بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

مقال

 

 نصف ساعة في مقهى شعبي

تحت عنوان

جلسة لما فوق العادة

بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين



منذ فترة طويلة، تعودنا أنا وصاحبي عبد الله حسن مامك، الموظف في المكتبة المركزية، على ممارسة يومية، وهي الجلوس في مقهى قبل الذهاب إلى العمل. والحق يقال، كنا كثيراً ما نكسر الروتين في اختيار الأماكن، فنادراً ما تجدنا نستقر في مكان معين. وبعد فترة، وبطريق الصدفة، وجدنا أنفسنا بالقرب من مقهى أم كلثوم، الكائن على شارع الدركزلية، لصاحبه العم عصمت، الرياضي المتقاعد.

وعند دخولنا، تفاجأنا بوجود شخصيات تواظب على الحضور في كل صباح، وبعد الجلوس معهم وُلد شعور أقل ما يوصف به أنه شعور بالراحة، ولهذا الشعور، من الطبيعي أن تكون له أسباب، سوف نتطرق إليها. ومن باب مقولة: «قل لي من تصاحب، أقل لك من تكون»، سوف نستعرض تلك الشخصيات وتلك الأحاديث التي تدور في هذا الوقت القصير.

 

(عبد الله حسن) هو الصديق الصدوق، قولاً وفعلاً، صاحب النخوة والأفعال الحسنة، وإذا ما أردنا وصفه، فهو «القوي الأمين»، وهذه صفة قلّما تجدها اليوم في شخصية.

(الدكتور خيري شيت شكر) أستاذ مادة التاريخ، وهو الصحفي غير التقليدي، صاحب الشخصية المتمردة على كل ما يتسم بالروتين والتقاليد المقيتة، وهذا ما يعطيه تفرداً في طروحاته.

(الأستاذ شامل الشبلي) المشرف التربوي، صاحب الثقافة الصامتة الرصينة التي تحفظ للمعلومة رصانتها عند طرحها، وهذا ما يؤهله لأن يكون المثقف الحقيقي.

(الدكتور عبد السلام الجبوري) الأستاذ المتقاعد، عالم التاريخ وصاحب الآراء المثيرة للجدل، المستوحاة من الواقع، وهو صاحب القلم الحاد تجاه كل ما يخرج عن المألوف.

(طه الشبلي) رياضي متقاعد، صاحب الأخلاق الحميدة التي يشهد له بها كل من يعرفه.

(سيف أبو علاء) الإداري الرياضي، صاحب القفشات التي طالما تضيف البهجة إلى المكان الذي يكون فيه.

 

وقت مستقطع من الحياة... نصف ساعة في حسابات البشر وقت لا يكاد يُذكر، ولكن ما لا يعرفه أحد هو أنها نافذة لبداية يوم جديد، تعتبر بمثابة طاقة متجددة لبداية يوم شاق، يثقله التعامل مع شخصيات وضعها القدر في طريقك.

وقد لا يجمع الأسماء التي ذكرتها تخصص أو عمل، ولكن هناك تناغماً ملموساً تشعر به من خلال الجلسة، فتسقط كل القيود التي قد تكون قيداً على حديث معين، فيكون كل شيء واضحاً، دون أقنعة أو تجميل لحقيقة معينة.

 

نافذة للمرح... من جملة الأحاديث المتداولة هي معاناة «شيخ المحظورين»، كما يحلو أن يطلق على نفسه الدكتور خيري، وقضية حظر صفحته الفيسبوكية، وتساؤلاته عن الأسباب التي لا يجد لها، في الغالب، تفسيراً.

ومن القضايا التي تدعوه إلى الابتسامة أنه يضع نفسه في مقارنة مع ما أكتبه، فيسألني في الغالب: «لماذا لا يتم حظرك وأنت تكتب ما تكتب؟ وأنا لم أنشر شيئاً ويتم حظري على مدار الساعة؟».

وهنا تنفجر الأفواه بالضحك والابتسامة، لننتقل إلى رغبات الدكتور عبد السلام في تعلم أبجديات العمل بالذكاء الاصطناعي في التعامل مع الصور، وأنا لا أدخر جهداً في إرشاده إلى هذا العمل، ويبدو أن شخصية الدكتور تتخذ من هذا الأمر نوعاً من التسلية، ولا ضرر في هذا، فهو رجل متقاعد.

ثم ننتقل إلى الأستاذ شامل، واستفزازي له من خلال روايات تاريخية منتقاة، ويقوم هو بعمليات التصحيح لي، وهو رجل على دراية بما سوف يقول، ولكنني محب لجعله يتكلم.

ثم نصل إلى الرياضي طه الشبلي، فالرجل هنا يعمل لي بدل منبه؛ فعند الساعة الثامنة صباحاً يصرخ ليقول: «إنها الساعة الثامنة»، كنوع من التنبيه لي بأن وقتك قد انتهى. وعند نسيانه الأمر، يقوم عبد الله بتذكيره من باب الدعابة.

وهنا يكون سيف أبو علاء ومسألة «الريوك الصباحي»، فيعتبره من أهم القضايا التي تشغله طوال الوقت، ولا يخلو حديثه بالعادة من القفشات والقصائد الشعبية.

 

هوية الجلسة... لم ندّعِ يوماً أنها قد تكون جلسة ثقافية أو شيئاً آخر، ولكنها جلسة للراحة، نسقط فيها كل القضايا التقليدية؛ لأنني على إدراك ودراية بأن هذا مقهى شعبي، ولم نحاول إخراجه من محتواه الحقيقي، ولم ندّعِ أن جمعنا هو جمع ثقافي أو مركز توعوي أو إعلامي.

فالجميع متفقون على أن الجلسة هي وقت جميل بصحبة أجمل، يسودها أحاديث المرح والمودة، وهذا ما أعطاها نوعاً من التميز الذي قد لا يحظى به الجميع.. فنحن قد نكون جميعاً محظوظين بهذا الوقت المستقطع من الحياة.

 

ما بين فنجان القهوة وصدق الحكاية... قد يعتقد البعض أن الجلوس في مقهى شعبي مجرد عادة يومية لقتل الوقت، لكنني أرى أن بعض الجلسات لا تقاس بالوقت، وإنما بما تتركه في النفس من أثر. وهذا تحديداً ما وجدته في نصف الساعة التي تجمعني بهذه الشخصيات؛ فهي مساحة صغيرة من الحياة نستعيد فيها شيئاً من أنفسنا التي تسرقها منا ساعات العمل وتفاصيل الحياة.

في هذه الجلسة لا أحد يحاول أن يكون غير نفسه؛ فالدكتور خيري شيت شكر يأتي بشخصيته المتمردة، فيفتح موضوعاً يقود إلى آخر، ثم نجد أنفسنا أمام نقاش ممتع لا نعرف أين بدأ ولا إلى أين سينتهي. أما الأستاذ شامل الشبلي، فصمته ليس فراغاً، وثقافته لا تحتاج إلى إعلان، ولهذا أتعمد أحياناً استفزازه برواية تاريخية، ليس لأني أجهل الإجابة، وإنما لأستمتع بتصحيحه وأراه ينتقل من الصمت إلى حديث يكشف عمق ثقافته.

والدكتور عبد السلام الجبوري له طريقته في صناعة الحوار، فلا يترك قضية تمر كما جاءت، وقد يحول الجملة البسيطة إلى نقاش مثير للجدل، لكن الاختلاف هنا ليس صراعاً، وإنما جزء من متعة الجلسة.

أما عبد الله حسن مامك، فهو أكثر من شريك في هذه الجلسة؛ إنه الصديق الذي يمنح المكان حالة من الاطمئنان، ولا تحتاج معه إلى كثير من الكلام حتى يفهمك.

وطه الشبلي هو «منبه الجلسة»؛ فعند الثامنة يعلنها بصوته: «إنها الساعة الثامنة»، ليعيدني إلى الواقع وموعد العمل، بينما يأتي سيف أبو علاء ليمنح الجلسة جرعتها المعتادة من البهجة، فلا يخلو حديثه من «الريوك الصباحي» والقفشات والقصائد الشعبية.

وهنا أدركت أن سر الجلسة ليس في المقهى ولا في فنجان القهوة ولا في نصف الساعة نفسها، وإنما في الأشخاص الذين جعلوا لهذه الدقائق قيمة مختلفة. فقد تجلس ساعات مع أشخاص وتشعر بالثقل، وقد تجلس نصف ساعة مع أشخاص وتشعر بعدها أن يومك أصبح أخف.

نحن لا نذهب إلى مقهى أم كلثوم لنصنع صورة ثقافية أو لنمنح جلستنا صفة أكبر من حقيقتها، وإنما نذهب لأننا وجدنا في المكان شيئاً يشبهنا. نأتي محملين بالعمل ومشكلات الحياة، ثم نترك كل ذلك جانباً لبعض الوقت، ونجلس كما نحن، دون ألقاب أو مناصب أو أقنعة.

قد لا يجمعنا تخصص أو عمل أو عمر واحد، لكن يجمعنا شيء أهم، هو القبول الإنساني. وكل واحد منا جاء من طريق مختلف، لكن طرقنا التقت في نصف ساعة أصبحت مع مرور الأيام جزءاً من تفاصيلنا اليومية.

 

نصف ساعة فقط... لكنها أحياناً تكون كافية لتثبت لنا أن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت تمنحنا نوافذ صغيرة نتنفس منها. وربما أجمل ما في هذه النافذة أنها لم تكن مخططة، ولم نصنع لها عنواناً، وإنما جاءت ببساطة كما تأتي الأشياء الجميلة.

هي جلسة أصدقاء... لكنها بالنسبة لي نصف ساعة من الحياة لا أريد أن أخسرها.

 

الخلاصة ... ربما يخطئ من يظن أن قيمة الإنسان تقاس بعدد الساعات التي يقضيها في العمل، أو بعدد المناصب التي مرّ بها، أو بعدد الأسماء التي يعرفها، فهناك أوقات قصيرة في عمر الإنسان تساوي سنوات كاملة من العمر، لأنها تمنحه ما لا تمنحه الساعات الطويلة؛ تمنحه نفسه.

نصف ساعة في مقهى شعبي قد تبدو في حساب الزمن شيئاً لا يستحق الذكر، لكنها في حساب الإنسان قد تكون وطناً صغيراً نعود إليه كل صباح، نخلع عند بابه أثقالنا، ونجلس دون ألقاب ولا مناصب ولا أقنعة.

هناك، يصبح الدكتور خيري مجرد خيري، وشامل مجرد شامل، وعبد السلام مجرد عبد السلام، وطه منبهنا الصباحي، وسيف صاحب «الريوك» والقفشة، وعبد الله ذلك الصديق الذي لا يحتاج إلى تعريف، وأنا مجرد رجل وجد نفسه بين هؤلاء.

وهنا تكمن الفلسفة... فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى مكان عظيم حتى يشعر بأنه حي، وإنما يحتاج إلى أشخاص حقيقيين يجعلون المكان عظيماً.

قد تنتهي القهوة، وقد تدق الساعة الثامنة، وقد نغادر جميعاً إلى أعمالنا، لكن شيئاً ما يبقى في الداخل... ضحكة، كلمة، جدال، قفشة، أو حتى صمت جميل.

وربما لهذا السبب أصبحت تلك النصف ساعة أطول من كثير من الأيام؛ لأنها لا تسرق من أعمارنا وقتاً، بل تعيد إلينا شيئاً من أعمارنا التي سرقتها الحياة.

وفي زمن أصبح فيه معظم الناس يجلسون مع بعضهم وهم منشغلون عن بعضهم، أجد نفسي محظوظاً بنصف ساعة أجلس فيها مع أشخاص لا أحتاج معهم إلى أن أكون شخصاً آخر... نصف ساعة فقط... لكنها تكفي أحياناً لتثبت لنا أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، بل من نجدهم حين نريد أن نكون نحن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال

    نصف ساعة في مقهى شعبي تحت عنوان جلسة لما فوق العادة بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين منذ فترة طويلة، تعودنا أنا وصاحبي عبد...