بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 16 يوليو 2018

مقال



( فرنسا في مونديال 2018 اربعة اهداف اربعة دروس )
د. احمد ميسر
الفرنسيين ابطال مونديال 2018 وهي المرة الثانية في تاريخهم التي يحصلون فيها على اللقب العالمي بعد حصولهم عليه للمرة الاولى عام 1998 على ارضهم وبين جمهورهم انذاك واليوم يعيدون الكرة بطريقة ولا اروع على ارض القياصرة والرفاق السوفيت سابقا و الذين وان انتهى حكمهم السياسي لكنهم لازالوا يعاملون بشئ لايمكن اغفاله من احترام كونهم نتاج البيئة والثقافة والعقلية الروسية فتجد اسماء لينين وغيره من قادة الشيوعية حاضرة في الملاعب والميادين وذلك درس حضاري في كيفية التعامل مع ماضي ابناء جلدتك الجيو - حضارية حتى وان كنت انت بنفسك من ثرت عليهم وازلت نظام حكمهم فهم بالرغم من كل سلبياتهم التي تسببت بالثورة عليهم اسهموا في يوم ما سابق في تطور روسيا ورفع اسمها وشأنها بين الامم فهم بشر لهم ايجابياتهم وسلبياتهم وهم منهم واليهم قبل وبعد كل شئ اما بعض الامم الاخرى وعملا بنصيحة المثل الشعبي ( احاجيج يابنيتي واسمعج ياجنتي ) كلما دخلت امة لعنة من قبلها وطلعتهم من ..يز الكلب فليس لديهم الا السلبيات وعظائم الموبقات وعداد الخير عندهم زيرو من الشركة ايغالا في ثنائية الملاك والشيطان المهيمنة على عقول البعض من المشمولين بنصيحة المثل الوارد ذكره اعلاه
تلك مقدمة احاول من خلالها الولوج الى موضوع الدروس الفرنسية في هذه المناسبة العالمية
الدرس الاول منها يقول التالي : الضمان الافضل لديمومة نجاحك وتطورك يتمثل بعدم ترفعك عن الاستفادة من تجارب الاخرين فانت ان كنت استاذا ناجحا في اختصاص معين فغيرك استاذ في اختصاص اخر ولاضير من ان تلعب دور التلميذ الشاطر المجتهد في الاختصاص الذي ينقصك لتكتمل عملية نهوضك كبراعة تجسيدك لدور الاستاذ الالمعي في الاختصاص الذي تتقنه
وفرنسا ممثلة بمدربها الواقعي ديدييه ديشان خير من طبق تعليمات هذا الدرس بحرفنة يشهد لها القاصي والداني
فبالرغم من مهارات وخبرة انطوان كريزمان والصعود الواعد لامبابي والروح القتالية والطفولية في ذات الوقت للرائع بوغبا
لكن من ضمن رجحان كفة المنتخب الفرنسي طوال سير مجريات احداث المونديال هي العقلية الواقعية العلمية الفرنسية التي تجسدت في المدرب ديدييه ديشان والذي رغم انه كان قائد منتخب فرنسا في مسيرته الظافرة للحصول على اللقب الاول للديوك الفرنسية في مونديال 1998 لكن ذلك الفوز التاريخي لم يمنعه وبدون ان يجد اي غضاضة من ان يعود فيلعب دور التلميذ المجتهد لينهل بنهم وشغف من مبادئ وتعاليم المدرسة الايطالية العريقة في كرة القدم معدلا ومضيفا اليها بما يتناسب وخصوصية الحالة الفرنسية فالمهم لديه ان تتقدم فرنسا خطوة الى الامام ومثقفينا اونخبنا كما يحلو لهم ان يطلقوا على انفسهم لازالوا منشغلين بجدالاتهم البيزنطية العقيمة عن كيفية التعامل مع العالم خارج حدود عالمنا - او سجننا - العربي والاسلامي الكبير بين انصار فريق يجزم بان طريق نهضتنا لن يكون الا باعتماد طريقة الكوبي بيست لتجربة القرون الماضية بكل ايجابياتها وسلبياتها ضاربين بعرض الحائط بكل سنن ونواميس التغيير والتقدم التي تطرأ على العقل البشري الجمعي وبين انصار فريق يجزم بالمقابل وبنفس القدر من الاصرار والتعصب باعتماد ذات طريقة الكوبي بيست لكن بادارة البوصلة هذه المرة باتجاه التجربة الغربية بحذافيرها ضاربين بعرض الحائط ايضا حالهم حال رفاقهم في التعصب والكوبي بيست من انصار عبادة الماضي بكل قوانين علم الاجتماع والانثروبولوجي وعلم نفس الشعوب وسنة التنوع وخصوصيته بين امة واخرى ومجتمع واخر
الجدل البيزنطي بين الفاشلين من المعسكرين تجده مستعرا منذ بدايات القرن الماضي ولحد لحظة كتابة هذه السطور ستصاب بدهشة محبطة حين تجري عملية مقارنة بين مقال كتب قبل 100 سنة عن هذا الشأن ومقال كتب قبل 100 يوم عن ذات الموضوع لتجد ان عقلية الكوبي بيست حاضرة وبقوة وملازمة كمرض مزمن لمنهجية تفكرينا ولو مضى على تواجدنا على سطح هذا الكوكب مليار سنة ضوئية فاحساسنا بمرور الوقت شبه منعدم لانأبه على الاطلاق لكارثة ان لايكون ثمة بون شاسع بين طريقة تفكيرنا قبل 100 سنة وطريقة تفكيرنا قبل 100 يوم الامر سيان لدينا في عالم يتطور بالثواني رغم تبجحنا التراثي المزمن بان الوقت كالسيف ان لم تقتله قتلك والوقت من ذهب وغيرها من شعارات وبهلوانيات حياتنا السيركية الملامح والصفات القائمة على مبدأ اللعب بالبيضة والحجر واللي تغلبوا العبو وغيرهما من مبادئ الفهلوة التي لايعي اصحابها انهم حذقين برأس من هو احمق منهم من ابناء جلدتهم حصرا اما مع الامم الاخرى فالكل سواسية في لعب دور المهرج الذي يضحك عليه من قبل المتفرجين والتعامل العلمي مع الوقت اعتبره الدرس الفرنسي الثاني في المونديال بنسخته الروسية يقول الدرس الثاني
( من لايعرف قيمة الوقت لن يتمكن من تحقيق اي شئ ايجابي في        الحياة )
الدرس الفرنسي الثاني و بالرغم من كونه درسا مشتركا تقدمه الفرق الناجحة موندياليا لكن الدرس الفرنسي من بينها كان يحمل عطرا باريسيا مختلفا يميزه عن باقي الدروس العالمية الناجحة الاخرى فلقد كان اكثرها اتقانا واحترافا درس يحفر في وعيك بقوة انتبه للدور الذي يلعبه الوقت في حسم نتائج المباريات المونديالية والحياتية على حد سواء فكم من فريق في المونديال قلب النتيجة لصالحه خلال دقائق الوقت بدل الضائع وكم من فوز حدث في المونديال لبراعة تعامل المدرب مع عامل الوقت بتحقيقه هدفا موجعا عن طريق هجمة مرتدة فيما ينجح في اهدار وقت الفريق المقابل والذي يوهمه باطمئنان كاذب بان المباراة تسير حسبما تشتهي سفنه بكثرة استحواذه على الكرة بدون طائل الى ان تطلق عليه صفارة الرحمة من قبل حكم اللقاء فوقت المباراة لدى الامم المتقدمة وخصوصا فرنسا في هذا المونديال لاينتهي الابصافرة الحكم ومادامت الصافرة لم تنطلق بعد فاللحظة التي يلعبون فيها بعد الدقيقة التسعين هي ذاتها لحظة انطلاق صافرة بدء المباراة
الدرس الفرنسي الثالث يقول لنا اذا كنت محتاجا لتطوير نفسك فكريا عن طريق التعلم من امة تتفوق عليك فكريا في شأن ما فلربما انت بحاجة الى افراد من امة اخرى ينفذون ماتعلمته افضل منك ماعليك سوى توجيههم بطريقة ذكية تمثل حاصل جمع ماتعلمته مضافا اليه ابداعك الذاتي وهذا ماقدمته فرنسا افضل من غيرها في هذا المونديال بحجم التمثيل الكبير للاعبين الفرنسيين المجنسين من اصول غير فرنسية بدءا من كريزمان وانتهاء باصغر وافضل لاعب صاعد في البطولة امبابي
ان تتمكن من تحقيق احلامك التي سيقوم بتنفيذها اشخاص من امم اخرى افضل من ابناء امتك الاصليين تمكنت من ضمهم اليك عن طريق ثقافة التجنيس وعدهم ابناء لك بالمواطنة لاتفرقهم عن ابنائك بالولادة فتلك ثقافة فرنسية ترفع لها القبعات فيما يعدها
بعض السطحيين لدينا نقيصة بحق فرنسا ان يتم نصرها الكبير على يد ابنائها الذين يحلو لبعض العقليات التي ادمنت القبلية عن وصفهم ب    ( غير الاصلاء ) ونسوا او تناسوا انهم يقيسون فكر وفعل دولة كبرى سياسيا وثقافيا كفرنسا بذات طريقة تفكير عقلهم العرقي والعشائري السطحي والذي اساء اول ما اساء للفكر القومي في العالم كونه فهم ان القومية ماهي الا فكرة موازية للعشيرة فبقينا نلعن القومية ونتهمها بالعنصرية نظرا لفكر وسلوكيات القبيلة التي في عقول وتصرفات قوميينا الاشاوس مهما ادعوا بأنهم يفهمون القومية كانتماء ثقافي بالدرجة الاساس بنصوص مترجمة بطريقتهم القريبة الى قلوبهم واقصد بها طريقة الكوبي بيست بقوا قبليين متبرقعين ببرقع القومية والقومية منهم براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب
اما فرنسا التي تعتبر كل لاعب يحمل جنسيتها مواطنا فرنسيا بامتياز منذ اللحظة التي يمنح فيها جنسيتها وله من الحقوق والواجبات ما للرئيس الفرنسي ماكرون نفسه سواء بسواء
ففرنسا لم تعامل ابنائها الجدد على انهم ليسوا من سكان البلد الاصليين وانه لم يمض سوى عدة اشهر او سنين على حصولهم على جنسية فرنسا كما يفلق البعض رؤوسنا ومراراتنا في بلاد الحضارات ليل نهار بانه اصلي خط ونخلة وفسفور اما غيره فمجرد مهاجر الى بلاد النهرين رغم ان تاريخ هجرته للعراق قد مضى عليها اكثر من 2000 سنة لكنه يبقى بنظر القبليين مهاجرا وابن ستين الف مهاجر والانكى من ذلك ان جماعة الاصلي والمزور في بورصة الوطنية العراقية يلومون امثالي حين لانصدقهم في ادعائهم برغبتهم في اقامة دولة مدنية ونصر على تصنيفهم كقبليين حالهم حال رفاقهم القبليين من الذين لحقوهم في تسلسل قوائم الهجرة لبلاد الرافدين
الدرس الفرنسي الرابع نجاح فرنسا من ان تكون ارض احلام بالنسبة للمتجنسين وتمكنت عن طريق ثقافتها الواقعية هذه والتي كان لها الفضل الاكبر في توجيه دفة سياستها وطرق ادارة الدولة والمؤسسات فيها من تحويل هذه المواهب التي كانت مغمورة في بلدانها الاصلية الى فرص نجاح عالمي حقيقية بحسن ادارة وتخطيط فرنسيين يشهد لهما القاصي والداني والتي تمكنت من ان تخرج من اولئك المهاجرين المتجنسين حديثا افضل ما لديهم بما يحقق المنفعة للطرفين
اما نحن فنحتل بلا حسد مرتبة متقدمة عالميا في قائمة الدولة الطاردة للابداع والمبدعين و الذين سنفتخر بهم لاحقا ونعترف بعراقيتهم حتما حين يتمكنوا فقط بجهودهم ورعاية الدول التي هاجروا اليها ومنحتهم جنسيتها ورعايتها شريطة ان لانسمح لهم بنقل فايروس تجربة نجاحهم الواقعية العلمية والانسانية الى مجتمعنا كي لاتقلق منام نخبنا التي تغط في سبات باندوي - نسبة الى الباندا - ولاتسبب الحرج لقادتنا السياسيين والدينيين والعشائريين وغيرهم من اصناف القادة الذين بات عددهم يفوق عدد مواطني شعبهم والذين ينطبق عليهم قول الشاعر علي    الشرقي :
قومي رؤوس كلهم ارأيت مزرعة البصل

فضلا عن خشيتهم من ان تلهيهم امثال تلك التجارب المشكوك في نواياها رغم اشادتنا بها عن اداء دورهم المقدس في خدمة مواطنيهم وتنفيذ برامج خططهم الخمسية في شفط كل قشة من خيرات الوطن لحساب مصالحهم الشخصية ومصالح عوائلهم ومريديهم وبطاناتهم فنحن في جمهورية موز يتنعمون هم باكل ثمرتها ونتزحلق نحن بقشرتها
فرنسا في ختام المونديال البارحة تمكنت من تسجيل اربعة اهداف في مرمى المنتخب الكرواتي هذا نصرها الظاهري اما نصرها الحقيقي فاجده متجليا في الدروس الفرنسية الرائعة التي سجلتها في مرمى العقل الجمعي العالمي
فهل من مستفيد


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقال عن مشروع قناة الممر المائي (قناة الذهب الاسود)

  مشاريع التنمية المستدامة المستقبلية للعرب تحت عنوان ممر قناة الذهب الأسود المائية بقلم البارون الاخير / محمود صلاح الدين تُعدّ بؤر...