الزيدي
.. وأزمة الصلاحيات
تحت
عنوان
هل هناك
دولة؟
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
خرج
علينا قبل أيام مستشار رئيس الوزراء بتصريح عنه، يُعد كارثة في عالم السياسة، بأن
الجماعات المسلحة لا تحترمه ولا تحترم الدولة، ويبدو أن سيادته غير مدرك مدى
صلاحيات منصبه الذي يشغله. وهذه الأزمة لا تنضوي تحت شخصية بشكل مباشر، ولكن قلتها
قبل أعوام وعن تجربة شخصية: إن حدود صلاحيات منصب رئيس الوزراء، بغض النظر عن
الأسماء، هي جدران غرفته، وهنا سوف نشرح ملابسات المأزق الذي يمر به سيادته.
انعدام
القواعد الشعبية ... مسؤول الصدفة إذا ما أردنا وصفه بشكل دقيق، وهذا بسبب تسميته
أو توليه لهذا المنصب، فالرجل لم يزاول العمل السياسي قبل هذا، وقد كان دوره
التغطيات المالية لكثير من الشخصيات من خلال وظيفته في إشغال منصب إداري ومالي في
مصرف الجنوب. والحقيقة أن سر اختياره كان نوعًا من الالتفاف على قرار السيد ترامب،
رئيس الولايات المتحدة، كنوع من المراوغة السياسية من وجهة نظرهم القاصرة في عالم
السياسة، وهذا ما أدخلهم بشكل مباشر في مأزق إدارة الدولة. فالمرحلة تعتبر من أحرج
المراحل التي يمر بها البلد على الصعيد المالي والإداري، وعدم امتلاكه قاعدة شعبية
ساهم في إضعاف قدرته على اتخاذ قرار حاسم في مجمل القضايا.
مأزق
السقف الزمني ... الخطأ القاتل الذي أقدم عليه، إلزام نفسه بسقف زمني لقضايا عجزت
عشرات السنوات عن حلها، دون امتلاك عصا سحرية لهذا الأمر، وهذه تعتبر الشعرة التي
سوف تقسم ظهر البعير. فقبوله لطلب زيارة الولايات المتحدة كان بسبب إلزامه بوقت
محدد، يعتبر بمثابة انتحار سياسي في عالم يعج بالفوضى الإدارية والمالية.
العراق
والعالم الوردي المزيف ... كثيرًا ما يروّج له المبطلون للسلطة، أن البلد يحظى
برخاء إداري ومالي منذ بداية هذه الحقبة، منذ عقدين، ولكن ما لا يريد الاعتراف به
عرّابو السلطة أن هناك أزمة حقيقية تعصف بهذا البلد بسبب عدم وضع رؤية سياسية
ثابتة، وكان الأمر برمته يسير بمنظور (حارة كلمن إيدو إلو)، وهذا بسبب منهجية
المحاصصة التي نشأ عليها النظام من البداية، ما خلّفت الكثير من القضايا التي
أنهكته وأدخلته في زوايا نفق مظلم.
فلا أحد
في هذا البلد يعمل من أجل الوطن، فالجميع يعمل تحت العديد من المسميات، منها
(الطائفية والقومية والدينية)، وكان البلد عبارة عن غنيمة يسعى الجميع لنيل أكبر
حصة منه، فأصبحنا اليوم لا خدمات طبية حقيقية، ولا بنية تحتية، ولا تعليم.
وهنا
يكون السؤال لمن يريد أن يتزعم المشهد: ماذا سوف تدير إذا ما لم تجد ما يستحق
الإدارة؟ ولهذا اتجهت الدولة لعملية الخصخصة في جميع مفاصل الدولة، كنوع من التهرب
من المسؤولية بحجة مواكبة الحضارة، وهذا غير صحيح.
الجماعات
المسلحة ... وهي ليست فكرة جديدة كما يظن الكثير، فهي تعود إلى تأسيس النظام
الجمهوري، ولكن مع اختلاف الأسماء، ومنها (الشبيبة والحرس القومي والجيش الشعبي
والبيشمركة والحشد الشعبي). وفي هذا دلالة على أن القضية اليوم هي أكبر من تواجد
تلك الجماعات المسلحة على الأرض، ولكنها أيديولوجيات فرضتها بعض الأجندات العابرة
للحدود منذ ذلك الوقت، وفي الغالب ما يكون عملها لقمع من يخرج على السلطة، كنوع من
الالتفاف على النظام في التعامل معهم.
مفهوم
الدولة ... في المنهج العقلي، في الغالب ما يُعرَف أنه حزمة قوانين تنظم الحياة
العامة، يقوم على تطبيقها مجموعة شخصيات تتمتع بالكفاءة وتتمتع بصلاحيات تعمل على
فرض القانون، ولكن ما نجده اليوم على أرض الواقع عبارة عن قانون مطاطي حسب الأهواء
والمصالح الشخصية، وهذا ما سبب نوعًا من التراخي في فرض القانون، وخلق نوعًا من
عدم الثقة بين المواطن والدولة، ولهذا وهنا يسقط مفهوم الدولة.
الحلول
... الاستقلال الاقتصادي والإداري في اتخاذ القرار. ومن أكبر المشاكل التي يعاني
منها البلد أن المال تمسك به الولايات المتحدة، والإدارة على الأرض بيد الجارة
إيران، وبسبب الازدواجية في المعايير يكون الحل في تغيير عقيدة إدارة الدولة
العليا، من خلال فرض منهجية تتمتع بالمصداقية، والكف عن التعامل مع المواطن على
أنه غنيمة؛ فمنهم من يستثمره كوقود للحرب، وآخر يستثمره كمواد استهلاكية، والمضي
في التعامل مع الجميع بمعيار واحد، بغض النظر عن التبعية، وبهذا فقط نكون قد
اقتربنا فقط من إيجاد الحل.
الخلاصة
... إن الجميع اليوم يسير حسب ما يُملى عليه، من رأس الهرم الممثل برئيس الجمهورية
إلى موظف الخدمة في هذا البلد، وبهذه العقلية لن تُبنى البلدان؛ لأن الأيديولوجيات
المتغيرة قد تفضي لمفهوم يحول الوطن لفريسة تتصارع الكلاب عليه. هي سياسة فاشلة،
ولو كان من يتزعم رأس الهرم نبيًا مبعوثًا من السماء، فعالم السياسة علم له قواعد
وقوانين تُدرَس..
أما مفهوم الشرق الأوسط بأن تستقدم شخصيات من العدم
للواجهة السياسية، فقد أثبت فشله منذ نهاية القرن الماضي.. ونصيحتي
للزيدي أو أي رئيس وزراء قادم: **اقرأ التاريخ قبل أن تشرع في قبول المنصب.**
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق