أين تكون تلك المكاتب التي
يتحدث عنها الإعلام؟
وهنا قد تكون الإجابة الصادمة: **مجالس المحافظات**،
التي تعتبر، في نظر البعض، حلقة زائدة في الموضوع، إذ يعمل بعضهم على تمويل
أحزابهم من خلال العقود، ومنها عقود الوقود.
ولهذا ترى أن هناك من يعمل على خلق الأزمات ليكون هو
المستفيد من عملية جمع الأموال، خدمةً لمن وضعه في المنصب.
وهنا تعود بنا القضية إلى السؤال الأول:
هل أزمتنا فعلًا أزمة بنزين؟ أم أنها أزمة تخطيط؟
وربما يكون البنزين مجرد عنوان صغير لأزمة أكبر، عنوانها
الحقيقي **غياب التخطيط، وتداخل المصالح، وتحويل إدارة الدولة من صناعة الحلول إلى
إدارة الأزمات** فالمسؤول الذي ينتظر الأزمة حتى تقع، ثم يظهر أمام الكاميرات
ليوبخ هذا ويقيل ذاك، لا يعالج الأزمة، وإنما يدير مشهدها الإعلامي.
أما التخطيط الحقيقي، فيبدأ قبل أن تقف الطوابير، وقبل
أن تغلق المحطات أبوابها، وقبل أن يبحث المواطن عن المسؤول الذي سيشرح له لماذا
أصبح الوقوف في طابور البنزين جزءًا من حياته اليومية.
وهنا فقط ندرك أن المشكلة ليست في **البنزين وحده**،
وإنما في عقلية إدارة البلد.
وأين الحل؟ ... إذا كنا قد اتفقنا أن المشكلة ليست في البنزين وحده،
وليست في وزارة الصحة وحدها، وإنما في غياب التخطيط، فإن معالجة الأزمة لا تكون
بإطفاء الحرائق بعد اشتعالها، وإنما بمنع الحريق من الأساس.
وفي وزارة الصحة، لا أعتقد أن الحل يكمن في أن يدخل
الوزير مستشفى بشكل مفاجئ، ثم يخرج لنا بقرارات إقالة أو توبيخ أمام الكاميرات،
فهذه إجراءات قد تصلح لمعالجة خطأ فردي، لكنها لا تعالج مؤسسة كاملة تعاني من
تراكمات سنوات.
الحل يبدأ من **خطة وزارية واضحة** تحدد احتياجات كل
مستشفى ومركز صحي، من الأدوية والمستلزمات والأجهزة إلى أعداد الأطباء والممرضين
وعمال الخدمات، ثم تكون هناك متابعة شهرية حقيقية تقيس ما تحقق من الخطة، لا
متابعة موسمية تظهر أمام الإعلام وتختفي بانتهاء الزيارة.
وعلى الوزارة أن تنقل الرقابة من **المشهد الإعلامي إلى
النظام الإداري**؛ فالموظف الذي يعرف أن هناك نظامًا إلكترونيًا يوثق حضوره
وأداءه، وأن هناك تقييمًا دوريًا لا يتأثر بالعلاقات والمحسوبيات، سيكون أكثر
التزامًا من موظف ينتظر زيارة الوزير حتى يعرف أن هناك من يراقبه.
كما أن الطبيب والممرض وعامل الخدمة ليسوا وحدهم
المسؤولين عن انهيار المؤسسة الصحية، فالمسؤولية تبدأ من أعلى الهرم الإداري،
ولذلك فإن محاسبة العامل الصغير وترك الحلقة الأكبر من المسؤولين عن التخطيط
والإدارة ليست إصلاحًا، وإنما توزيع للوم على الحلقة الأضعف.
أما أزمة البنزين، فحلها أيضًا لا يحتاج إلى كثير من
الفلسفة، بقدر ما يحتاج إلى **بيانات دقيقة وإدارة شفافة**.
يجب أولًا معرفة حاجة محافظة نينوى الحقيقية من الوقود،
وحجم ما يدخل إليها، وحجم ما يخرج منها، وما تستهلكه المركبات فعلًا، ثم مقارنة
هذه الأرقام بصورة يومية؛ لأن الدولة التي لا تعرف مقدار حاجتها من مادة أساسية،
لا تستطيع أن تعرف أين ذهب النقص.
كما أن معالجة التهريب لا تكون بالحديث عنه في وسائل
الإعلام، وإنما من خلال **ربط حركة الوقود إلكترونيًا من لحظة خروجه من المستودع
إلى لحظة وصوله إلى محطة التعبئة**، بحيث تكون كل كمية قابلة للتتبع والمراجعة،
ويصبح من الصعب على أي جهة أن تتلاعب بالكميات دون أن تترك أثرًا في السجلات.
أما المحطات التي تقع خارج الرقابة الفعلية، فيجب
إخضاعها إلى نظام رقابي موحد، فلا يمكن أن تكون هناك محطة تبيع مادة يفترض أنها
محسوبة ضمن حاجة المواطن، ثم لا يعرف أحد أين تذهب الكمية التي تستلمها.
وبالنسبة إلى بطاقة الوقود، فإن المطلوب ليس تعقيد حياة
المواطن، وإنما **تنظيم الاستحقاق بطريقة تمنع التلاعب وتحافظ على حق صاحب
الحصة**. فإذا كانت الحصة حقًا مقررًا للمواطن، فيمكن السماح له بتفويض شخص يختاره
ضمن نظام إلكتروني واضح، بدل أن يتحول الأمر إلى طوابير ومعاملات وتعقيدات جديدة.
أما موضوع المكاتب الاقتصادية والفساد المحتمل في
العقود، فالحل لا يكون باتهام الجميع، وإنما بجعل **العقد الحكومي مكشوفًا أمام
المواطن**؛ من أحاله؟ وكم قيمته؟ ومن هي الشركة المستفيدة؟ وما مدة العقد؟ وما
الكمية المجهزة؟ وعندها يصبح الإعلام والمواطن والجهات الرقابية شركاء في الرقابة.
وأعتقد أن أهم خطوة في كل ذلك هي أن نعيد تعريف وظيفة
المسؤول فالمسؤول الناجح ليس الذي يظهر أمام الكاميرا وهو غاضب، ولا الذي يرفع
صوته على موظف صغير، ولا الذي يقيل مديرًا بعد وقوع المشكلة **المسؤول الحقيقي هو
الذي يستطيع أن يمنع المشكلة قبل أن تقع.**
فالوزير الذي يحتاج إلى زيارة مفاجئة حتى يكتشف أن
المستشفى يعاني، كان عليه أن يعرف ذلك من تقارير وزارته قبل أن يصل إلى باب
المستشفى.
والمسؤول الذي يحتاج إلى النزول إلى الشارع حتى يرى
طوابير البنزين، كان عليه أن يعرف بالأرقام أن هناك خللًا في التجهيز والتوزيع قبل
أن يقف المواطن ساعات أمام المحطة.
وهنا أعود إلى الحوار الذي بدأت منه هذا المقال مع
الباحث **علي صلاح الدين**، حين قال إن المشكلة ليست «أزمة صدق» فقط، وإنما **أزمة
تخطيط** وأعتقد أن الحقيقة تقع في منطقة مشتركة بين الاثنين؛ لأن التخطيط يحتاج
إلى صدق في تقديم المعلومات، والصدق يحتاج إلى إدارة تمتلك القدرة على تحويل
المعلومات إلى قرارات.
فإذا غاب التخطيط، أصبح المسؤول يطارد الأزمات.
وإذا غابت الرقابة، أصبح الفساد أكثر قدرة على الحركة.
وإذا غابت الشفافية، أصبح المواطن آخر من يعرف الحقيقة.
أما إذا اجتمعت **المعلومة الدقيقة، والتخطيط المسبق،
والرقابة الحقيقية، والشفافية، والمحاسبة**، فإن كثيرًا من الأزمات التي نعيشها
اليوم لن تكون أزمات أصلًا. ولذلك
فإن العراق لا يحتاج إلى مسؤول يمتلك قدرة عالية على **إطفاء الحرائق**، بقدر
حاجته إلى مسؤول يمنع اشتعالها.
**فالدولة التي تخطط جيدًا لا تجعل المواطن يقف في
الطابور بحثًا عن البنزين، ولا تجعل المريض يبحث عن مستشفى يليق بآدميته.**
وهنا تكون البداية الحقيقية للإصلاح... **أن ننتقل من ثقافة إدارة الأزمة إلى ثقافة صناعة
الحل.**
الخلاصة ... في العراق، يبدو أننا أصبحنا نعيش زمنًا
غريبًا؛ المسؤول لا يتحرك إلا بعد أن تقع الكارثة، ولا يكتشف الخلل إلا عندما تصطف
الكاميرات أمامه، ولا يتذكر المواطن إلا عندما يحتاج إلى صورة إعلامية جديدة.
في وزارة الصحة، يُكتشف تقصير المستشفى بزيارة مفاجئة،
وفي أزمة البنزين تُكتشف الطوابير بعد أن تملأ الشوارع، وكأن وظيفة المسؤول ليست
أن يعرف ما سيحدث، وإنما أن يتفاجأ بما حدث!
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية...
نحن لا نعاني من نقص البنزين بقدر ما نعاني من فائض
المسؤولين الذين لا يعرفون كيف يخططون، ولا نعاني من نقص المستشفيات بقدر ما نعاني
من نقص الإدارة التي تجعل المستشفى مكانًا للشفاء لا مكانًا لاستعراض الوزير.
أما المواطن، فقد أصبح هو الحلقة الأسهل في مسلسل الفشل؛
يُطلب منه الصبر عندما ينقطع البنزين، والصبر عندما يمرض، والصبر عندما تتعطل
معاملته، والصبر عندما ترتفع الأسعار، والصبر عندما يسمع وعودًا جديدة.
وكأن المواطن خُلق ليصبر، والمسؤول خُلق ليبرر!
لقد مللنا من ثقافة «المفاجآت الوزارية»، ومن المسؤول
الذي يكتشف المشكلة بعد وقوعها، ثم يخرج علينا بعبارات محفوظة عن المتابعة
والمحاسبة والإصلاح.
يا سادة... الإصلاح لا يبدأ بالكاميرا، ولا ينتهي
بالإقالة. الإصلاح يبدأ بعقل يخطط، وضمير يراقب، وقانون يحاسب، وإدارة تعرف أن
المال العام ليس غنيمة، وأن المواطن ليس رقمًا في سجل الناخبين.
أما أن نبقى نبحث عن موظف صغير نحمّله مسؤولية فشل مؤسسة
كاملة، ثم نعود في اليوم التالي إلى المكاتب نفسها والعقليات نفسها والآليات
نفسها، فهذه ليست إدارة دولة...
هذا مجرد تدوير للفشل!
ولذلك أقولها بلا مجاملة: أزمة العراق ليست في البنزين
وحده، ولا في المستشفى وحده، ولا في الموظف وحده... أزمة العراق في عقلية إدارية
اعتادت أن تصل متأخرة، وتعتذر متأخرة، وتعاقب متأخرة، ثم تطلب من المواطن أن يصفق
لها لأنها وصلت!
وهنا لا بد أن نسأل السؤال الذي يهرب منه الجميع: إلى
متى يبقى المواطن يدفع ثمن أخطاء الذين يملكون القرار ولا يملكون الخطة؟
فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن توفر دواءً لمريض، أو
سريرًا لمحتاج، أو لترًا من البنزين لمواطن، أو جوابًا واضحًا عن سبب الأزمة،
فالمشكلة لم تعد أزمة خدمات... إنها أزمة دولة في طريقة تفكيرها وإدارتها والباقي...
مجرد استعراض!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق