بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 26 فبراير 2025

مقال

 حقل من الألغام في عمل درامي

تحت عنوان

قراءة في أحداث مسلسل "القدر"

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



تُعدُّ الأهداف والرسائل من أهم ما تقدمه الأعمال الفنية منذ نشأتها، وها نحن اليوم أمام عمل يُعتبر ضخمًا من الناحية الإنتاجية والإخراجية. ولمعرفة ما يرمي إليه هذا العمل من خلال سطور المؤلف والرؤية الإخراجية، ينبغي علينا تحليل المصطلحات المخفية خلف المشاهد .  

في البداية، لا بد من الإقرار بأن عصر الخصوصية في هوية العمل الفني قد انتهى، إلا في ما ندر، حيث باتت هناك ما يُعرف بالأعمال العربية المشتركة، وهو التصنيف الذي يندرج تحته العمل الذي نحن بصدد قراءته اليوم .

مسلسل "القدر" هو النسخة العربية المستوحاة من أحد الأعمال الدرامية التركية. ولا أرى ضررًا في استنساخ التجارب الناجحة من مختلف بقاع الأرض، ولكن بشرط أن تكون متوافقة مع المبادئ والقيم الراسخة في مجتمعاتنا العربية. العمل من إنتاج عام 2024، من إخراج فيليب أسمر وتأليف جويل بيطار، وبطولة المبدع العربي قصي الخولي، إلى جانب مجموعة كبيرة من الممثلين اللبنانيين والسوريين .

يدور المسلسل حول قضية تأخر الإنجاب والبحث عن حلول يعتبرها المؤلف منطقية، إلا أنني وجدت في بعض الطروحات كوارث فكرية تم تقديمها ضمن أحداث العمل، ما دفعني إلى كتابة هذه السطور. من بين هذه الطروحات، رصدت عدة قضايا جدلية، منها:

الرحم البديل ... تعد هذه الفكرة دخيلة على مجتمعاتنا العربية، وقد تؤثر على نظرة العامة تجاه هذه الممارسات المستجدة دون العودة إلى الأسس الأخلاقية التي نشأنا عليها. فرغم أننا لا ندعي المثالية، إلا أنه ينبغي توخي الحذر عند التعامل مع المستجدات، إذ تعلمنا منذ الصغر أن "ليس كل ما يلمع ذهبًا". ومن هذا المنطلق، أرى أن هذا الطرح يعد نوعًا من الزنى المقنَّع، ولا يحتاج الأمر إلى الرجوع للمراجع الدينية لإثبات ذلك .

تغييب الرب ... من أكثر الأمور اللافتة في المسلسل هو غياب أي حضور ديني في سياق الأحداث، ولا أدري إن كان ذلك مقصودًا من قبل المؤلف أم لا. لكن من خلال متابعتي للعمل، لم أرَ مشهدًا واحدًا يُطرح فيه الدين كطرف في النقاش. وهذا يتماشى مع الفكرة الرأسمالية السائدة اليوم، والتي تسعى إلى استبعاد الذات الإلهية من معادلات الحياة واستبدالها بأي شيء، حتى لو كان الإنسان نفسه. فليس من المعقول تناول موضوع بهذه الحساسية دون الإشارة إلى الرأي الديني فيه .

تدمير النسيج العائلي ... وسط حالة الفوضى التي تشهدها المجتمعات العربية اليوم نتيجة ما يُعرف بـ"حرية المرأة"، التي تتبناها بعض الشخصيات والمنظمات النسوية، نشأت حالة من التشويش في الفكر العام لدى المرأة حول مفهوم الحرية وطريقة ممارستها بسبب التوجيه الخاطئ. إلا أن المسلسل زاد الطين بلة من خلال الطريقة التي قدم بها معالجة القضايا العائلية، إذ استخدم مصطلح "غيّر حظك"، في إشارة إلى إمكانية التخلي عن الأسرة بسهولة، وهو ما يشكل دعوة صريحة لاعتبار العائلة أمرًا ثانويًا في حياة الإنسان، ونزع القدسية عنها. كما اعتمد المسلسل تقنية "دس السم في العسل"، بحجة الانتصار للحب، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلًا .

الخلاصة ... من الناحية الفنية، يُعتبر المسلسل من الأعمال التي تتمتع بتقنيات إخراجية عالية المستوى، كما يضم نخبة من الأسماء اللامعة التي أضافت له نكهة مميزة. إلا أن ما يُؤخذ عليه هو تمرير بعض المفاهيم المغلوطة التي قد تترك أثرًا كبيرًا في ذهن المشاهد.

وبهذا، نكون قد قدمنا عرضًا تفصيليًا للعمل من الناحيتين الفنية والفكرية، ويبقى التقييم النهائي للمشاهد. غير أن مسؤوليتنا كأصحاب أقلام تستوجب علينا مراقبة الأعمال الدرامية، نظرًا لكونها على تماس مباشر مع الذوق العام، ولما لها من تأثير بالغ في المنظومة الأخلاقية للمجتمع .

 

الأربعاء، 19 فبراير 2025

مقال

 

بيروقراطية المؤسسات

تحت عنوان

مصطلحات تُسقط الأنظمة

بقلم البارون الأخير / محمود صلاح الدين



كما هو الحال في جميع المسارات الفكرية في عالمنا العربي، تعاني هذه المسارات من أزمة التعامل مع المصطلحات على أرض الواقع، ومن بين تلك المصطلحات نجد "البيروقراطية". لمعرفة المعنى الحقيقي لهذه الكلمة، وما يترتب عليها من مزايا وسلبيات، وما نشهده اليوم من التطبيق الحرفي لها، سنجد أن الخلل يكمن في نوعية الشخصيات التي تتبنى مفهوم العمل بالمصطلحات، إذ إنها قادرة على تغيير مشاهد الواقع البشري.

كثيرًا ما نرى اليوم من يدّعي الصلاح في زمن الفساد، وفي رأيي المتواضع، فإن هذه الحالة في هذه الفترة تُعدّ نوعًا من أنواع الغلو.

تأليه المسؤول ... إن أسوأ أنواع البيروقراطية هو تأليه المسؤول. لقد بحثتُ في كل ما كتبه علماء النفس والاجتماع، ولم أجد تفسيرًا مقنعًا لما نشهده اليوم من تفشي هذه الظاهرة، ويعود السبب في ذلك إلى التطبيع الأخلاقي لمنتسبي الدولة، الذين يحرصون على بناء مجموعة من الأتباع الأقرب شبهًا بالمسؤول. ومن الظواهر التي تزيد من أعباء المواطن، قيام رجال السلطة ببناء جدارٍ عازل يمنع رؤية الخلل في العمل الإداري، مما يحول دون تقويمه، وترك الموضوع لمجموعة قوانين عمياء تنتمي إلى أصل المصطلح دون مراعاة للواقع.

شبابيك الذل ... من أغرب ما قد تواجهه اليوم، أن الدولة بأكملها تتمثل في شباك، وأن الذين يجلسون خلف ذلك الشباك هم أشخاص لا يعترفون إلا بالأوراق الرسمية التي تتطلب منك جهدًا أسطوريًا للحصول عليها. هذا الأمر يفتح المجال أمام الفساد، إذ نجد اليوم أن العديد من دوائر الدولة لها "مفتاح" متمثل في شخص واحد يُمسك بتفاصيل العمل، فيصبح هو المحور الأساسي في جميع المواضيع الإدارية.

دور المسؤول ... قد يسأل البعض: أين دور المسؤول فيما يحدث؟ والإجابة ستكون: "إن حضر لا يُعد، وإن غاب لا يُفتقد."

يعود ذلك إلى أن كثيرًا ممن يتولون المناصب لا يتم اختيارهم لكفاءتهم، بل هي قضية صدفة أو ما يُعرف بمصطلح "المحاصصة السياسية". وغالبًا ما يكون المسؤول عديم الخبرة، وإن وُجدت لديه خبرة، فستكون خبرة استعراضية تقتصر على إسقاط من سبقه في الإدارة. فتجده قبل تولي المنصب من أكثر الملتزمين بالقوانين والأنظمة، ولكن بمجرد وصوله إلى الكرسي، يتحول إلى نموذج أسوأ ممن سبقه، فقط لإرضاء من أسند إليه المنصب.

بهلوانيات الصغار ... وهنا تستحضرني رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، إذ يُحكى أن أحد حراس السجن سأله: "هل أنا من أعوان الظالم؟" فكان رد الإمام صادمًا، إذ قال له: "لا، ولكنك شريك في الظلم، أو ظالم لنفسك."

إن تنفيذ حكم ظالم وأنت على دراية بأنه جائر هو بحد ذاته ظلم. واستكمالًا للرواية، فإن أعوان الظالم هم من يقومون بطهو الطعام له أو خدمته بشكل مباشر. وهذا ينطبق اليوم على صغار الإداريين الذين يظلمون أنفسهم، وسيُسألون يوم العرض الكبير، وستكون إجابتهم: "كنّا مأمورين." وهنا أُذكرهم بالمقولة الشهيرة: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق."

الحقيقة أنني لا أزال أجهل طريقة تفكير هؤلاء في التعاطي مع هذه الأعمال، وقد يصل بهم الأمر إلى الوقوع في الشرك والعياذ بالله.

الهالة الكاذبة ... يقصد بها تعظيم الحدث وتضخيمه، وقد تستغرب أن هذه الظاهرة تعدُّ إحدى إفرازات البيروقراطية المقيتة. إنها نتيجة مباشرة للمضي في الاستعراضات الوهمية للتغطية على الإخفاقات الإدارية، حيث يتمسك المسؤولون بمناصبهم على حساب العمل الفعلي. ترى منهم العجب العجاب في هذا السياق، حيث يُقيمون الحملات الإعلامية الكاذبة لإعطاء العامة صورة زائفة عن إنجازاتهم، ولو كانت وهمية، مما يؤدي إلى ترسيخ البيروقراطية في مفاصل الدولة.

النتائج ... لكل منهج فكري نتائجه الحتمية التي تنبع من أصله، والبيروقراطية ليست استثناءً. ومن أبرز نتائجها الترهل الإداري في اتخاذ القرارات، والتركيز على المكتسبات الشخصية للمسؤولين على حساب المصلحة العامة، وانعدام الثقة في السلطتين التشريعية والتنفيذية. كل هذا يؤدي إلى خلق حالة من الاحتقان الشعبي، والذي قد تكون له عواقب وخيمة في المستقبل، من بينها عرقلة تقدم عجلة التنمية وإعاقة بناء الدولة.

الخاتمة ... في النهاية، أود أن أنهي ما بدأت به بمقولة طريفة يرددها الدكتور صفوان ناظم، الأستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب، فعندما يسمع كلامًا لا يعجبه يقول: "يسلم عليك محمد فوزي!" وهذا بالضبط ما أودّ قوله لدعاة المصطلحات الهدامة في هذا البلد.

الخميس، 6 فبراير 2025

مقال

 

معضلة العقل العامل

تحت عنوان

حديث على هامش المهرجان السينمائي الأول للمدينة الموصل


بقلم / البارون الأخير محمود صلاح الدين

ليست هذه السطور تقسيطًا أو استهدافًا لجهة معينة بقدر ما هي صورة نقدية بناءة تهدف إلى تصحيح المسارات العاملة. وما يثير غضبي في الموضوع برمته هو عملية استغباء الجهات الثقافية من خلال السعي خلف صناعة الإنجازات الوهمية. ولست بهذا ضد دعم المشهد الثقافي في مدينة الموصل، لكنني أعارض الأعمال الوهمية التي تُقدَّم بصفة إنجازات.

في ظل نظام متهالك فكريًا، تم اختيار رجل من هذه المدينة لتولي منصب وزير الثقافة، وقد استبشرت المدينة خيرًا بهذا الاختيار. لكن إذا ما عدنا لاستعراض أهم التغييرات التي كان من الممكن أن تستفيد منها المدينة، فسنجد ما يلي:

المشهد الثقافي ... إذا نظرنا إلى العقبات التي تواجه المسار التوعوي في هذا المجال، فسنجد كوارث حقيقية. فمن غير المعقول أن يُقام مهرجان سينمائي في مدينة لا تملك مقرًا لنقابة الفنانين، ولا أي دور إبداعي سوى قضايا شكلية لا تليق بها أصلًا. وهذه الحالة تشبه ما يحدث في المؤسسات الثقافية الأخرى والنقابات التابعة لها. هذا لا يعني أن المدينة تفتقر تمامًا إلى الإنجازات الحقيقية في هذا المضمار، لكنها جهود فردية أو أعمال تابعة لمنظمات غير حكومية، بينما لا تمتلك الوزارة أي علاقة بالمضمون الحقيقي الذي يتطلبه اسمها.

المهرجان السينمائي الأول ... المصيبة الكبرى تكمن في أن القائمين على العمل غير مدركين لأصول إقامة المهرجانات من هذا النوع. فلهذه الفعاليات أسس وقواعد يجب اتباعها بطريقة صحيحة، كما هو الحال في المهرجانات العالمية. ولست هنا أطالب بنموذج مثالي يماثل المحافل الفنية في شتى بقاع الأرض، ولكن على الأقل يجب أن نطبق المثل الشعبي القائل: "غنم لم نرَ، بعرور أيضًا لم نرَ". أي أننا نتابع كل الأنشطة المشابهة لهذا المهرجان، وكان من الواجب على الهيئة الوزارية قبل الشروع في إقامة هذا التجمع أن توفر ما يلزم لحتمية الحدث، مثل تأسيس دور عرض سينمائية في المدينة، كونها من أبرز الظواهر الحضارية للمدن والمجتمعات.

ملاحظات ... من خلال متابعتنا للأخبار المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول المهرجان، لاحظنا غياب العنصر الأهم في الحدث، وهو العنصر الوطني والمحلي، إلى جانب غياب الناقد الفني الاحترافي الذي يمكنه تقييم الأعمال المقدمة بموضوعية. كما لوحظ تغييب متعمد وانعدام التنسيق بين المؤسسات الثقافية والهيئة المنظمة، بالإضافة إلى تجاهل الرائدين في هذا المجال من خارج العراق، وهو ما ساهم في ضعف الدعم الإعلامي من قبل الكثير من مثقفي المدينة، فاقتصر الحضور على المنتسبين للدوائر الرسمية المنظمة.

النهاية ... يجب أن يدرك الجميع أن إقامة المهرجانات لا تعتمد على وجود فنادق فاخرة أو مجرد إيجاد مسرح لإقامة الفعاليات، فالمسرح فن مستقل، والسينما شيء آخر تمامًا. لذا، لا بد من العمل بجدية على تأسيس معايير صحيحة لفكرة إقامة المهرجان.

وأخيرًا، أود أن أختم ببعض الدعابة: من الضروري إقامة العديد من هذه الفعاليات السينمائية، لسبب بسيط؛ وهو أن العراق اليوم بأسره أصبح، كما نقول بالعامية: "سينما لامة، لا إله إلا الله"! وذلك بسبب الأفعال التي يرتكبها النظام السياسي الحاكم، من مصادرة حقوق الشركاء في العملية السياسية، وإقامة شراكة بين الدولة والفساد والدولة العميقة، ما أدى إلى إنتاج عدد كبير من "الأفلام"، التي قد تكون مادة دسمة للأعمال السينمائية! ولهذا، نحن الأحق بإقامة تلك المهرجانات.

 

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...