حقل من الألغام في عمل درامي
تحت عنوان
قراءة في أحداث مسلسل
"القدر"
بقلم البارون الأخير /
محمود صلاح الدين
تُعدُّ الأهداف والرسائل من أهم ما تقدمه
الأعمال الفنية منذ نشأتها، وها نحن اليوم أمام عمل يُعتبر ضخمًا من الناحية
الإنتاجية والإخراجية. ولمعرفة ما يرمي إليه هذا العمل من خلال سطور المؤلف
والرؤية الإخراجية، ينبغي علينا تحليل المصطلحات المخفية خلف المشاهد .
في البداية، لا بد من الإقرار بأن عصر الخصوصية
في هوية العمل الفني قد انتهى، إلا في ما ندر، حيث باتت هناك ما يُعرف بالأعمال
العربية المشتركة، وهو التصنيف الذي يندرج تحته العمل الذي نحن بصدد قراءته اليوم .
مسلسل "القدر" هو النسخة العربية
المستوحاة من أحد الأعمال الدرامية التركية. ولا أرى ضررًا في استنساخ التجارب
الناجحة من مختلف بقاع الأرض، ولكن بشرط أن تكون متوافقة مع المبادئ والقيم
الراسخة في مجتمعاتنا العربية. العمل من إنتاج عام 2024، من إخراج فيليب أسمر
وتأليف جويل بيطار، وبطولة المبدع العربي قصي الخولي، إلى جانب مجموعة كبيرة من
الممثلين اللبنانيين والسوريين .
يدور المسلسل حول قضية تأخر الإنجاب والبحث عن
حلول يعتبرها المؤلف منطقية، إلا أنني وجدت في بعض الطروحات كوارث فكرية تم
تقديمها ضمن أحداث العمل، ما دفعني إلى كتابة هذه السطور. من بين هذه الطروحات،
رصدت عدة قضايا جدلية، منها:
الرحم البديل ... تعد هذه الفكرة دخيلة على مجتمعاتنا العربية، وقد تؤثر
على نظرة العامة تجاه هذه الممارسات المستجدة دون العودة إلى الأسس الأخلاقية التي
نشأنا عليها. فرغم أننا لا ندعي المثالية، إلا أنه ينبغي توخي الحذر عند التعامل
مع المستجدات، إذ تعلمنا منذ الصغر أن "ليس كل ما يلمع ذهبًا". ومن هذا
المنطلق، أرى أن هذا الطرح يعد نوعًا من الزنى المقنَّع، ولا يحتاج الأمر إلى
الرجوع للمراجع الدينية لإثبات ذلك .
تغييب الرب ... من أكثر الأمور اللافتة في المسلسل هو غياب أي حضور ديني
في سياق الأحداث، ولا أدري إن كان ذلك مقصودًا من قبل المؤلف أم لا. لكن من خلال
متابعتي للعمل، لم أرَ مشهدًا واحدًا يُطرح فيه الدين كطرف في النقاش. وهذا يتماشى
مع الفكرة الرأسمالية السائدة اليوم، والتي تسعى إلى استبعاد الذات الإلهية من
معادلات الحياة واستبدالها بأي شيء، حتى لو كان الإنسان نفسه. فليس من المعقول
تناول موضوع بهذه الحساسية دون الإشارة إلى الرأي الديني فيه .
تدمير النسيج العائلي ... وسط حالة الفوضى التي
تشهدها المجتمعات العربية اليوم نتيجة ما يُعرف بـ"حرية المرأة"، التي
تتبناها بعض الشخصيات والمنظمات النسوية، نشأت حالة من التشويش في الفكر العام لدى
المرأة حول مفهوم الحرية وطريقة ممارستها بسبب التوجيه الخاطئ. إلا أن المسلسل زاد
الطين بلة من خلال الطريقة التي قدم بها معالجة القضايا العائلية، إذ استخدم مصطلح
"غيّر حظك"، في إشارة إلى إمكانية التخلي عن الأسرة بسهولة، وهو ما يشكل
دعوة صريحة لاعتبار العائلة أمرًا ثانويًا في حياة الإنسان، ونزع القدسية عنها.
كما اعتمد المسلسل تقنية "دس السم في العسل"، بحجة الانتصار للحب، وهو
أمر مرفوض جملة وتفصيلًا .
الخلاصة ... من الناحية الفنية، يُعتبر المسلسل من الأعمال التي
تتمتع بتقنيات إخراجية عالية المستوى، كما يضم نخبة من الأسماء اللامعة التي أضافت
له نكهة مميزة. إلا أن ما يُؤخذ عليه هو تمرير بعض المفاهيم المغلوطة التي قد تترك
أثرًا كبيرًا في ذهن المشاهد.
وبهذا، نكون قد قدمنا عرضًا تفصيليًا للعمل من
الناحيتين الفنية والفكرية، ويبقى التقييم النهائي للمشاهد. غير أن مسؤوليتنا
كأصحاب أقلام تستوجب علينا مراقبة الأعمال الدرامية، نظرًا لكونها على تماس مباشر
مع الذوق العام، ولما لها من تأثير بالغ في المنظومة الأخلاقية للمجتمع .
