جعيفر رئيس الوزراء العراقي القادم
تحت عنوان
سيرة جعفير الجهادية
بقلم البارون الاخير /
محمود صلاح الدين
الفكرة مستوحاة من عمل مسرحي عراقي قديم بعنوان
(المحطة)، ففي سياق النص ترد سيرة شخصية تتناغم مع ما سوف نرمي إليه، حين استشهد
الفنان طالب الفراتي (رحمه الله) في العمل بقصة أشار بها إلى تزييف الحقائق،
مفادها: (إن جعيفر دخل في يوم ماطر بشكل جنوني، ولكنه لم يكن مبللًا بشكل مطلق،
وهذا ما أثار جنون الحاضرين، حتى قام أحد الرجال بنحر شاة، والنساء (المعدّلات)
كما يُقال عند العامة، تمسحن بقدميه، وعند سؤاله عن المكان الذي جاء منه قال: إنني
عبرت أنهارًا وأراضيَ كبيرة وسط الظلام).
ولكن الحقيقة أنه خرج قبل الحدث، وعند بداية المطر قام
بالاختباء، وعند انتهائه دخل مضيف الشيخ كبطلٍ له كرامات.
وهذا تجسيد لمن يريد اليوم أن يمسك زمام الأمور، ولا
أقول هنا إن المثل يُضرب ولا يُقاس، بسبب أن التاريخ يعيد نفسه بالمعايير نفسها
لـ(جعفير) القديمة وإن اختلفت الأسماء، فكلٌّ منهم اليوم يصوّر ذاته على أنه البطل
الذي لا يُشق له غبار، وله صولات وجولات في قراع النظام السابق، ولكن الحقيقة أنه
مثل بطل القصة التي تمّت روايتها في بداية المقال، في سرد البطولات الوهمية لإيهام
العامة بمرويات لا صحة لها، وكأن الأمر في تزعّم السلطة مسألة (كان يا ما كان).
لم نتحدث بعد عن أخطر ما في ظاهرة (جعيفر)، وهي صناعة
الهالة قبل صناعة الإنجاز. فالرجل لا يحتاج إلى برنامج حكومي بقدر ما يحتاج إلى
فريق علاقات عامة يتقن فن النفخ في الرماد حتى يتحول إلى نار. اليوم تُصنع
البطولات في غرف مغلقة، وتُبث على شكل مقاطع قصيرة، وتُروى على هيئة شهادات من
أصدقاء الأمس الذين لم نسمع بأسمائهم إلا عند اقتراب موسم الحصاد السياسي.
المفارقة أن الجمهور لم يعد يسأل: ماذا أنجزت؟ بل أصبح
يسأل: كم مرة ظهرت على الشاشة؟ وكأن الدولة تُدار بعدد المؤتمرات الصحفية لا بعدد
القرارات الرصينة.
منذ عقدين مضيا انتهجت السياسة في العراق نهج تزييف
الحقائق لحصد المكتسبات، وقد ابتعد الجميع عن اتخاذ مبدأ الاستحقاق الذي يرتكز على
أسس علمية في إسناد السلطة لشخصيات تتمتع بالكفاءة الإدارية للدولة، وهذا بسبب
مسمار جحا الذي تنادي به الطبقة الحاكمة، فكلما احتدم الصراع على المنصب تعالت
الأصوات بسرد البطولات الوهمية والتضحيات التي قدمها هؤلاء، ولا أعلم من أين كانوا
يستمدون تضحياتهم: من أزقة الشام العتيقة؟ أم من التسكع في شوارع بريطانيا؟ أم من
ملاهي روما؟ مع العلم أنه لم يُسجَّل لهم حضور واقعي لدورهم كمعارضة داخل البلد
منذ ذلك الوقت.
وهنا يجب التنويه لأمرٍ هام، وهو أن الدفاع عن قضية تؤمن
بها ليس شرطًا أن تكون محل احترام من الآخرين، وإذا كان غير ذلك تكون هناك عملية
كذب على الذات وعلى المجتمع.
أبطال السرديات... وهذا يشمل كل رؤساء المنظومات
الحكومية منذ بداية تنصيب النظام من قبل قوات الاحتلال، فتنحصر خطاباتهم بكلمات
(فعلنا وصنعنا)، والحقيقة تقول: لقد سمعنا الضجيج، ولكن لم نرَ الدقيق، وهذا ما
ولّد استهجانًا جمعيًا لأي شخصية قد تكون في الواجهة في القريب العاجل، وعدم ثقة
بها. والسؤال هنا: كيف إذا ما كان (جعيفر) رئيسًا للوزراء؟ فلسان الحال سوف يقول
وقتها، كالمثل الشعبي: (شدّوا راسكم يا كرعان)، إشارة إلى التجارب المريرة للجمهور
مع الشخصية التي سوف تكون.
ومن المضامين التي لم نلامسها بعد، أن (جعيفر) وأمثاله
يتقنون لعب دور الضحية أكثر من دور المسؤول. فإن فشل المشروع قالوا: المؤامرة. وإن
تعثّر القرار قالوا: العرقلة. وإن ضاعت الفرص قالوا: الظروف. وكأن البلاد قدرها أن
تعيش في شماعة جاهزة لتعليق الإخفاقات عليها.
السياسي الحقيقي يتحمّل نتيجة قراره، أما بطل السرديات
فيبحث دائمًا عن شماعة يعلّق عليها عجزه، ثم يعود ليطلب التصفيق لأنه
"صمد" أمام ما صنعته يداه.
وهم السيادة... كثيرًا ما يتحدث من هم على شاكلة شخصيتنا
التي نتحدث عنها عن السيادة الوطنية، ولكننا أكثر البلدان اليوم افتقارًا لهذه
المسألة، وما يعرفه الكثير أن رأس السلطة يتم اختياره عبر استرضاء الدولة
الإقليمية والاستعمارية، ولهذا ترى أن الحديث عن هذا الموضوع يفتقر إلى المصداقية.
الذاكرة القصيرة للجمهور... هناك عامل أخطر من كل ما سبق، وهو الذاكرة القصيرة
للجمهور. فالناس تغضب اليوم وتنسى غدًا، وتلعن الخطأ ثم تعود لتصفّق لمرتكبه إن
غيّر نبرة صوته. ولهذا يستمر تدوير الوجوه نفسها، لأن الرهان دائمًا على أن
النسيان أسرع من المحاسبة.
ولو أن الذاكرة الجمعية احتفظت بتفاصيل الخيبات كما
تحتفظ بتفاصيل المباريات، لما وجد (جعيفر) واحدًا يصعد كل دورة بثوب جديد.
غياب المشروع الوطني... المعضلة الكبرى أننا لا نناقش مشروعًا وطنيًا واضحًا، بل
نناقش أشخاصًا. الدولة لا تُبنى بسيرة ذاتية مليئة بالبطولات المروية، بل تُبنى
برؤية اقتصادية، وتعليمية، وأمنية، وسيادية واضحة المعالم. أما حين تختزل الدولة
في شخص، فإن سقوط الشخص يعني اهتزاز الدولة كلها.
وهنا يكمن الخطر: أن يتحول المنصب إلى مسرح، ويتحول
الشعب إلى جمهور ينتظر العرض التالي.
الخاتمة الصادمة… في النهاية، ليس الخطر في أن يصبح
(جعيفر) رئيسًا للوزراء، بل الخطر أن نبقى نحن جمهورًا يصفّق لكل جعيفر جديد يُحسن
رواية قصته أكثر مما يُحسن إدارة دولة. المشكلة ليست في الشخص، بل في القابلية
الجماعية لتصديق الأسطورة قبل اختبار الحقيقة.
جعيفر ومن على شاكلته لا يصنعون المعجزات، بل يصنعون
مشاهد تمثيلية محكمة الإخراج، يدخلون فيها جافّين بعد عاصفةٍ لم يخوضوها، ويتحدثون
عن أنهارٍ لم يعبرُوها، وعن ظلامٍ لم يسهروا فيه، ثم نمنحهم مفاتيح البلاد لأنهم
أتقنوا فن الحكاية.
وعندما تسقط الأقنعة، لن يسقط جعيفر وحده… بل ستسقط معه
أوهامنا التي صنعناها بأيدينا... وحينها لن يكون السؤال: لماذا فشل؟
بل لماذا صدّقناه من البداية؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق