بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 30 أغسطس 2026

مقال

 

 سكن مواطني المركز في الإقليم وآثاره الإدارية والاجتماعية

تحت عنوان

المواطن بين المحاباة والانحلال

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



هناك بعض المشكلات التي يتفادى الكثير الحديث عنها لسبب أو آخر، ومنها الآثار الإدارية والاجتماعية في قضية السكن، حيث يظن الكثير أنها قد تكون من القضايا البسيطة التي لا تستحق أن تُذكر، مع أنها مشكلة بالغة الخطورة، لم تترك من آثارها إلا أن تغيّر المسارات العقلية والمنطقية في الدولة والمجتمع.

 

الندية... هناك سوء فهم لدى مفكري السياسة في الإقليم في تعريف الفدرالية، وهي تعني: **«دولة واحدة، لكن السلطة والإدارة موزعة بين المركز والأقاليم أو المحافظات، مع بقاء السيادة للدولة الاتحادية»**.

فمنذ تأسيس الإقليم، لم يتم التعامل مع المصطلح بالمعنى الحقيقي، من باب أن ما قد حصل هو عملية تهيئة للاستقلال، وفي هذا نوع من السذاجة الفكرية. وهذا يعود إلى أن **مجلس حكماء هذا العالم** لم يتخذوا القرار بعد بهذا الخصوص، ولم تُطرح الفكرة من الأصل.

وهنا وُلدت مشكلة لا يدرك الكثير حجمها، وهي **دولة داخل دولة**؛ فلهم ما ليس لغيرهم ضمن حدود المركز، الذي يتجسد في حق المواطن في المركز بكل الحقوق التي يريدها، ولكن مواطن المركز لا يتم التعامل معه بهذا المفهوم، بدءًا من مسألة الإقامات وغيرها.

 

السكن المنفعي... يظن الكثير من الناس أن منح تصاريح السكن لمواطني المركز من خارج الإقليم هو **«مكرمة»** أو اعتراف ضمني بحقوق المواطن داخل الحدود العراقية، ولكن ما لا يعلمه الجميع أن الأمر برمته هو عبارة عن منفعة اقتصادية لتحريك العجلة الاقتصادية للإقليم، لا أكثر.

وفي حال، كما يرددون، وعند استقلالهم، لن يبقى أحد من هؤلاء على تلك الأرض، حتى أولئك الذين لديهم استثمارات سكنية؛ إذ سوف يتم التعامل معهم وفق ما يسمى بـ «تأميم الدولة» ، وسوف يرفعون شعار: «على المتضرر اللجوء للقضاء» وأي قضاء هذا الذي سوف يصدر حكمًا لا يخدم فكرة الاستقلال؟

 

نوعية السكان... ينقسم هؤلاء إلى قسمين؛ فمنهم المسؤولون وأصحاب رؤوس الأموال، وآخرون هاربون من الفشل الاجتماعي، وكلاهما يجد لنفسه المساحة الآمنة، كما يتصور هو.

ولكن للحقيقة وجه آخر؛ فكل شيء تم دراسته بعناية لخدمة مشروعهم التوسعي، الذي تفصح عنه تلك الشعارات القومية.

والغريب أن تلك المجاميع تدرك أنهم مسلوبي الإرادة في التعبير عن آرائهم وانتماءاتهم وبشكل علني، وهناك أكثر من حادثة تؤكد ما ورد في هذه السطور، ومنها حرق العلم العراقي لأكثر من مرة دون رادع حقيقي للموضوع ودليلي في هذا: ليس هناك مرشح واحد في الإقليم لتمثيل العرب، أما في المقابل، فهناك تمثيل واسع ومسيطر في المركز لسكان الإقليم، وهذا دليل على تهميش تلك الشريحة من السكان.

 

المحاباة... مصطلح واسع الانتشار بين المسؤولين الذين يسكنون الإقليم، وهم أصحاب المناصب العائدة إلى المركز، وهذا ما له آثار كارثية على استقلالية القرار الحكومي.

فالمسؤول الذي يسكن الإقليم لا يستطيع اتخاذ قرار يثير حفيظة المسؤولين هناك بسبب السكن، ما يحدث خللًا حقيقيًا في التعامل مع المشكلات التي يعاني منها مواطن المركز، ومنها مشكلة البنزين التي سوف نتحدث عنها لاحقًا.

 

الفاشلون اجتماعيًا... كثيرًا ما نسمع عن أشخاص يعانون من فشل اجتماعي، يرون في الإقليم ملاذًا آمنًا لأفعالهم وآرائهم الشاذة، ولهذا انتشرت في المجتمع مقولات تعبّر عن هذه الحالة، مثل «معارض أربيل» ، إشارةً إلى الملاهي الليلية.

وتفعيل هذه الحالة يعود إلى جذور انتقامية تاريخية، وإذا ما كنت تريد التأكد مما ورد هنا، يجب أن تعود إلى تاريخ الموصل ومنطقة «العموم» وعرّابيها ومن يستقطب إلى هذه المنطقة.

وهذا يبرر تلك الممارسات التي يتبناها الإقليم مع استقبال تلك النماذج وتوفير الحماية لهم، مثل **«القرية اللبنانية»** وغيرها.

وليس هذا فحسب، فهناك نوعية أخرى من الفاشلين والفاشلات خارج حدود تلك الأماكن، وهنا الهاربات من واقعهن الاجتماعي، فيرين في الإقليم مساحة للحرية كما يعتقدن بأفكارهن الساذجة، فيكون هناك خلط بين مصطلح الحرية والانحلال وهنا تكمن المشكلة الاجتماعية التي سوف يكون لها آثار كارثية، تتحملها سياسة الإقليم من خلال تشويه صورة الوافدين إلى الإقليم من سكان المركز.

 

الوطن لا يقبل التجزئة... منذ ولادتي وأنا أعيش في منطقة يعيش بها كل المسميات المستحدثة، القومية منها والطائفية، ولم أجد مشكلة في التعامل مع أحدهم في يومًا ما، رغم أن الحكم في تلك الفترة كان متبنيًا الفكر القومي.

وإذا ما عدنا إلى تلك الحقبة، فسوف نجد أن هناك ما يُعرف بالتوازن الفكري في التعامل مع تلك القضية ولكن ما أثار تلك النعرات هي بعض المصطلحات الوهمية التي تبنتها الأنظمة الحديثة للحكم في البلد، مثل «التغيير الديمغرافي» وللأسف، أن هناك تبنيًا لبعض المصطلحات التي تخدم السياسات القذرة لديمومة الصراع والبقاء على رأس السلطة وقد يرى البعض أن الحديث في تلك المواضيع يعتبر نوعًا من الانتحار، ولكن ما لا يدركه الكثير أن هناك ما يُعرف بالالتزام الأخلاقي أمام قضايا الوطن.

 

المضمون ... إن خطورة قضية السكن لا تكمن في المكان بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الإجراءات الإدارية إلى **تمييز اجتماعي**، فالمواطن عندما يشعر أن القانون لا يُطبق عليه كما يُطبق على غيره، تبدأ ثقته بالمؤسسة والدولة بالتراجع.

وهنا يحضر مفهوم **الأنومي** عند عالم الاجتماع إميل دوركايم، الذي يشير إلى اضطراب المعايير الاجتماعية عندما يفقد الفرد شعوره بوجود قواعد عادلة ومشتركة تنظم حياته. فحين تكون الدولة واحدة، ولكن الحقوق تختلف باختلاف المكان، يبدأ المواطن بالسؤال: **هل أنا مواطن في وطن واحد أم أن مواطنيتي تتغير بتغير المنطقة؟**

أما إداريًا، فإن تعدد الإجراءات وتداخل الصلاحيات والاستثناءات يفتح الباب أمام المحاباة والوساطة، ويجعل القانون في بعض الحالات أقل حضورًا من العلاقات والنفوذ، وهذا يؤدي إلى إضعاف هيبة المؤسسة وتراجع ثقة المواطن بها.

واجتماعيًا، فإن استمرار هذه الحالة قد يصنع مع الزمن جدارًا نفسيًا بين أبناء الوطن الواحد، فتتحول الاختلافات الجغرافية إلى تصنيفات اجتماعية، ثم إلى شعور بـ«نحن» و«هم»، وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المشكلة لم تعد في ورقة إقامة أو تصريح سكن، وإنما أصبحت في **الوعي الاجتماعي نفسه**.

إن المواطن الذي يشعر بأنه أقل حقًا من غيره لن يحمل المشكلة في معاملته فقط، بل قد يحملها في ذاكرته، وينقلها إلى أبنائه، وهكذا تتحول المشكلة الإدارية الصغيرة إلى تراكم اجتماعي يصعب علاجه بقرار مؤقت ولهذا فإن حماية وحدة الوطن لا تكون بالشعارات، وإنما بجعل **المواطنة معيارًا، والقانون مرجعًا، والمساواة ممارسة حقيقية**.

فالمشكلة التي تبدأ بإجراء إداري قد تنتهي بأزمة ثقة، وأزمة الثقة إذا تحولت إلى انقسام اجتماعي فإنها تصبح أخطر من أي خلاف سياسي **فالأوطان لا تتجزأ أولًا على الخرائط، وإنما تتجزأ في عقول أبنائها.**

 

الخلاصة... قد يكون ما ورد في هذه السطور هو حجر في المياه الراكدة، ولا تُعتبر هذه الكلمات نوعًا من تسقيط لفكرة الإقليم، لا سامح الله، ولكن قد تكون هي الحقيقة التي لا يتجرأ أحد على البوح بها.

فهناك العديد من القضايا التي لا يدركون ما آثارها المستقبلية، ولكنها لا تقل عن آثار قنبلة نووية إذا ما انفجرت في مكان معين، والحديث عنها يعتبر بمثابة كفر بكل المعتقدات الدنيوية ومنها قضية السكن في الإقليم ولتكن هذه الكلمات صرخة تعبّر عن الألم الذي نشعر به عندما ترى الوطن قد وصل إلى هذا الحال، وهنا تكون كلمة: «لك الله يا عراق» أصدق ما قد يقال الآن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    استعراض وزارة الصحة وأزمة البنزين تحت عنوان أزمة تخطيط بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين تعود فكرة هذا المقال إلى حوار مثمر...