عرش الشيطان يجثم هناك في الشرق
تحت عنوان
وجوب مواجهة الشيطان اليوم
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
نعم، سُمِّي بالمرض الخبيث، وهم كذلك أو أشد. وفي هذه
السطور لن أتحدث عن شياطين الجن، بل عن شياطين الإنس. فمنذ فجر الإسلام كان هناك
عدوّ أشد بأسًا من أولئك المشركين الذين يعلنون ما يتبنّونه من معتقدات؛ إنهم
أولئك الذين يؤمنون بغير ما يُظهرون. ولو عدنا إلى الأحداث التاريخية لرأينا أن
جميع المسارات تشير إلى جهة واحدة؛ فهم قتلة الخلفاء والأولياء، وهم مثيرو الفتن،
وهم أيضًا المفسدون في الأرض. ومنهم خرجت طوائف خارجة عن الملة، حتى باتوا مرتبطين
بأفكار التطرّف والانتحار في العالم.
قوميون كُذّاب لا دين لهم ... قوم ما زالوا يحملون
الأحقاد في داخلهم، رغم ادّعائهم غير ذلك. وهم أعوان الشيطان، يعملون منذ قرون على
إسقاط حكم الله عبر تشويه الشريعة الدينية. وهم الجحود، ناقضو العهود، المفسدون
للحكم، المتقوّلون على الله وخلقه بما لا ذمّة لهم فيه.
صفاتهم ... كلابُ السلطة على مرّ التاريخ؛ فهم من يدعمون
أهلها، وهم من يقضمونها. كارهون للعرب، بزعم أنهم أصحاب تاريخ أسقطه المسلمون، وقد
نسوا أن الأعراب هم من حملوا لهم الخير المتمثل بالإسلام. فكان منهم وزراء
مراوغون، وحرس خونة، ينتشرون كانتشار المرض الخبيث في الجسد. لا قيم أخلاقية لهم؛
يدافعون عن السيف إن نصر، ويكسرونه إن هُزم، وهم مثيرو الشغب والفتن.
ازدواجية الخطاب ... أخطر ما في هذا الفكر أنه لا يعيش على المواجهة، بل على
الازدواجية؛ وجهٌ يبتسم للعلن، وآخر ينهش في الخفاء. خطابٌ مغموس بالشعارات، لكنه
خالٍ من القيم، يتبدّل بتبدّل المصلحة، ويتلوّن بحسب الريح. هو فكر لا يؤمن
بالثبات، لأن الثبات يفضح، ولا يؤمن بالمواجهة، لأن المواجهة تكشف خواءه.
قرن الشيطان ... يخرج فيهم ما حذّر منه رسولنا الكريم،
صاحب الفتنة العظيمة. فأرضهم – كما يصوّرها التاريخ – مشبعة بالدماء، وهم أعوانه
والداعمون له. فقد كذبوا وقتلوا الأوّلين، ويفتنون الآخرين، وفي ذلك شرّ عظيم لا
تدركه البشرية اليوم إدراكًا كاملًا.
تديين السياسة وتسليع المقدّس ... لم يكن الخلل يومًا في النص، بل فيمن حوّله إلى أداة.
حين يُستدعى المقدّس ليغطي العجز السياسي، يصبح الدين قناعًا، لا مرجعية. تُحرّف
المقاصد، وتُجزّأ القيم، ويُستثمر الألم الجمعي ليُصنع ولاء أعمى. هكذا يُستبدل
الإيمان بالاصطفاف، والعبادة بالطاعة، والحق بالهتاف.
تفكيك الذاكرة وتشويه التاريخ ... يعتمد هذا المشروع على إعادة كتابة الذاكرة؛ لا ليصحّح،
بل ليُدين انتقائيًا. يُبرز ما يخدم السردية، ويطمس ما يناقضها. تُستخرج الوقائع
من سياقها، وتُحمَّل ما لا تحتمل، ليُصنع تاريخٌ مشوّه يصلح للتحريض لا للفهم.
وحين تُكسَر الذاكرة، يسهل توجيه الحاضر.
اقتصاد الفتنة ... ليست الفتنة حالة عابرة، بل موردًا يُدار. تُغذّى
بالخوف، وتُسقى بالشك، وتُحصَد نفوذًا. كلما اشتعل النزاع، ازدهرت التجارة
الرمزية: زعامات تتضخم، ومنابر تتكاثر، وأسواق خطابية لا تبيع إلا الوهم. وفي هذا
الاقتصاد، الخاسر الوحيد هو المجتمع.
تآكل القيم العامة ... حين يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، والضجيج بديلاً عن
العمل، تنهار المعايير. تُكافأ الصدمة لا الحكمة، ويُرفع المتطرّف لأنه أعلى
صوتًا. عندها تُستنزف الدولة من الداخل، لا بفعل عدو معلن، بل بفعل فكر يضعفها
باسم حمايتها.
العدو غير المرئي ... الخصم الأخطر ليس من يعلن خصومته، بل من يتخفّى في
اللغة، ويتسلّل عبر الشعارات، ويطلب الثقة بلا محاسبة. هذا عدو لا يحمل راية، بل
يحمل قاموسًا مزدوجًا. يربح حين يُساء الظن بالجميع، ويخسر حين يُسأل عن برنامجه
وممارساته.
المضمون ... بات هؤلاء اليوم الأخطر على تثبيت القيم
الإلهية في الأرض؛ فخطرهم يكمن في كونهم عدوًا غير مُصرَّح به، وهو من أخطر
الأعداء الممكن مواجهتهم. وقد فشلت الحِقب التاريخية في تحجيم أثرهم؛ لانتمائهم
إلى فكر منحرف متلوّن. وقد تكون لإرادة الله حكمة في بقائهم، كسكين في الخاصرة
لاختبار الإيمان الحقيقي. ولهذا يجب العمل على مواجهتهم فكريًا وسياسيًا بأساليب
تضاهي فداحة فكرهم الخبيث؛ فهم انتهازيون لا يُحسنون المواجهة. فجميع حِقبهم
التاريخية التي ما زالوا يتغنّون بها حُصدت بأساليب ملتوية، بلا قيم ولا عقيدة،
سوى خدمة الشيطان، لعنه الله، إلى يوم يُبعثون.
الخلاصة ... كما أن الجنة تطلب أهلها، فإن النار تطلب
أهلها. وإن السكوت عن ممارسات الشيطان التي يتبنّاها هؤلاء يُعد تواطؤًا أخلاقيًا.
وقد يقول قائل: إذا كان هذا حال الشرق، فماذا عن الغرب؟ والجواب أن أولئك يعلنون
العداء علنًا، والحق يقال إن هذا أهون؛ إذ لا يمثّل خطرهم ما يمثّله خطر عرش
الشيطان وأعوانه المتخفّين، الذي يجثم هناك. (لعنهم الله أجمعين)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق