الإسلام وحافة الهاوية
تحت عنوان
ضرورة ولَّدت المُجدِّد
بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين
إن الفكرة التي لا تقبل التجديد، مصيرها إلى الزوال، حتى
وإن كانت في باب الدين. فمنذ فترة سألتني إحدى الصحفيات: "لماذا توجه سهامك
دائماً ضد الإسلام؟" وهنا يكمن الخطأ في صياغة السؤال، إذ كان ينبغي أن يكون:
"ما هي مشكلتك مع الإسلام؟"
والحقيقة أنني لا أملك مشكلة مع الإسلام كدين، وإنما
تكمن مشكلتي في قضية تحريف الدين، ومنهجية التقول على الله عز وجل ورسوله الكريم
محمد (ص)، وتوظيفهما للمنافع الدنيوية والشخصية. وهذا، بالضبط، ما يمنع تقبل فكرة
المُجدِّد.
فاليوم نجد الكثير من البشر يرسمون صورةً لله على الأرض
بما يخدم مصالحهم، وهذا العمل يُعد من أعمال المنافقين، والعياذ بالله. وللتنويه،
فإن المنافقين هم أكثر الناس حرصاً على إظهار أنفسهم أمام العامة بمظهر المتدينين،
وهذا بالضبط ما نراه ونسمعه اليوم.
ولهذا، يجب أن يكون التعامل مع الإسلام على مبدأ شراء
بيتٍ مستعمل؛ إذ ينبغي أن يمر بأربع مراحل، وهي: (التنظيف، الشطف، التأثيث،
السكن)، ليصبح بعدها منزلاً صالحاً للسكن. وهذه السطور التي أكتبها اليوم تمثل
المرحلة الأولى، وهي التنظيف.
أيديولوجية توظيف النص... قبل يومين سألت أحد الأساتذة الجامعيين عن سبب الإبقاء
على بعض الأحاديث النبوية، وعدم حذفها رغم وجود إجماع على ضعفها، فكانت إجابته:
"لتقويم الأخلاق." وضرب مثالاً بحديث: "تنظفوا فإن الإسلام
نظيف."
وليست مشكلتي مع هذه النوعية من الأحاديث، وإنما مع
نوعية أخرى وُظِّفت لغرض الدس والتضليل. ومثالي في ذلك الحديث المنسوب: "إن
الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه." فهذا الحديث استُخدم -بحسب ما يُطرح- للدس
في سيرة أحد الصحابة الكرام، وهو خالد بن الوليد، بسبب أن الرسول (ص) لقبه بـ
"سيف الله المسلول". وهذا مثال حي على محاولات الدس.
وهناك حديث آخر مفاده: "إن في اختلاف أمتي
رحمة." مع أن هذا الحديث يتعارض -بحسب طرحي- مع النص الإلهي في قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
وقد يظن الكثير أن هذه النصوص ليست بذلك الحجم من
الخطورة الذي ألمح إليه، ولكن ما لا يعلمه الكثير أن ما ورد هنا ليس إلا غيضاً من
فيض. فقد تكون مثل هذه النصوص بمثابة معول في عملية الهدم والتضليل للرأي العام،
لأن الجميع اليوم بات غير قادر على امتلاك الوعي الكافي للتمييز بين الصواب
والخطأ، بسبب التطور التكنولوجي، وإمكانية تغذية المواقع الإلكترونية بالمعلومات
التي يعدها الكثيرون المصدر الوحيد للمعرفة.
وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي لا تملك القدرة على التحقق
الفكري من مصادر المعلومة، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على ما هو متاح من بيانات
ومصادر.
حتمية شخصية المُجدِّد... بما أن عصر الأنبياء والرسالات السماوية قد انتهى بوفاة
رسولنا الكريم محمد (ص)، فمن البديهي أن يكون هناك ما يُعرف بالمُجدِّد، وهذا لا
يتعارض مع الإسلام كدين.
ودليلي في ذلك أن من الأدعية المتداولة في خطب الجمعة:
"اللهم ابعث فينا من يجدد ديننا." وهذا -من وجهة نظري- يمثل اعترافاً
ضمنياً بفكرة وجود شخصية تقوم بعملية التجديد.
ولكن من هو المُجدِّد؟ وما صفاته؟ ... ليس شرطاً أن يكون خارجاً عن المألوف في تعامله مع جميع
النصوص، وإنما يجب أن يحظى أولاً بالعناية الإلهية، وأن يكون قادراً على امتلاك
الرؤية في عملية التجديد، ورسم خارطة فكرية للتعامل مع النصوص السماوية، بما يحفظ
جوهرها ويمنع استغلالها.
الإسلام وحافة الهاوية... الكثير اليوم، عندما تسأله، يقول لك: "الدنيا ما
زالت بخير." ولا أعرف عن أي خير يتحدث، وغالباً ما يقصد المتدينين.
والمشكلة أن أشباه المتدينين باتوا الخطر الأكبر على
الإسلام، أكثر من أعدائه، حتى أصبحوا يؤدون دور الجاسوس في جسد الإسلام.
وإذا أردنا تحليل هذه الكلمة على سبيل المجاز، فإنها
تعود إلى عبارة "جاء السوس"، والسوس هو تلك الحشرة التي تنخر حبة الحنطة
من داخلها، وهذا -في نظري- هو الدور الذي يؤديه أشباه المتدينين؛ فهم يمارسون
عملية النخر في جسد الدين الإسلامي من الداخل، من خلال بث روح الشقاق والنفاق،
وتوظيف النصوص الضعيفة وفق ما تقتضيه الحاجة والمصلحة.
المضمون ... إن أخطر ما يواجه الإسلام اليوم ليس هجوم
خصومه، فالأديان عبر التاريخ واجهت الحروب والاحتلالات ومحاولات الطمس وبقيت
قائمة، وإنما الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول النصوص إلى أدوات بيد البشر،
فيُلبسون أهواءهم ثوب القداسة، ويمنحون مصالحهم صكوكاً إلهية، حتى يصبح الاعتراض
على الإنسان اعتراضاً على الله، ويغدو نقد الفهم وكأنه حرب على الدين نفسه. ومن
هنا تبدأ رحلة الانحدار؛ لأن الدين حين يفقد قابلية المراجعة الفكرية، ويُغلق باب
التجديد، يصبح أسيراً لتراكمات صنعها البشر لا لما أراده الله.
إن المشكلة لا تكمن في وجود نصوص مختلف في فهمها أو في
صحة بعضها، بل في العقل الذي يوظفها وفق الحاجة، فيقتطع منها ما يخدم مشروعه،
ويغيب ما يهدم مصالحه، حتى تتشكل أجيال لا تعرف أين ينتهي كلام الله ورسوله، وأين
يبدأ اجتهاد البشر وتأويلاتهم. ومع هذا الطوفان المعرفي الذي تصنعه التكنولوجيا،
وتكرره المواقع الإلكترونية، وتعيد إنتاجه أدوات الذكاء الاصطناعي اعتماداً على ما
هو منشور، تتحول المعلومة، مهما كانت ضعيفة، إلى حقيقة راسخة في أذهان الناس لمجرد
كثرة تداولها، فيصبح الباطل مألوفاً، ويبدو الحق غريباً بين أهله.
ولهذا فإن الدعوة إلى التجديد ليست دعوة إلى هدم الدين،
بل إلى إزالة ما تراكم فوقه عبر القرون من غبار التأويلات والدس والاستغلال.
فالإسلام لا يحتاج إلى دين جديد، وإنما يحتاج إلى عقل جديد في طريقة التعامل معه،
عقل يفرق بين المقدس والاجتهاد البشري، وبين النص الإلهي وما أُلصق به عبر الزمن.
فكلما تأخر هذا المشروع، ازداد السوس الذي ينخر في جسد الدين من داخله، حتى يصل
الناس إلى مرحلة يدافعون فيها عن الأخطاء باعتبارها من ثوابت العقيدة، بينما هي في
حقيقتها صناعة بشرية اكتسبت حصانة القداسة بمرور الزمن. وعندها لا يكون الإسلام هو
الذي يقف على حافة الهاوية، بل يكون فهم المسلمين له هو الذي اقترب منها، وتلك هي
الكارثة التي يجب أن يتوقف عندها كل صاحب ضمير قبل أن يصبح الإصلاح نفسه تهمة،
ويغدو المجدد عدواً لأنه قال: إن الحقيقة أكبر من الأشخاص، وإن الدين أسمى من أن
يُحتكر باسم أحد.
الخلاصة ... أقولها بكل وضوح: إن الإسلام لم يصل إلى
حافة الهاوية بسبب أعدائه المعلنين، فهؤلاء كانوا معروفين عبر التاريخ، وإنما
اقترب منها بسبب أولئك الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الله، واحتكروا الحديث
باسمه، حتى أصبحوا يوزعون صكوك الإيمان والكفر وكأن مفاتيح السماء معلقة في
أعناقهم. يرفعون شعار نصرة الله، بينما يجعلون الدين أسيراً لمصالحهم، ويقدسون
اجتهاداتهم كما لو أنها وحي لا يقبل المراجعة.
إن أخطر خصوم الحقيقة ليس من يعلن رفضها، بل من يرتدي
ثوبها ليحرفها. وأخطر من يحارب الدين ليس من يقف خارجه، بل من يقف داخله وهو يبدل
معانيه، ويخلط بين قدسية الوحي وقابلية الفهم البشري للخطأ والصواب. فحين يتحول
الدين إلى وسيلة للنفوذ، ويصبح الدفاع عن الأشخاص مقدماً على البحث عن الحقيقة،
فإن أول الضحايا هو الدين نفسه.
ولهذا، فإن التاريخ لن يسأل من أكثر من رفع الشعارات، بل
من كان أميناً عليها. ولن يخلد من ادعى أنه ينصر الله، وإنما من نصر الحق والعدل
والصدق دون أن يجعل من نفسه بوابةً بين الخالق وخلقه. أما الذين جعلوا من الدين
تجارة، ومن القداسة حصناً لمصالحهم، فسيكتشفون يوماً أن أخطر ما فعلوه لم يكن خداع
الناس، بل تشويه الصورة التي جاء الإسلام ليصححها، وأن خصومة الحقيقة باسم الدفاع
عنها هي أشد صور العداء لها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق