الكُرد ووهم الدولة الكبرى
تحت عنوان
الحقيقة التي لا يريد الكُرد سماعها
بقلم: البارون الأخير / محمود صلاح الدين
سوف يظنّ الكثير الآن أن ما سيُكتب هنا هو نوع من
التهكّم على التاريخ الكُردي النضالي، وهذا بعيد عن الحقيقة. أكمل السطور لتعرف
إلى أين أرمي، فليس من هو مثلي من يُنكر حقوق الشعوب في تقرير المصير. ولمن لا
يعرف، لقد أدمعت عيناي في لحظة إجبار حزب العمّال آنذاك على إلقاء السلاح وحرقه،
وليس ذلك لأنني متعاطف أو مؤيّد لحركتهم، بل لأنني رأيت تلك الدماء التي سُفكت منذ
أعوام قد ذهبت أدراج الرياح. ولهذا كان علينا شرح أبعاد الشعارات الزائفة التي
يُتاجر بها بدم الأكراد، ومنها:
عقدة الشوفينية ... وهنا يكون هناك تعريف للمصطلح؛
(بالإنجليزية: Chauvinism)، وهي الاعتقاد المغالي والتعصّب للوطن
والقومية، والعنجهية في التعامل مع الآخرين، وتُعبّر عن غياب رزانة العقل
والاستحكام في التحزّب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيّز لها،
وخصوصًا عندما يقترن الاعتقاد أو التحزّب بالحطّ من شأن جماعات نظيرة والتحامل
عليها، وتفيد معنى التعصّب الأعمى.
الشوفينية امتداد طبيعي للنزعة القومية، فالفخر القومي
عندما يتجاوز حدوده يقود إلى الاستعلاء والنظرة الدونية للشعوب والقوميات الأخرى.
ولكن ما لا يعرفه الكثير أن المفكّرين والأقلام الكُردية قد أمعنوا في التغوّل في
ترسيخ هذا المعنى في العقل الباطن، حتى وصل الحال بأحدهم أنه لو اختلفت معه تحت أي
مسمّى يطلق عليك أنك (شوفيني) وأنك عدوّ للأكراد.
وما قيل إنه نابع من مركز كراهيتك لهذا العنصر، لكن هنا
انقلب السحر على الساحر، فأصبح جميع الكُرد اليوم لديهم حساسية من أي عنصر لا
ينتمي إليهم، فأصبح الجميع يعاني من هذا المصطلح البغيض.
وهم الدولة ... يوعَز اليوم للكثير من الكُرد أن سبب
منعهم من إقامة دولة هو القوميات التي تختلف عنهم، مثل العرب والأتراك والفرس، وفي
هذا تجنٍّ كبير على مفهوم الفكر والحقيقة. فالحقيقة الغائبة عن زعامات ومفكّري
الكُرد هي أن رفض إقامة دولتهم المزعومة هو رفض حكومة العالم الخفية، المتمثّلة
بأقطاب المال والسلطة، لإقامة دولة يحكمها الكُرد.
والسبب في ذلك أن الكُرد، بصورتهم التي هم عليها، أكثر
نفعًا من كونهم مجتمعين، فقد كان لهم دور أساسي لعبوه منذ وقت طويل بشكل مثالي،
وهو دور (سكين الخاصرة)، فبهم فقط يمكن مساومة أنظمة المنطقة لفرض أجندة معيّنة،
يُروَّض بها من يخرج عن المسارات الاستعمارية الجديدة. وقد فعل الأكراد كل شيء على
المستوى السياسي والعسكري، لكنهم اليوم مثل من يدور في دائرة مغلقة.
الإيديولوجيات الخاطئة ... لقد فشل المفكّرون الأكراد
منذ البداية في بناء صروح تعزّز قضيتهم، فكان التركيز على الجانب القتالي، وهذا ما
استغلّته الدول التي لها أطماع في المنطقة. وما زالوا متغاضين عن قضايا كبيرة، فقد
انحصر تركيزهم على قضية الأصول، لكن إذا عدنا إلى اللغة سنجد أنهم، ولغاية اليوم،
لم يستطيعوا استبدال المصطلحات الفارسية والتركية والعربية، وفي هذا دلالات خطيرة
إذا ما أمعنّا النظر في جوانب القضية.
لم يكسب الكُرد منذ ذلك الوقت سوى الكراهية ممّن حولهم،
وهذه حقيقة، لعن الله من ينكرها، وإن لم يُعلنوا ذلك. فأي إيديولوجية حمقاء هذه
التي تجني منها كراهية البشر؟
ولكن ما لا يعرفه الكثير أن لهم الحق في مطلبهم، غير
أنهم مطالبون بتصحيح الإيديولوجيات القديمة.
نصيحة بوزن الذهب ... تكمن في رسم صورة جميلة في أذهان
الشركاء في التاريخ. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، إذا أحصينا مكتسبات الحركات
التحرّرية الكُردية، سنجد أن كل ما تحقّق يندرج تحت مثل شعبي يقول: (جاك الواوي
وجاك الذيب). فالقتل والتهجير وخراب المدن، وحتى تجربة كردستان العراق، لا تُعدّ
مكسبًا بالمعايير العقلية.
ولهذا اقتضى الأمر اللجوء إلى نظرية إقناع الشريك بالحق،
ولا شيء يعلو على الحق وأهله، والكفّ عن تلك السياسات التي تُصوّر غير الكُرد على
أنهم ذئاب سائبة تنتظر الفرصة للانقضاض وإنهاء القضية. والمضيّ في رسم مسارات
عقلية من خلال برامج تثقيفية للعامة، يُبنى عليها مفهوم إقامة دولة يسعى لها
الشركاء قبل الكُرد. وقد فشل السلاح في هذا، لذا فهي دعوة لاستبدال السلاح بالعقل،
فالشعوب الحيّة تبني صروحها بمنطق العقل عندما تُدرك أن السلاح عاجز عن تحقيق ما
أُنفِق في سبيله الغالي والنفيس.
الخلاصة ... إن الطريقة التي هم عليها لن تُفضي إلى
تأسيس عائلة، فكيف بمن يريد بناء دولة؟ فالدولة لا تُبنى بهذا الشكل، وإنما تُبنى
من خلال قيم توعوية تُقنع المقابل قبل الكُرد بوجوب الحق، وترك لغة رسم صورة
عدائية لكل من يختلف مع الكُرد في طريقة تحقيق الهدف.
ولمن لا يعلم، فإن الكُرد في الأصل من الشعوب المسلمة،
ولكن ما أوصلهم إلى هنا هو الطريقة الخاطئة في طرح المطالب. ولهذا لن يكون هناك ما
يُعرف بـ(الدولة الكُردية الكبرى)، وخذوها مني: العالم لا يريدكم مجتمعين.
ولكن هناك طريقة واحدة يمكن بها التغلّب على كل ذلك، وهي
إثبات نظرية (حُسن النوايا)، وعندها فقط سيكون هناك كيان ووطن خاص بالكُرد
والأكراد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق