بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 4 فبراير 2020

مقال


خلف الله عالكفار ستروا علينا
د. احمد ميسر

في تسعينيات القرن العشرين والحصار الاقتصادي الجائر ينهش في عظم المواطن العراقي البسيط اشتهر بين الاوساط الشعبية العراقية انتشار النار في الهشيم بيت من شعر شعبي اجهل قائله صراحة يقول فيه " خلف الله عالبالات سترت علينا " والبالات جمع بالة والتي تعني الثياب المستعملة وكثير منها مستورد من خارج البلد
في اشارة الى اعتماد المواطن العراقي البسيط على تلك النوعية من الملابس المستعملة الرخيصة لعجزه عن شراء الملابس الجديدة
تذكرت هذا البيت الشعري وانا اطالع هذه الايام وبتكرار يدعو للسأم والعجب تلك الدعوات الانفعالية المدوية لمقاطعة البضائع الاجنبية لهذا البلد او ذاك كلما توترت علاقتنا الخارجية السياسية معه
فتجد ان اول رد فعل لهذا التوتر حتى قبل ان يحسم الموضوع الذي تسبب بالتوتر هو الدعوة لمقاطعة بضائعه ومنتجاته هكذا وبجرة قلم واحدة ويصبح من يستوردها او يستخدمها شخص ضعيف الانتماء لبلده ودينه و مذهبه وووو .. الخ من صيغ الانتماء المتعددة والتي ربما تصل الى حد الاتهام الجاهز الفوري بالعمالة والخيانة العظمى لمجرد انك تستخدم منتجا لبلد لجودة المنتج وربما لرخصه حسب ظرفك طبعا ولم يدر بخلدك على الاطلاق ان للامر صلة من قريب او بعيد بملف الانتماءات مع علمك بان هذا المنتج الذي تستخدمه بطريقة قانونية وباجازة من وزارة التجارة في بلدك كان الى قبل توتر العلاقات بثواني مجرد منتج صناعي استورده بلدك قبل ان يتحول الموضوع الى قضية انتماء وولاء لا ناقة ولا جمل لك فيها من اولها الى اخرها فسبحان مغير طبيعة المواد من صناعية الى وطنية وعقائدية
نقول لهؤلاء وامثالهم من الانفعاليين تذكروا بيت الشعر الشعبي الذي يتحدث عن البالة التي لولاها لانكشفت عورات فقراء العراقيين حينها لا سمح الله واليوم نحن لسنا في حال باحسن من حال العراقيين ايام الحصار رغم تحسن الوضع الاقتصادي العراقي نسبيا
 الذي حدث في حقيقة الامر هو اننا استبدلنا الجزء المستعمل من معادلة اعتمادنا على البالة بجزء جديد غير مستعمل وبقي الجزء الثاني من المعادلة والمتضمن اعتمادنا على المستورد في اغلب شؤون واحتياجات حياتنا اليومية مما يبقينا في حالة شكر وعرفان وحاجة ماسة لذلك المنتج المستورد سواء اكان جديدا ام مستعملا الامر سيان فنحن عاجزون عن ستر اجسادنا لولا منة المستورد علينا بالستر بشقيه الجديد والمستعمل
و جزئية الملابس هذه تتسع لتشمل اغلب مجالات الحياة الاساسية من مأكل ومشرب ومركب فنحن امة تستهلك ماينتجه الاخرين بامتياز وتعجز عن الاعتماد على ماتنتجه بنفسها لاسباب كثيرة متشعبة داخلية وخارجية لا يتسع المجال لبحثها هاهنا
تتعالى صيحات البعض في بلداننا
" قاطعوا البضائع الصينية " لان الصين - حسب زعمهم - تعامل المسلمين الايغور الاتراك بعنصرية ورغم رفضنا لاي شكل من اشكال التعامل العنصري مع اي انسان في العالم لكني ادعو هؤلاء المتسرعين بالدعوة  لمقاطعة المنتوجات الصينية بأن يجروا جردة حساب بسيطة لتلك المنتوجات الصينية في حياتهم الشخصية على اقل تقدير قبل ان ينتقلوا لاجراء جردة حساب لبيئتهم ومجتمعهم وكلي ثقة من انهم سيصابون بالصدمة لحجم اعتمادهم ومجتعمهم على تلك المنتوجات والتي في حالة الاستغناء عنها بالمقاطعة فإن ذلك القرار ان طبق على ارض الواقع وليس على صفحات التواصل الاجتماعي او من على شاشات الفضائيات فانه سيتسبب بحالة شلل كبير للحياة اليومية للفرد والمجتمع
الامر ذاته ينطبق على المنادين مثلا بمقاطعة البضائع الامريكية والذين تفاجئ بحقيقة قيامهم بنشر دعواتهم للمقاطعة من جوالات امريكية الصنع في مواقع كالفيسبوك وتويتر والتي تعود ملكيتها لشركات امريكية وهاهنا تكمن المفارقة المضحكة المبكية انهم يسمحون لنا بنشر قراراتنا الانفعالية على مواقعهم وباجهزتهم لان استخدامنا لها يصب في مصلحتهم من جهة ويعلمون علم اليقين ان دعواتنا تلك ماهي الا هواء في شبك من جهة اخرى
هذه الامم المتقدمة علينا بمئات من السنوات الضوئية علميا وتقنيا والتي نعتمد عليها في حياتنا اليومية من الالف الى الياء ماهي الا
" امم كافرة " حسب توصيف بعض من يدعون امتلاكهم للحق الحصري في تصنيف الناس الى مؤمنين وكافرين يجب علينا مقاطعة منتوجاتها والى الابد
احدى مشاكل هؤلاء المعتمدين اصلا في تمشية امورهم الحياتية على ماتنتجه عقول الامم الكافرة هو انهم يعجزون عن توفير اي شكل من اشكال البدائل في حال لو كتب لدعواتهم تلك ان تجد اذانا صاغية وتتحول من مرحلة الدعوة الانفعالية الى مرحلة التطبيق الفعلي فالاعتماد على الذات علميا وصناعيا لا يكون بالشعارات والصراخ بميكروفونات من صنع من ندعوا الى مقاطعتهم بل تكون اولا بالاعتراف بحجم التخلف العلمي الذي تسبب لنا بحالة العجز شبه التام وحوجنا للاعتماد على الاخرين في كل صغيرة وكبيرة ولا بأس ان نكون تلامذة مجتهدين ننهل من العلوم العقلية لتلك الامم التي لن تجبرنا بطبيعة الحال على ان نغير ادياننا ومذاهبنا ومعتقداتنا في مقابل تعليمها ايانا ولا حرج من ان نعترف بحاجتنا الى ان نعود لمقاعد الدراسة في مدرسة الحياة العلمية والحضارية فكل الامم الصادقة مع ذاتها في رغبتها وارادتها بان تبني لنفسها بنى تحتية لاعتمادها على نفسها علميا تفعل ذلك ولاتجد اي غضاضة من ذكره والشواهد التاريخية بهذا الصدد تفوق الحصر ولنبتعد عن لغة الانفعال والعنتريات التي لم نجن منها في يوم ما سوى زيادة في الهزيمة والتخلف والذل ولننفض عن اخاديد وعينا وهم نظرية تآمر الامم المتقدمة علينا فمن هذا الذي سيتأمر على الفشلة والعاجزين
كل مافي الامر ان لتلك الامم مصالح لشعوبها تحاول جنيها من علاقاتها بالعالم وسواء اكانت بعض تلك الاساليب مشروعة بنظرنا ام لا فهي ليست شرطا لتقاعسنا عن تأدية واجبنا تجاه انفسنا وبلداننا في نيل فرصتنا من العمل والكد والسعي في مناكب الارض طولا وعرضا لنتمكن من وضع بصمة لنا في سجل الابداع الانساني اسوة بالامم الاخرى في العالم ولكل مجتهد نصيب

مقال


هل ستزول امريكا قريبا
د. احمد ميسر

زوال امريكا عنوان اصبح مبتذلا لكثرة ما نواجهه في الكتب والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي
اسباب كثيرة تقف بحسب مؤلفي تلك الكتب والدراسات وراء حادثة الزوال فضلا عن توقيتات يجمع بين اغلبها اتفاقها على انه سيكون " قريبا " وهذا القرب قد يفرق بسنة هنا وسنوات هناك لكن ذلك الفارق البسيط لا يعدو ان يكون تفاصيل توقيتية يجمعها خط القرب الموحد العام
ورغم كل ماتسوقه تلك الدراسات والمقالات من تحليلات تستند ظاهريا الى احصائيات ونظريات في علوم شتى في محاولة لاضفاء نوع من الرصانة  والعقلانية والحيادية على ماتوصلت اليه من ربط للارقام والاحداث والشخصيات لتظهر بنتيجة واحدة هي قرب زوال امريكا من خارطة العالم او على اقل تقدير زوال تأثيرها ونفوذها العالمي المتصدر لمجريات الاحداث في عالم اليوم
ردة فعلي عند قراءة هذه النوعية من النتاجات الفكرية يتفاوت بين رغبة في الضحك احيانا لكنه ذلك النوع من الضحك الذي اشار اليه المتنبي يوما بقوله " لكنه ضحك كالبكا " واحيانا اخرى اشعر بذات شعور من يقرأ  خانة الابراج في اي جريدة عربية روتينية تماما بتمام وحينما امضي في القراءة استدرك فجأة كالملسوع ياترى هل ما اقرأه هاهنا من اسطر تتحدث عن زوال امريكا ام عن صفات برج الاسد او الجوزراء او غيرهما من الابراج التي لم استطع ان اثق يوما بكل ادعاءات مروجيها عن اي دور حقيقي لها في حياة الانسان ايجابا او سلبا الامر سيان
شعور واحد لم اشعره يوما وانا اقرأ هذه النوعية من النتاجات الفكرية التي تتوقع الزوال الامريكي المرتقب والمتمثل بشعوري انني امام كتابة فكرية حقيقة تستحق ان يرجع اليها في حالة اذا ما نويت اجراء اي قراءة او قياس او ربط او تحليل لاي حدث يجري في العالم على اعتبار المؤثر الامريكي هو اقوى المؤثرات السياسية والعلمية والاقتصادية في الساحة الدولية
عيب هكذا نوع من الدراسات انها تتسلح بالامنيات اكثر من تسلحها بالمنطق والواقع فهي رغم تنوع مرجعياتها الفكرية من اسلامية الى قومية الى شيوعية .. الخ تشترك في تفصيلة التمني البائسة هذه
انهم يتمنون زوال امريكا لان امريكا رمز هزيمتهم الكبرى التي تحقق النصر الواقعي عليهم منازلة تلو اخرى لذلك هم في هذه الحالة يتمنون ان تخسر امريكا المعركة الاخيرة بطريقة حاسمة ونهائية وكارثية لان من سيخسر في تلك المعركة الاخيرة سيكون خاسرا للحرب حتى وان تواصلت انتصاراته فيما سبق من معارك على طول خط المواجهة والتحدي لامريكا
بل وصل الشعور بالهزيمة في كثير من تلك الاتجاهات الفكرية الى اشتراكها في توقع زوال امريكا بدون ان يكونوا سببا في ذلك الزوال المتمنى لذلك لا تتعجب من ان تكون كثير من توقعات الزوال لاسباب داخلية امريكيا كانهيار اقتصادي داخلي او تمزق اجتاعي وافتراق سياسي يؤديان الى تقسيم امريكا ومن ثم نهايتها كقوة عظمى في العالم في حين جمح الاخرون بخيال تمنياتهم ليتوقعو بشئ من محاولة تأكيد عجيبة من تعرص امريكا لكوارث بيئية كفيضانات عارمة او زلازل مدمرة او سقوط نيازك كبرى من الفضاء الخارجي تحيل امريكا الى اثر بعد عين
وكل تلك الاسباب مجتمعة تنفي المسؤولية عن متمني الزوال القريب المزعوم لامريكا خشية حتى في عقلهم الباطن من ان تحاسبهم امريكا على دورهم في ذلك الزوال المتمني
خط اخر من اتجاهات التمني تلك يتمثل باصرارهم على تضخيم دور وقوة ومستقبل الاقطاب الدولية المتواجدة في الساحة حاليا او القوى الصاعدة في عملية تحمل عبء الازالة للوجود الامريكي نيابة عنهم كالصين وروسيا والمانيا واليابان .. الخ من القوى والذين اثبتوا جميعا عجزهم عن مجاراة او منافسة الند للند مع القوة الامريكية خلال عقود مضت وللان والذين من جهة اخرى اثبتوا لاكثر من مرة انهم لن يكونو البديل الملائكي عن الشيطان الامريكي بالنسبة لمن يطبل ويزمر ويضخم من دورهم البطولي الاسطوري المعشعش في عقول وارواح المتمنين للزوال الامريكي ان لم تكن تلك القوى اكثر شيطنة وجرما وتعسفا بحيث يبدو الشيطان الامريكي  بالنسبة لهم مجرد شيطان كيوت متأكد من انهم سيحنون لشيطنته في حال تحققت امنيتهم يوما ما في صعود هذه القوى وحلولها محل القوة الامريكية الحالية وبذلك يكون قصارى سقف طوحاتهم ان يستبدلوا قوة عظمى بقوة عظمى اخرى وكما لم يكن لهم يد في صعود او زوال القوة الامريكية فالامر نفسه ينطبق على القوة البديلة والتبعات التي يقاسونها من القوة الامريكية سيعانون مثلها او اكثر منها ربما مع القوة العظمى البديلة
لذلك اعتبرها محض توجهات فكرية بنكهة الامنيات واحلام اليقظة لاترقى بمستواها الى ان تشكل جهدا فكريا يستند الى معطيات العقل ومخرجات المنهج العلمي في الدراسة والتنظير
 ستسهم تلك التوجهات بدون ادنى شك في اضافة جرعات من الغيبوبة الفكرية والانفصال عن الواقع الى واقعنا الفكري المتدني اصلا وستزيد شاء المتمنون ذلك ام ابوا في اطالة امد التسيد الامريكي الذي يحلمون بزواله
ان امريكا رمز لقوة عالمية تمتلك لحد لحظة كتابة هذه السطور من متطلبات البقاء والاستمرار اكثر بكثير من اي قوة حالية او صاعدة والذين قد يمتلكون كقوى عظمى بعض تلك المتطلبات لكنها ضئيلة ومحدودة في مقابل تنوع و شمولية المتطلبات الامريكية
ليست امريكا بحد ذاتها هي من يهمنا لكن ماتمثله من رمز للقوة الاعظم في العالم وتأثير ذلك على تفاصيل ومستقبل حيواتنا وكشفها وتعريتها المتواصلة لمدى جهلنا ليس فقط في الوقوف على الاسباب الحقيقية لنهوضها ونجاحها و استمرارها بغية الاستفادة من تجربتها في حال شئنا ان ننهض في يوم ما ولكن ايضا جهلنا بالاسباب الحقيقية لتخلفنا ونكساتنا المزمنة كنتيجة طبيعية لقراءاتنا اللاعلمية لذاتنا الحضارية
ان امريكا اشبه بالمرآة التي تعكس للفرد منا محاسنه وعيوبه وبما ان ما نملكه من عيوب لاسباب ذاتية قبل ان يضاف اليها الاسباب الخارجية كثيرة ومتعددة لذلك تشعرنا المرآة الامريكية بحجمنا الحقيقي بتشوهاته المقرفة ومنظره الموغل في القبح
ان الانموذج الامريكي يشكل ان احسنا التعامل معه فرصة لاعادة تقويم الذات بعقلانية و شجاعة وصدق بدلا من مواصلة دورنا في صنع طغاة محليين واقليميين و دوليين جدد كشماعات نحتاجها في ادامة رفد شخصيتنا المازوخية الجمعية وخداعنا المتأصل لذواتنا والذي يجعلنا نبدو للعالم كأطفال مدللين يملئون العالم ضجيجا كلما ارادوا اثارة انتباه وعطف الكبار
نحن من سنزول وفق معطيات العقل ومخرجات الدراسات العلمية الرصينة في المجالات كافة ان لم نفق من غيبوبة تمني زوال غالبينا و كاشفي عورات عجزنا  ومقلقي منام سباتنا الحضاري البليد
رحم الله امير الشعراء احمد شوقي حين قال بحق امثالكم من المتمنين العاجزين :
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

الأحد، 2 فبراير 2020

مقال


دور التراث في عدم قدرتنا على صنع كاوتش سيارة يافضيلة شيخ الازهر
د. احمد ميسر


من جديد عادت الى الواجهة وبقوة  قضية الجدل القديم المتجدد ازاء الموقف من التراث الاسلامي خلال النقاش الذي دار بين فضيلة شيخ الازهر د.احمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة د.محمد عثمان الخشت
 بين دعاة تجديد طريقة الفهم والتعامل مع التراث من امثال د.محمد الخشت لانه بنظرهم اضحى عائقا امام تقدم الامة ليس في المجالات العلمية والانسانية فحسب بل في مجال العلاقة مع الله والبشر ايضا واللذين نجم عنهما حلول المسلمين في درجات متأخرة في قائمة الامم المتحضرة في اغلب مجالات الحياة الفكرية والعلمية والانسانية منذ فترة ليست بالقصيرة فضلا عن النظرة السلبية العالمية تجاه الاسلام والمسلمين والتي كان احد اسبابها النسخة القروسطية من فهم المسلمين لتراثهم الديني المتجمد عند اعتاب تلك القرون منذ ان قفل باب الاجتهاد فيها بعض من تصوروا انفسهم حينها وكلاء عن الله في ارضه ومخلوقاته فضلا عن المحاولات المتكررة الفاشلة لاصحاب ذلك الفهم لتصدير فهمهم للعالم على انه الخلاص الوحيد له من مشاكله كافة باسلوب القوة القروسطي بعيدا عن القوانين والمواثيق الدولية المجمع عليها عالميا في عالم اليوم على اعتبار انها قوانين لاتمت للشريعة الاسلامية بأي صلة -حسب فهمهم - لذلك فهي قوانين جاهلية كافرة يجب ضربها بعرض اقرب حائط مما اسهم تباعا وعبر عملية تراكمية من ظهور مايعرف بالاسلام فوبيا
 التجديد الذي يدعو له امثال د.الخشت سيسهم في نظرهم
 عبر انتهاج عملية اعادة قراءة معاصرة له عبر الاستعانة باليات البحث العلمي المعاصر والاخذ بنظر الاعتبار بمعطيات التطور الكبير الذي حصل للفكر الانساني الجمعي خلال العقود والقرون الاخيرة والذي سينجم عنه انتاج فهم عصري للتراث يميز بين ما هو الهي بحت منه وبين ما اضافته اليه يد البشر في القرون الماضية من اجتهادات وافهام نجمت عن معطيات تفاعل الاسباب والمؤثرات التي تتحكم في تكوين الفهم البشري لكل عصر والذي يبقيها مهما بدت مثالية وخيرة في عصرها حسب فهم متبعيها انذاك في اطار المحاولة البشرية المحدودة لفهم النص الديني ولايمكن بحال من الاحوال الحاقها به واضافة قدسية ولو كانت بدرجة تالية عن قدسية النص الديني ذاته تمنحها شيئا من عصمته وقدسيته وتنزيهه عن النقد البشري الدائم له
اما على الجانب الاخر فيقف دعاة الحفاظ على التراث وعده مرجع الامة الاسلامية الفكري والروحي الذي لن تتمكن الامة من النهوض في عالمها الحالي والمستقبلي الا عن طريق السير على خطى انموذجه  وان التجديد كما يذكر فضيلة شيخ الازهر  ماهو في حقيقته الا " مقولة تراثية وليست مقولة حداثية " وان السبب الكامن وراء  الفشل المستشري في تفاصيل حياة المسلمين مرده عدم تطبيق  ذلك التراث في حياتهم فنحن اليوم على حد وصف فضيلته  " ناكل كما يأكل الاوربيين بالشوكة والسكين والشمال واليمين نستخدم سيارات االاوربية والامريكية نستخدم طرائق الاكل والجامعات اللي عندنا .. ونفكر كما يفكر الاوربيين نقرر المواد كما يقرر التعليمية .. سياستنا ايضا تخضع للنمط الاوربي الغربي " وابتعدنا عن التراث الذي يمثل انموذجنا الحضاري الرائع الذي يجب ان نسير على هداه فهو من مكن المسلمين سابقا " في ظرف 80 عام الى ان يضعوا قدمهم في الاندلس وقدمهم الاخرى في الصين لانهم  فعلا كانوا يعرفون او وضعوا ايديهم على مواطن القوة في هذا التراث " فضلا عن " الحضارة التي تقلبت وجاء بعضها اثر بعض في قوة الامويين العباسيين كان التراث هو الذي يحملهم " لذلك فاي محاولة للدعوة للتجديد في فهم ذلك التراث او نقده باعتباره " يورث الضعف ويورث التراجع " فما هي في حقيقتها سوى " مزايدة على التراث "
عبر فضيلة شيخ الازهر بصراحة عما يجول في ذهنية كل الداعين الى الحفاظ على التراث وان التجديد ان حدث على استحياء طبعا فلن يكون الا بنفس المنهجية والعقلية والاليات التي بني عليها هذا التراث والتي من الطبيعي بعد عشرات وربما المئات من دعوات التجديد التي تسير على خطى منهجية فضيلته سوف لن تتقدم بعملية التجديد الحقيقية خطوة واحدة الى الامام وستكتفي باعادة عملية التزويق والترقيع ذاتها التي يمارسها على الدوام دعاة المحافظة على التراث و كأنك يابو زيد ماغزيت ونعود من كل تلك الدعوات والمؤتمرات واللقاءات بخفي حنين
هل يعتبر فضيلته ان الفتوحات والغزوات التي قام بها المسلمين خلال 80 عاما والتي وضعت احدى رجليهم في الاندلس والاخرى في الصين انجازا من انجازات التراث يجب ان اردنا العزة في الحاضر ان نعيد تفعيلها في حياتنا هل سألت فضيلتك نفسك يوما ما اذا كانت تلك الفتوحات التراثية التي تتباهى بها تتماشى فعلا مع مبادئ الاسلام الذي اعلنها بكل وضوح  انه لا اكراه في الدين فحوله من تصفهم بالقوة من امويين وعباسيين الى دين ينشر مبادئه بالغزو والسيف والفتح لتحقيق مآربهم ومصالحهم الشخصية وفضيلتك من اشار الى " ان الدين عادة او ان السياسيين والمستعمرين عادة مايختطفون هذا الدين .. ليحققوا به مصالح واغراض شخصية ينهى عنها الدين " الا تجد فضيلتك ان تحليلك ينطبق على فتوحات الامويين والعباسيين التي تفتخر بها وكأنها من اعظم الفضائل التي نباهي بها الامم اولئك الفاتحين الاقوياء كما تصفهم و الذين نحوا جانبا التوجيه الالهي بان يكون الحكم شورى واستبدلوه بحكم وراثي استبدادي فعلوا في سبيل تحققه على الارض ما يندى له جبين الانسانية على صعيدي الفكر والسلوك و اسطر مصادر تاريخنا الاسلامي تقطر دما سواء اكان دما مسلما ام غير مسلم
هل الدعوة لتجديد فهم وقراءة التراث التي ستمكننا من النظر الى تلك الفتوحات الاموية والعباسية  على انها مجرد فتوحات وغزوات استعمارية ظالمة تخالف مادعا اليه الاسلام من حرية العقيدة والحياة ام نصر كما يفعل دعاة الحفاظ على التراث بان نعتبرها مدعاة فخر تراثي ندعوا الناس الى تكرار فواجعها الكارثية على البشرية
ذكرت فضيلتك ان الحروب الصليبية كانت حروب استعمارية اراقت الدماء فيما كانت جحافلها " تحمل الانجيل في يد والسيف في يد مع ان الانجيل يبرأ من هذا الذي يفعلونه " الا يشبه توصيفك للحروب الصليبية بالتوصيف الذي تسهب فيه  مصادر التاريخ الاسلامي عند حديثها عن الفتوحات الاسلامية التي يحاول الترقيعيون في زماننا اعتبارها حروبا دفاعية ولا ادري صراحة اي دفاع عن النفس هذا الذي جعلنا نضع احدى قدمينا في الاندلس والاخرى في الصين على حد قول فضيلتك اليس المنطق الاستعماري نفسه الذي جعلهم يحملون الانجيل بيد والسيف بيد هو ذات المنطق الذي جعلنا نحمل القران بيد والسيف باليد الاخرى لكن الفرق بين الحالتين يتمثل بأن المسيحيين اعتذروا عن الحروب الصليبيبة وتبرأوا منها وعدوها حروبا عدائية لا تمت للمسيح والمسيحية بأي صلة ولم يعدونها ارثا مسيحيا مقدسا ينبغي الافتخار به كما تفعلون شيخنا الفاضل
اما بالنسبة للحضارة التي يتغنى بها المسلمين والتي ينظر اليها التراثيين نظرة مليئة بالاعجاب والتبجيل فتلك الحضارة في حقيقتها لم تكن الا نتاج امتزاج خبرة اناس متحضرين ينتمون لحضارات امم سابقة للامة  العربية والاسلامية  كالمسيحيين واليهود والزرادشتيين والصابئة و الفرس والسريان والكلدان  والرومان والاغريق والهنود كل اولئك ادى امتزاج خبراتهم الموروثة من حضاراتهم السابقة الى احداث طفرة حضارية في البلدان التي حكمها المسلمين والتي يأنف بعض التراثيون اليوم من التذكير بدورهم في بناء وازدهار مابات يعرف بالحضارة العربية الاسلامية   ويرفض ان يشارك اليوم ابناء اولئك المبدعين في صنع حضارتنا الحالية باعتبارهم حسب فتاوى نسبة لا بأس بها من التراثيين بانهم ليسوا اكثر من نصارى او صابئة .. الخ لايجوز الاستعانة بهم او استخدامهم في وظائف الدولة  المهمة حتى لو كانوا اكثر الناس ابداعا فيها ويجب الحذر منهم والتضييق عليهم والتلميح بعمالتهم للغرب الاوربي الكافر رغم انهم سبقونا للعيش بالالاف السنين في الارض التي كان التراثيين ولا زالوا يصرون على حصر تسميتها بانها  " ارض اسلامية "
لقد كان غير المسلمين في البلدان التي حكمها المسلمين روادا للحضارة في الوقت الذي كان اسهام كثير من المسلمين لا يتعدى كتب الفقه والعقيدة والتفسير وغيرهم من العلوم الدينية والتي تشكل اغلب العلوم التي يدعو الى اعادة تعليمها على العلات الموجودة فيها باعتبارها العلوم التي ستضمن حسب فهم التراثي بالنهوض بواقعنا الى مصاف الدول المتقدمة
ينتقد فضيلة شيخ الازهر الجامعات ومراكز البحوث العلمية وغير التراثية في انها
لم تتمكن من ان تنتج لنا " كاوتش سيارة " اتدري لماذا فضيلتك لان العقل البشري لكي يتمكن من الخلق والابداع يجب ان يكون عقلا يمتلك الحد المعقول من الثقافة العقلية والانسانية الحرة وتكون فيه مساحة كافية لملئها اولا باول باحدث المعلومات العلمية فهل بامكان جامعاتنا التي لا زالت تحاكي الى حد كبير طريقة التراثيين في التعليم والتي تستند الى اليات الحفظ والتلقين والاعادة فضلا عن التحذير من اي محاولة للتفكير خارج الصندوق والا اتهم صاحب الفكرة بالهرطقة العقلية والذهنية في مقابل اتهام اي صاحب فكرة لنقد التراث بتهمة الهرطقة الدينية
ان العقلية والنفسية التي تعتمد على تلك الاليات البائسة والتي اتخمت خوفا ورعبا دينيا واجتماعيا وسياسيا والفت حياة الخنوع والمشي جنب الحيط خوفا من الحاكم ورجل الدين ليس بمقدورها ان تكون عقولا وارواحا خلاقة ومبتكرة لان الابتكار العلمي يحتاج الى شجاعة وجرأة وثقة لايمتلك حدها الادنى من تربى بثقافتنا التراثية التي تدجن متبعيها لذلك فطرق جامعاتنا في التعليم والبحث شيخنا الفاضل ليست كما ذكرت طرقا اوربية غربية بل طرقا تراثية مهما حاولت ان تتبرقع ببرقع الحداثة وليس من المنتظر من امثال تلك الجامعات والمراكز التراثية باطنا الحداثية ظاهرا الا ان تنتج ماتنتجه المؤسسات التراثية من الحشو وتسويد الصفحات دون اي تقدم يذكر
ثم اي مساحة تلك التي ستتبقى في دماغ الباحث في جامعاتنا ومراكزنا والاف الفتاوي التي ينتجها الشيوخ ليل نهار والمتعلقة بكل حركة من حركاته وسكنة من سكناته وكانه يخضع لنظام مراقبة صارم مرعب يحسب عليه خطواته بالمليم فضلا عن انشغاله بهموم المعيشة الخانقة في بلداننا التي شبعت من الجوع والذل والموت المجاني فماذا سيتبقى من ذلك العقل المتخم بالمعلومات الزائدة والضارة لكي يتاح تزويده بانتظام بالمعلومات المطلوبة لمواكبته لاحدث ماينتج في عالم البحث والابتكار
تطالبهم شيخنا الفاضل بصناعة كاوتش سيارة وانت لم تكتف سيدي الكريم بتجميد عقول التراثيين الصرحاء المنتمين للمؤسسات التراثية الصريحة بل تعمل جاهدا ومن يؤيد وجهة نظرك  لتصدير العقلية والروحية التراثية الى كافة مؤسسات الدولة السياسية والعلمية والاجتماعية وبذلك سنتحول بمجموعنا شيئا وشيئا في حال لو نجحت مساعيكم الى نسخة ممسوخة من اي بلد اسلامي في القرون الوسطى والمسلمين بعقليتهم في القرون الوسطى لم يتمكنوا من انتاج كاوتش سيارة فلم العجب من ان نسختهم الكاربونية في القرن الواحد والعشرين لا زالت عاجزة كذلك عن انتاج ذلك الكاوتش

مقال فضيحة جزيرة إبستين (Little Saint James)

  عمليات تتفيه العقل الجمعي تحت عنوان فضيحة جزيرة إبستين ( Little Saint James ) بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين   في صباح ه...