الشخصية القروية والثقافة ومعضلة التحضر
تحت
عنوان
صور من
الواقع
بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين
انقسمت
الدراسات الاجتماعية الحديثة المجتمع إلى قسمين: الأول حضري، والآخر ريفي. وهنا لا
يهمني الفرق بين الشخصيتين من الناحية الاجتماعية، ولكن سوف أسلط الضوء في هذه
السطور على الانعكاس السلوكي على الثقافة العامة من النواحي التي قد تسيء إلى
الشكل العام للمصطلح. وهذا لا يعني أنني أنتقص من الشخصية الريفية بأطر عامة، ولكن
سوف نستعرض بعض الأبعاد والممارسات التي تكون غالبة على هذه الشخصية.
البعد
النفسي... يجد
القروي صعوبة في التكيف الثقافي بسبب الموروث البيئي في إيجاد الأرضية لتقبل
الموضوع والأساليب التي ينتهجها مع مفهوم الثقافة، فتراه يمعن في التواجد في
الصورة الثقافية بسبب ظنه أنه بهذا قد تجاوز الخط الفاصل بين المدينة والريف،
ويتعامل معها بذات الأسلوب الذي يتعامل به مع المناصب الحكومية، فترى منهم التهافت
على تولي المناصب والتنصل من التكوين البيئي الذي ينتمي إليه.
البعد
الاجتماعي... وفي
الغالب ما يتعامل مع ثقافة المدينة بمفهوم الصراع، فيعمل على إيجاد أرضية يسودها
العدوان في إثبات وهم الأفضلية، فترى منه الذهاب إلى التقليل ممن يختلف معه
بالأيديولوجيا المكانية، وهذا بسبب العقدة الحضرية التي تمكنت منه عندما انتقل من
الريف إلى المدينة، فتجده يمضي في التعامل مع الاتحادات أو النقابات الثقافية على
أنها سلطة فئوية، وهذا ما لُمِس في الكثير من مدّعي الثقافة.
البعد
القيمي... ما
لا يدركه الكثير أن للقيم مفاهيم مغايرة ما بين الريف والمدينة، ولا يمكن أن تحتفظ
بواحدة داخل الأخرى دون خلق مزيج قيمي يصنع شخصيات أسطورية كما فعل البعض. وإذا ما
أردنا نموذجًا لمن نجحوا في هذا الأمر، فسوف يكون (الدكتور نايف محمد شبيب)، أستاذ
التاريخ في كلية الآداب، نموذجًا يمثل النقلة النوعية، والتي يجب أن تكون مادة
دراسية في عملية صناعة شخصية سوية في هذا الموضوع، فقد أثبتت التجربة الحياتية
ذلك. وهناك من لم يستطع تجاوز هذه القضية، فكانت هناك شخصيات أقل ما توصف
بالهزيلة، التي تحاول أن تصنع لها هالة ثقافية فقط من باب الشعور بالنقص، فيحاول
ويسعى للتغير القيمي من باب التقليل من الآخرين تحت أي مسمى كان، بغض النظر عن
التميز الثقافي العام، بما يخدم وضعه النفسي، مما يعطي الانطباع السيئ لكل من
يتعامل معه.
البعد
الإبداعي... وفي
الغالب ما يكون هؤلاء الأقل تميزًا في الساحة الإبداعية، فيكون هناك نظم ثانية في
التقييم الإبداعي المعتمد على بناء شبكة علاقات، هي أقرب إلى تنظيمات العصابات
التي تساهم في فرض سلطته واستحواذه على تصدر المشهد، حتى يظن نفسه أنه الكاتب أو
الشاعر الأوحد، فمثله كمثل الحمار الذي يرى نفسه في المرآة أنه من نوادر الخيول
الأصيلة. فوجود هذه الشخصيات في الساحة الثقافية مشكلة بحد ذاته، فلم تعد كونها
ظاهرة، فقد تجاوزت إلى أن تكون أمراضًا خبيثة تنهش في الثقافة العامة ، اما عن صورهم
كما أراها اليوم... فهم الباحثون
عن النفوذ، المقللون من شأن الآخرين، المتفهّمون للقيمة الإبداعية، المتملقون
للسلطة...
المضمون
... لو أردنا أن نغوص في عمق هذه الإشكالية، لوجدنا أن ما نراه اليوم ليس وليد
لحظة، بل هو امتداد طبيعي لصراع قديم بين أنماط العيش، وهو ما أشار إليه ابن خلدون
في حديثه عن البداوة والحضارة، حين ربط السلوك الإنساني بطبيعة العمران، فالبداوة
عنده ليست نقصًا، بل طورًا من أطوار التكوين، لكنها تصبح إشكالية حين تُنقل إلى
بيئة لا تشبهها دون إعادة تشكيل.
فالقروي
حين ينتقل إلى المدينة لا ينتقل بجسده فقط، بل يحمل معه منظومة قيم كاملة، وهذه
المنظومة حين تصطدم بمنظومة حضرية قائمة على التعقيد والتنظيم، يحدث ما يمكن
تسميته بـ"الارتباك السلوكي"، وهو ما أشار إليه أيضًا إميل دوركايم في
مفهوم "الأنومي" أو اللامعيارية، حيث يفقد الفرد بوصلته القيمية بين ما
كان عليه وما يُفترض أن يكون عليه.
ومن هنا
تبدأ الأزمة... فهو لا ينتمي كليًا إلى الريف بعد خروجه منه، ولا يندمج كليًا في
المدينة، فيخلق لنفسه منطقة رمادية، يحاول فيها إثبات ذاته بأساليب قسرية، ظنًا
منه أن الصوت العالي بديل عن العمق، وأن الحضور الكثيف يعوض غياب الجذور الثقافية.
أما ماكس
فيبر فقد أشار إلى أن التحضر لا يُقاس بالمكان، بل بطريقة التفكير، وبالقدرة على
الانتقال من العقل التقليدي إلى العقل العقلاني، وهنا تكمن الفجوة الكبرى؛ إذ إن
البعض ينتقل جغرافيًا، لكنه يظل أسيرًا لبنية ذهنية لم تُحدَّث، فيتعامل مع
المدينة كغنيمة لا كمنظومة.
وفي سياق
أكثر حداثة، يذهب بيير بورديو إلى أن ما يحكم الفعل الثقافي هو "الرأسمال
الرمزي"، لا مجرد التواجد، فليست المشكلة في دخول الحقل الثقافي، بل في
امتلاك أدواته، ومن لا يملكها يلجأ إلى بدائل مشوهة، كالتكتلات، أو الإقصاء، أو
خلق معايير موازية تحمي ضعفه وتُشرعن حضوره.
وهنا
تتضح الصورة أكثر... نحن لا أمام صراع ريف ومدينة، بل أمام أزمة وعي، وأزمة انتقال
غير مكتمل، حيث يتحول التحضر من حالة تطور إلى قناع هش، يسقط عند أول اختبار
حقيقي، فتظهر الحقيقة عارية:
أن من لم
يُهذّب داخله، لن تنقذه المدينة مهما اتسعت شوارعها.
الخلاصة ... لسنا
أمام مشكلة ريفٍ غزا المدينة، ولا مدينةٍ لفظت أبناءها، بل نحن أمام كارثة وعيٍ
يتخفّى خلف أقنعةٍ أنيقة.
فليست
المدينة شوارع مُعبَّدة ولا أبراجًا شاهقة، بل هي عقلٌ منضبط، وروحٌ تعرف حدودها،
وقيمةٌ تُبنى لا تُنتحل.
والمأساة
الحقيقية أن بعضهم يظن أنه حين يخلع عباءة الريف فقد أصبح حضريًا، وهو في الحقيقة
لم يخلع إلا شكله، أما جوهره فما زال يئن تحت وطأة الجهل المتزيّن بالثقافة.
إن أخطر
ما في هذه الظاهرة ليس وجودها، بل إصرار أصحابها على تمثيل دورٍ أكبر منهم،
فيحوّلون الثقافة إلى مسرحٍ للادعاء، والإبداع إلى سوقٍ للنخاسة، والقيم إلى
أدواتٍ رخيصة لتلميع ذواتٍ هشة.
وهنا
تنفجر الحقيقة ليس كل من دخل المدينة صار مثقفًا، وليس كل
من تكلّم صار مفكرًا،
وليس كل من تصدّر المشهد يستحق أن يُرى.
فبعض
الوجوه التي تملأ الساحة اليوم، لو أُعيدت إلى حجمها الحقيقي، لاختفت كما تختفي
الظلال عند انطفاء الضوء.
وعندها
فقط... سنكتشف أننا لم نكن نعاني من صراع بيئة، بل من
طغيان فراغ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق